الميليشيات الشيعية تصدّر أزمتها من بغداد إلى الفلوجة

معركة استعادة الفلوجة المؤجلة، والمأساة التي يعيشها سكان المدينة تحت القصف والحصار واعتداءات تنظيم داعش، لا تزال موضع مزايدة سياسية بين قادة الميليشيات والأحزاب الشيعية الذين يجدون الآن في إثارة الضجيج حولها مهربا مناسبا من مسؤوليتهم على الوضع الكارثي داخل العاصمة بغداد.
الجمعة 2016/05/20
غطاء حكومي لميليشيات طائفية

بغداد - وجّه قادة الميليشيات الشيعية في العراق اهتمامهم بشكل مفاجئ نحو بدء معركة استعادة مدينة الفلوجة بمحافظة الأنبار، والخاضعة لسيطرة تنظيم داعش منذ يناير 2014.

وفاجأ كريم النوري، الناطق باسم ميليشيات الحشد الشعبي، الرأي العام العراقي بالتهوين من شأن المعركة قائلا إنها ستكون “سهلة” نظرا “للاستعداد الجيد للقوات الأمنية والحشد الشعبي وامتلاكهما الرؤيا الشاملة لإدارة المعركة”، مخالفا بذلك تخوّف الخبراء العسكريين من حمّام دم في المدينة التي يتشبّث بها داعش كأحد آخر معقل مهم له في الأنبار، والتي يتخذ من سكانها رهائن ويمنعهم من المغادرة ليجعل منهم دروعا بشرية.

وفي تصريح لإحدى الفضائيات العراقية تفادى النوري الإجابة عن سؤال بشأن مصير المدنيين المحاصرين في المدينة، مكتفيا بالقول إنه تم تأمين ممرات آمنة لهم دون شرح كيفية التعامل مع مقاتلي داعش الذين يمنعون أي حركة باتجاه خارج المدينة عبر القنص وتفخيخ الطرق بشكل محكم.

وربط مراقبون اهتمام قادة الميليشيات الشيعية المنضوية ضمن الحشد الشعبي بمعركة الفلوجة وحرصهم على إطلاقها سريعا، بالأزمة السياسية الحادّة والصراعات المحتدمة بين الأحزاب والفصائل الشيعية، إضافة إلى الأزمة الأمنية والاختراقات الخطرة لأمن بغداد والتي أدت في ظرف ما يقارب الأسبوع إلى سقوط المئات من القتلى والجرحى.

ويحمّل العراقيون قادة الأحزاب والميليشيات الشيعية بشكل مباشر مسؤولية الوضع الأمني في بغداد، من زاويتين: زاوية إشغالهم أجهزة الدولة بصراعاتهم السياسية، وزاوية توليهم أهم المناصب ذات الصلة بالملف الأمني بدءا من رئاسة الحكومة التي يشغل من يتولاها منصب القائد العام للقوات المسلّحة، إضافة إلى منصب وزير الداخلية الذي يشغله محمد سالم الغبان المنتمي لمنظمة بدر.

ومن هذا المنطلق تغدو إثارة الضجيج حول معركة الفلوجة من باب محاولة تصدير الأزمة القائمة في بغداد.

وقد بدا الربط واضحا بين الأمرين من خلال إعلان مصدر في قيادة عمليات بغداد، الخميس، عن تنفيذ خطة أمنية جديدة لحماية العاصمة من السيارات المفخخة والانتحاريين في ظلّ توقعات بازدياد تلك الهجمات قبيل اقتحام الفلوجة.

كريم النوري: معركة الفلوجة ستكون أسهل مما يتوقعه الكثيرون

ومن المؤكد أن تدهور الوضع الأمني في بغداد، والذي نتج عنه تجدد شعور سكان العاصمة بالفوضى والخوف من تصاعد التفجيرات، من شأنه أن يعزز الفكرة التي تقول بعدم كفاءة الحشد الشعبي للقيام بمهمات الدفاع عن العاصمة. وهو ما دفع زعماء الحشد الشعبي في محاولة منهم للهروب إلى الأمام إلى المطالبة بما حرموا من القيام به في أوقات سابقة، وهو المشاركة في استعادة المناطق التي يحتلها تنظيم داعش وفي مقدمة تلك المناطق مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار.

