الميليشيات الشيعية تهجر القتال تدريجيا وتتفرغ لتصفية الحسابات

الدولة العراقية التي كانت تلقت سنة 2003 ضربة قاصمة بحلّ الجيش العراقي على يد سلطات الاحتلال الأميركي، بصدد تلقي ضربة ثانية لا تقل شدّة وخطورة، تتمثل في التعويل في الحرب ضد داعش على ميليشيات طائفية لم تتأخر في تجسيد تغوّلها وانفلاتها خطفا وسلبا ونهبا وقتلا على الهوية.
الاثنين 2015/11/23
من يقدر على ضبط مارد الميليشيات بعد انفلاته

بغداد - أعلن نائب بالبرلمان العراقي عن محافظة الأنبار بغرب البلاد عن خطف أكثر من 1200 شخص خلال شهر واحد في منطقتين خاضعتين لسيطرة القوات الحكومية.

وقال النائب عن تحالف القوى العراقية أحمد السلماني في مؤتمر صحفي عقده في مبنى البرلمان إنه “منذ ما يقارب الشهر يتعرض شبان من محافظة الأنبار للاختطاف على يد مجاميع في ناحيتي الرزازة والرحالية الخاضعتين لسيطرة الحكومة الاتحادية وذلك أثناء توجّههم من محافظتهم إلى بغداد”.

ولم يحدّد النائب هوية المجاميع المسلّحة، إلاّ أن سكانا محليين قالوا إنّ المنطقتين اللتين تركزت فيهما عمليات الاختطاف، وأحيانا القتل وترك الجثث ملقاة في مكان الجريمة، واقعتان ضمن دائرة نشاط عناصر كل من كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق.

وأكّد بعض السكان أنه لوحظ في الآونة الأخيرة تراجع دور الميليشيات الشيعية في القتال بمحافظة الأنبار، وانسحابها من الجبهات في مجموعات صغيرة إلى مناطق لا توجد بها عناصر داعش، حيث تنصب نقاط تفتيش على الطرق، وتقوم بعمليات دهم وتفتيش للمساكن بدعوى البحث عن عناصر فارّة من التنظيم المذكور، وتعمد خلال ذلك للاستيلاء على أموال المتساكنين أو المسافرين على الطرق، وتعتقل بعض الشبان وتأخذهم إلى أماكن مجهولة، وتعدم البعض الآخر ميدانيا.

ونقل عن ضابط في وزارة الداخلية طلب عدم الكشف عن هويته القول إنّ أحدا لم يخوّل الميليشيات بنصب “السيطرات” وتفتيش المواطنين، وأنها تقوم بذلك من تلقاء نفسها.

وكثيرا ما يتوجّه النقد إلى القوات الحكومية بسبب سلبيتها حيال المجموعات المسلّحة أثناء قيامها باعتداءات على المواطنين، تجري في وضح النهار، وفي مدن كبيرة على رأسها العاصمة بغداد. ويتهم البعض تلك القوات بالعجز والضعف، فيما يرجع البعض الظاهرة إلى أن الكثير من قيادات الجيش والشرطة من مختلف المراتب متواطئة -على سبيل التعاطف الطائفي- مع الميليشيات.

ويرتبط التراجع المسجّل في دور الميليشيات الشيعية في قتال تنظيم داعش، خصوصا في محافظة الأنبار بعاملين أساسيين، أولهما الضغوط الأميركية والخطوات العملية التي اتخذتها الولايات المتحدة لتحجيم دور تلك التشكيلات الطائفية، في مقابل دعم دور العشائر المحلية في تحرير مناطقها من تنظيم داعش، وثانيهما الضائقة المالية بفعل تراجع التمويل الرسمي للحشد الشعبي، حيث لم تعد الدولة التي تعاني أصلا نقصا حادا في الموارد تستطيع مجاراة المصاريف الفلكية لهذا الجيش الرديف الذي يتجاوز قوامه المئة ألف مقاتل، عدا المصاريف الجانبية مثل مساعدة عوائل المقاتلين والتعويض لمن يقتل أبناؤهم في الحرب.

