الميليشيات الشيعية تمعن في إهانة القوات العراقية

تضخّم الميليشيات الشيعية وإفلاتها من رقابة الدولة العراقية وتحوّلها إلى منافسة القوات النظامية ومنازعتها على أداء مهامها الرسمية، عوامل تهدّد مستقبل الاستقرار في العراق حتى في حال حسم الحرب ضدّ تنظيم داعش.
السبت 2016/09/10
خريف الجيش.. ربيع الميليشيات

بغداد - أطلقت اشتباكات مسلحة بين الشرطة العراقية وعناصر من ميليشيا حركة النجباء حاولت اقتحام مركز أمني قرب العاصمة بغداد، مجدّدا صفارة الإنذار بشأن درجة التغوّل والانفلات التي بلغتها الميليشيات الشيعية في العراق، وما يمثله ذلك من خطر على مستقبل الاستقرار في البلد، بل على كيان الدولة ذاتها، خصوصا مع اقتراب الحرب ضدّ داعش من نهايتها، ما سيعني وجود أكثر من مئة ألف عنصر ميليشيوي مدرّبين ومدجّجين بالأسلحة في حالة تفرّغ.

وحاول عناصر من حركة النجباء اقتحام مقر الشرطة الاتحادية في منطقة الزعفرانية جنوب شرقي بغداد لاستعادة ضابط كان مختطفا لدى الميليشيا ذاتها وحرّرته القوى الأمنية من يدها، ما فجر اشتباكا مسلحا انتهى بتوقيف 15 عنصرا من المقتحمين.

ولا تعتبر الاشتباكات بين القوات الأمنية والميليشيات الشيعية في العراق حدثا طارئا، حيث تتكرّر بشكل جعلها مألوفة لدى الرأي العام، لكن الاستثناء في حادثة الزعفرانية أن ميليشيا النجباء صرحت باستهدافها المتعمّد والمقصود لرجال الشرطة ودافعت عن “أحقيتها” بضبط الأوضاع الأمنية، موجّهة اتهاما مباشرا للقوى الأمنية بالتواطؤ مع تنظيم داعش.

وبحسب ضابط في الجيش العراقي السابق علّق على الحادثة طالبا عدم ذكر اسمه فإنّ ذلك الاتهام “مثّل قمة الإهانة للقوات المسلّحة العراقية، وهي إهانة مقصودة ضمن حملة إذلال ممنهجة لتلك القوات استعدادا للسطو على دورها وإسناده للحشد الشعبي الذي أصبح بمثابة جيش طائفي رديف جاهز لتسلّم مهام الجيش النظامي”.

وعلى إثر حادثة الزعفرانية أصدرت “الحركة” بيانا اتهمت فيه مجموعة من الشرطة بالتواطؤ مع “خلايا داعشية نائمة”، متوعّدة “بتطهير الأجهزة الأمنية من الدواعش”.

كما دافعت في ذات البيان عن “أحقيتها” بالمشاركة في العمل الأمني قائلة إن عناصرها “يقاتلون بيد ويعملون استخباريا في متابعة قيادات ومجاميع إرهابية تابعة لتنظيم داعش تحاول العبث بأمن المواطن العراقي بالقيام بعمليات إرهابية خلال هذه الأيام المتزامنة مع أيام عيد الأضحى، فنحن نسهر على أمن المواطنين ولدينا معلومات استخبارية تشير إلى أن التنظيم يحاول استهداف بعض المناطق والأماكن والأسواق التجارية بعمليات انتحارية وكان التفجير الأخير في مدينة الكرادة خير دليل على ذلك”.

وأضافت أن “واجب المقاومة الشرعي والأخلاقي تقديم كل ما يمكن من أجل الحفاظ على أمن المواطنين الأبرياء دون انتظار الإذن من أحد خصوصا أن هناك خللا واضحا في هذا الأمر بسبب بعض المتواطئين داخل الأجهزة الأمنية التي يعلم بها القاصي والداني”.

