الميليشيات الشيعية تنتزع زمام قرار الحرب من يد الحكومة العراقية

الميليشيات الشيعية تزداد بروزا في مقدمة المشهد العراقي في ظل الحرب القائمة في البلد، وقادتها ينتزعون القرار العسكري من يد الحكومة، ما يخلق وضعا شاذا يثير امتعاض قادة القوات المسلحة ويضعف حماسها للقتال.
الثلاثاء 2015/05/26
الأقرب إلى إيران هو الأقوى سلطة في العراق

تكريت (العراق) - أثار التضارب بين التلفزيون الرسمي العراقي وما يعرف بـ“إعلام الحشد الشعبي” بشأن إعلان بدء عملية عسكرية كبيرة في محافظتي صلاح الدين والأنبار، تساؤلات المراقبين بشأن من يمتلك بشكل عملي قرار الحرب في العراق، وعن مدى ما تتمتع به الميليشيات من استقلال تام في اتخاذ أخطر القرارات، في تناقض مع ما تؤكّده حكومة بغداد بشأن دخول الميليشيات تحت إمرأة القائد العام للقوات المسلّحة، وخضوعها لأوامره.

وفيما كان التلفزيون الرسمي العراقي يبث خبرا عاجلا على شاشته يعلن فيه “بدء عملية لبيك يا رسول الله الثانية باتجاه شمال تكريت لـ“تحرير” ما تبقى منها”، ويشير إلى أن العمليات ستشمل أيضا جنوب غرب سامراء باتجاه الرمادي في محافظة الأنبار المجاورة، فاجأ ما يُعرف بـ“إعلام الحشد الشعبي” العراقيين ببيان يؤكّد أن “ما يحدث بالأنبار وصلاح الدين هو عمليات تمهيدية وليست عمليات ‘تحرير\'”.

وأذكى تلك التساؤلات كون القوات المسلّحة العراقية مشاركة في العمليات العسكرية بتلك المناطق سواء تعلّق الأمر ببدء “تحريرها” أو بالتحضير له، الأمر الذي أثار شكوك ملاحظين في أن تلك القوات خاضعة أصلا لقيادة الحشد وليس العكس.

وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي اضطر خلال الفترة الماضية تحت ضغط ما يوجّه لميليشيات الحشد الشعبي من انتقادات داخلية وخارجية واتهامات بالانفلات من سلطة الدولة، ومن رفض أبناء عدّة مناطق مشاركة تلك التشكيلات الطائفية المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي في الحرب بمناطقهم، إلى إعلان نيته توحيد قيادات الحشد تحت إمرته، دون أن يتم ذلك بشكل عملي، علما أنّ الحشد معلن أصلا بصفة شكلية “هيئة تابعة لمكتب رئيس الوزراء”.

حالة رعب تخيم على ديالي
بعقوبة (العراق) - شهدت مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى شرقي العراق أمس حالة من الشلل حيث أغلقت المحال التجارية والأسواق وانعدمت حركة المواطنين بعد يوم دام شهدت فيه المحافظة تفجير 6 سيارات مفخخة.

وتدرّجت المحافظة طيلة الأسابيع الماضية نحو العودة إلى أتون الحرب بعد أن كانت ضمن أولى المناطق العراقية التي أعلنت مستعادة من تنظيم داعش.

وساهمت في عودة العنف إلى المحافظة سلسلة من جرائم الخطف والقتل صُنّفت على أنها عملية “تطهير” طائفي للمحافظة من السكان السنة.

وشددت القوات الأمنية أمس من إجراءاتها في المدينة، وكثفت من دورياتها وسيطراتها، فيما بدت أسواق المدنية وساحاتها خالية.

ومع التطوّر الخطير في الأوضاع الأمنية في العراق وخصوصا منذ سيطرة تنظيم داعش على مدينة الرمادي وتهديده باكتساح ما تبقى من محافظة الأنبار، بما يمثّله ذلك من مخاطر على عاصمة البلاد، بات ظهور كبار قادة الميليشيات من أمثال زعيم ميليشيا بدر هادي العامري، وأبي مهدي المهندس نائب قائد الحشد الشعبي، وقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق، على المنابر الإعلامية وهم بصدد الإعلان عن قرارات عسكرية خطرة أو توجيه انتقادات لقيادات عسكرية وسياسية كبيرة بما في ذلك رئيس الحكومة ووزير الدفاع أمرا مألوفا بشكل يومي.