ويبدو أن الولايات المتحدة نجحت عبر الضغط على حكومة بغداد وعلى القيادات العسكرية في تحييد الميليشيات من عدة جبهات بالأنبار ذات الغالبية السنية، والتي لا يخفي سكانها امتعاضهم من دخول الميلشيات الشيعية لمناطقهم وذلك بسبب سوء سلوك تلك الميليشيات في مناطق بمحافظات أخرى ساهمت في انتزاعها من تنظيم داعش، ولا سيما محافظتي ديالى وصلاح الدين اللتين يتعرّض سكانهما لما يشبه العقاب الجماعي من قبل عناصر الفصائل الشيعية المسلّحة بتهمة احتضان تنظيم داعش والتعاون معه.

استشراء الخطف والقتل على الهوية ونهب الممتلكات يتجاوز كونه مجرد ظاهرة أمنية ليصبح مؤشرا على ارتخاء قبضة الدولة

وكان زعيم التيار الصدري، وقائد ميليشيا سرايا السلام مقتدى الصدر قد اعترف في أكثر من مناسبة بتورّط الميليشيات في جرائم ضد المدنيين آخرها قوله الجمعة الماضية إن “ميليشيات وقحة” تقف وراء تدمير المنازل في قضاء بيجي شمال مدينة تكريت. وبدأ سكان عشائر الأنبار بالفعل يساهمون بشكل متزايد في جهود تحرير مناطقهم من تنظيم داعش، حيث أعلن مسؤول أمني محلي انتهاء تدريب 1000 مقاتل من أبناء عشائر المحافظة في قاعدة الحبانية العسكرية شرق الرمادي، مؤكدا أن “المقاتلين سوف يشاركون باستعادة الرمادي ومسك الأرض بعد التحرير”، فيما قال العميد حمد عبدالرزاق الدليمي، آمر “لواء الأسد” المشكّل من مقاتلي عشائر الأنبار المساندين للقوات العراقية إن مقاتلي العشائر استطاعوا فك الحصار عن 70 أسرة كان يحاصرها تنظيم داعش شمال الرمادي.

وفي المقابل بدأ الحشد الشعبي الذي بلغ درجة من الترهل ويعاني مشاكل في القيادة نظرا إلى تكوينه من ميلييشيات تعودت أن تتلقى أوامرها من قادتها المباشرين وليس من قيادة جامعة وموحّدة، يتفكك إلى مجموعات صغيرة “سائبة” تعمد إلى التعويض عن الضائقة المالية بما يصطلح عليه من قبل المختصين في شؤون الجماعات المسلّحة بـ”الاحتطاب”، أي استخدام السلاح في الحصول على الأموال بانتزاعها من المدنيين ومداهمة المحلات التجارية ومحلات الصيرفة والبنوك وعربات نقل الأموال.

وشهدت محافظة البصرة بجنوب العراق أمس عملية من هذا القبيل، حيث قامت ميليشيا مسلّحة باعتراض سيارة حكومية كانت تنقل رواتب موظفين في شركة نفط الجنوب يعملون في موقع حقل مجنون النفطي واستولوا عليها، بحسب ما أعلنه مسؤول محلّي.

وفي سياق كشفه عن توسّع ظاهرة الاختطاف في محافظة الأنبار طالب النائب السلماني رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، والوزراء الأمنيين والقادة الميدانيين بالكشف عن الجهات التي تنفذ عمليات خطف المدنيين، داعيا في نفس الوقت إلى “اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بمنع اختطاف شباب المحافظة، والكشف عن مصير الآخرين ممن تمّ اختطافهم مؤخرا”، قائلا إن هناك حالات خطف تمت سابقا في منطقة الثرثار، على يد تلك المجاميع المسلحة أثناء قدوم المدنيين من مدن الأنبار إلى بغداد أو عودتهم منها”.

ويرى مراقبون أنّ استشراء الخطف والقتل على الهوية ونهب الممتلكات، في العراق تجاوز كونه مجرّد ظاهرة أمنية، وأصبح مؤشرا على ارتخاء قبضة الدولة وفقدها السيطرة على فوضى السلاح وعلى الأعداد المهولة من المسلحين الذين تضاعفت أعدادهم وازدادوا قوّة وانفلاتا أثناء الحرب على تنظيم داعش، واصفين التعويل في تلك الحرب على ميليشيات طائفية بالخطأ التاريخي الذي لن تقل نتائجه خطرا عن قرار سلطات الاحتلال الأميركي حلّ الجيش العراقي سنة 2003.

3