نهاية الحرب على داعش لا تفتح بالضرورة على مرحلة من الاستقرار حيث ستصطدم الدولة العراقية بمعضلة الميليشيات

ويعكس هذا البيان “الجريء” استهانة كبيرة بالقوات المسلّحة العراقية التي أصبحت الطرف المستضعف في المعادلة بينما الميليشيات تحظى بدعم كبير من أطراف شيعية ذات نفوذ كبير في الدولة.

وأصبح تغوّل الميليشيات الشيعية مبعث تشاؤم قسم كبير من العراقيين بشأن تحقيق الأمن والاستقرار في بلدهم رغم التقدم الكبير المسجّل في الحرب على تنظيم داعش في العراق، نظرا للتحدّي الذي تطرحه الميليشيات المشكّلة للحشد الشعبي المشارك بفعالية في تلك الحرب، كون تلك الميليشيات قويت شوكتها وتضخّمت كثيرا عدّة وعتادا وباتت بمثابة جيش رديف سيمثل الإبقاء عليه مشكلة للدولة العراقية، تماما مثل حلّه، وإن كان الخيار الأخير أمرا مستحيلا.

أمّا إدماجه ضمن القوات المسلّحة فسيشكل السيناريو الأسوأ وسيكون بمثابة شهادة ميلاد رسمية لجيش عراقي مقام على أسس طائفية، حيث أن الجيش النظامي هو من سينضم إلى الميليشيات وليس العكس.

ولا يتردّد قادة رأي عراقيون في القول إنّ الحرب على داعش تلوح بلا أفق، وإنّ نهايتها لا تفتح بالضرورة على مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار، وإنّه على افتراض حسمها بانتصار على التنظيم، فإنّ الدولة العراقية ستواجه معضلة نزع سلاح الميليشيات نظرا لما شهدته الأخيرة من تغوّل يتجسّد في كثرة عدد مقاتليها وما باتت تمتلكه من أسلحة وما يصلها من أموال سواء من إيران أو من الداخل العراقي، فضلا عن السلطة السياسية التي يتمتع بها قادتها.

ويحذّر هؤلاء من أن ما بدأ يطرح على ألسنة قيادات شيعية بشأن إدماج ميليشيات الحشد الشعبي ضمن القوات المسلّحة العراقية بعد نهاية الحرب ضد تنظيم داعش يعدّ أحد أسوأ السيناريوهات وأخطرها حيث سيؤدّي إلى إنشاء قوات مسلّحة شيعية طائفية، الأمر الذي لن تقبل به عدّة مكونات عراقية لا يستبعد أن تضطر إلى حمل السلاح بوجه الدولة ما يعني نشوب حرب أهلية جديدة في العراق.

وتعود ظاهرة التكاثر الفوضوي والسريع للميليشيات الشيعية في العراق إلى سنوات خلت وتمثلت بانقسام ميليشيات وخروجها من أرحام بعضها بعضا.

غير أن ظاهرة تكاثر الميليشيات تفاقمت في ظل الظرف الراهن بالعراق والذي يشهد حربا ضد تنظيم داعش وتمرّ فيه الدولة العراقية بحالة من الضعف الشديد خصوصا مع حالة شبه الانهيار للقوات المسلحة التي حدثت صيف سنة 2014 مع غزو داعش للمناطق العراقية، والتي أفسحت المجال للميليشيات لتصدّر مشهد الحرب في نطاق ما يعرف بالحشد الشعبي الذي يمتلك “مشروعية” تتجاوز مشروعية الدولة بحدّ ذاتها باعتبار أنه أنشئ بالاستناد إلى فتوى دينية من المرجع الشيعي علي السيستاني تعرف بفتوى الجهاد الكفائي، وهو ما يجعل قادة الحشد والناطقين باسمه يصفونه بـ”المقدّس”.

3