ويحاول قادة الميليشيات توظيف حالة الذعر التي يعيشها سكان العاصمة في سياق نزعتهم الطائفية، بالمعنى الذي يجعلهم يربحون مستقبل عملهم طائفيا بدلا من أن يواجهوا المسؤولية عن خسائر حاضر الطائفة الشيعية التي يحاول البعض وبالأخص في التيار الصدري التلويح بها، في مواجهة الدعم الإيراني الواضح للحشد.

وبحسب مراقبين، ليس من التشاؤم في شيء القول إن طرد داعش من الفلوجة إن وقع لن يكون سببا في تصحيح الوضع الأمني في العاصمة، لا لشيء إلاّ لأن ذلك الوضع هو مرآة للاحتراب داخل البيت الشيعي نفسه، وهو المعرّض للانهيار المفاجئ في أي لحظة. وهو ما يجعل الأحزاب المنضوية تحت خيمة التحالف الوطني تنظر بحذر شديد إلى ما يمكن أن تؤدي إليه تظاهرات التيار الصدري من تفاقم لحالة التصدع التي تضرب البيت الشيعي.

ورغم أن مدينة الفلوجة محاصرة بإحكام من قبل القوات النظامية والحشد الشعبي منذ حوالي سنة، لا يتردّد قادة الميليشيات الشيعية في القول إنّ القضاء على داعش في المدينة سيؤدي إلى تحسّن الوضع الأمني في بغداد، على اعتبار المدينة خزّانا للانتحاريين والسيارات المفخّخة.

ولا ينفصل هذا القول عن اتهامات دأب سياسيون وقادة ميليشيات شيعية على توجيهها لسكان المدينة – التي تعتبر مركزا كبيرا للتديّن السنّي في العراق، وأيضا لمعارضة حكم الأحزاب الشيعية، وقبل ذلك لمقاومة الغزو الأميركي – بالتعاون مع تنظيم داعش واحتضانه.

وعلى هذه الخلفية لا يتردّد عراقيون في القول بوجود نوازع انتقام طائفي وراء التقصير الحكومي في إغاثة سكان الفلوجة الذين يعيشون وضعا مأساويا جرّاء الحصار والقصف العشوائي من الخارج واضطهاد تنظيم داعش لهم في الداخل.

وتتحدّث تقارير دولية عن وضع أشبه بالمجاعة في الفلّوجة جرّاء النقص الحاد في الأغذية، وعن وفيات متعدّدة بفعل نقص الأدوية وانعدام الخدمات الطبية، فضلا عن تعدّد حالات الانتحار في صفوف المدنيين بدافع اليأس وطول المعاناة.

وبالإضافة إلى تصدير الأزمة السياسية والأمنية القائمة في بغداد، تعتبر معركة الفلوجة فرصة لميليشيات الحشد الشعبي لمدّ سيطرتها باتجاه مركز مهم من مراكز محافظة الأنبار التي يرفض سكانها دخول تلك التشكيلات الطائفية المسلّحة لمناطقهم مخافة تعرّض المدنيين لعمليات انتقام طائفي على غرار تلك التي تعرّض لها سكان مناطق بمحافظة بابل جنوب العاصمة، وبمحافظتي ديالى وصلاح الدين بشمالها، والذين لا يزال الكثير منهم يعاني تبعات مشاركة الحشد الشعبي في الحرب على داعش بمناطقهم.

وأبدت الولايات المتحدة من جهتها تحفّظا على مشاركة ميليشيات الحشد الشعبي في الحرب بالأنبار لاعتبارات لا علاقة لها بالخوف على المدنيين، لكنها على صلة بعملية تقاسم النفوذ مع إيران في العراق، حيث ترى واشنطن في الحشد جيشا إيرانيا يجب حصر سيطرته في مناطق معينة.

ولواشنطن حساباتها الخاصة في ما يتعلّق بمعركة الفلّوجة، والتي تجلّت في قول المتحدث باسم التحالف الدولي ستيف وارن منذ أيام، إن دحر تنظيم داعش من الفلوجة ليس بالأهمية العسكرية في الوقت الراهن مقارنة باستعادة مدينة الموصل.

وسارع قادة الميليشيات الشيعية إلى استثمار هذا التصريح للإيحاء بأنهم حريصون على الإسراع بتخليص سكان الفلّوجة من داعش على عكس الولايات المتحدة.

3