وكان قرار إقحام الميليشيات في معركة محافظة الأنبار ذات الغالبية السنية، وحيث الميليشيات الشيعية مرفوضة من قبل أبناء المحافظة، من أخطر القرارات التي أقدم رئيس الوزراء حيدر العبادي على اتخاذها.

غير أنه يظل في حكم المؤكّد أنّ قادة الميليشيات كانوا اتخّذوا قرار المشاركة في حرب الأنبار وأعلنوه بشكل موثّق على وسائل الإعلام قبل أن يعلن العبادي ذلك، ما يعني أن سلطات هؤلاء القادة تفـوق سلطـات الحكـومة.

ويردّ عارفون بالشأن العراقي القوة السياسية التي يتمتّع بها قادة الميليشيات على حساب الحكومة ورئيسها إلى كون هؤلاء مدعومين من قبل إيران التي توصف بأنها صاحبة القرار الفعلي في العراق.

ولا يعتبر التضارب بين الحكومة والميليشيات بشأن العملية العسكرية في صلاح الدين والأنبار الأول من نوعه حيث سبق للطرفين أن اختلفا في العلن بشأن مسائل أكثر أهمية مثل مشاركة طيران التحالف الدولي في عملية استعادة مدينة تكريت منذ أشهر، حين خرج هادي العامري على إحدى القنوات التلفزية ليعلن رفضه دعوة قائد عمليات صلاح الدين آنذاك عبدالوهاب الساعدي إلى مشاركة التحالف في معارك تكريت بتقديم الدعم الجوي.

علي خضيري: داعش ميليشيا سنية متطرفة لا يمكن هزيمتها من قبل ميليشيات شيعية

وتجاوز الخلاف بين القوات المسلّحة العراقية والميليشيات أحيانا حدود المشاحنات اللفظية إلى الصدام على الأرض على غرار ما حدث بين الطرفين من مواجهات حين حاولت عناصر من الحشد الاستيلاء على ممتلكات سكان بعض مناطق صلاح الدين بعد طرد عناصر تنظيم داعش منها، ومن عمليات قطع للطرق منعا لتوقيف القوات الأمنية لعناصر من الميليشيات مورّطة في عملية سطو على معرض للسيارات في قضاء بلد بنفس المحافظة.

ويرجع مراقبون جانبا من أسباب انهيارات القوات المسلّحة العراقية، وآخرها ما حدث في مدينة الرمادي مركز محافظة صلاح الدين إلى ضعف القيادة وتشتتها بفعل كثرة مراكز القرار في البلاد. وقال المستشار السابق في القيادة المركزية للجيش الأميركي علي خضيري إن لديه معلومات تشير إلى انهيار ستة آلاف عنصر من القوات العراقية أمام 150 مقاتلا من تنظيم داعش في الرمادي، مفسّرا بذلك الانتقادات التي كان وجهها الأحد وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر للقوات العراقية واتهامه إياها بعدم الرغبة في القتال.

وبشأن إرسال قوات الحشد الشعبي لاستعادة مدينة الرمادي نقل عن خضيري قوله “داعش يمثل ميليشيات دينية سنية متطرفة لا يمكن هزيمتها من قبل ميليشيات دينية شيعية”.

ومن جانبه قال ضابط في الجيش العراقي السابق الذي حُل سنة 2003 بقرار أميركي إنّ وجود ميليشيات الحشد الشعبي وحصول قادتها على قدر كبير من السلطة يساهم في بث شعور الأحباط بين كبار ضباط وقادة القوات المسلّحة، كون القيادات العسكرية في مختلف دول العالم لا تقبل بوجود من ينازعها سلطاتها العسكرية ويتدخّل في خططها للحروب، واصفا مشاركة قادة الميليشيات في اتخاذ القرار العسكري بـ“الشاذة”.

3