الميليشيات الشيعية في العراق: دولة أزمة داخل الدولة المأزومة

تواصل الأذرع الإيرانية في العراق توسيع نفوذ ولاية الفقيه من خلال تمرير قانون هيئة الحشد الشعبي الذي وصفه مراقبون بمثابة تعزيز للوصاية الإيرانية على الأراضي العراقية، حيث تحاول طهران تكريس نفوذها منذ الاحتلال الأميركي وقد تجسد ذلك في تشكيل ميليشيات الحشد الشعبي كأدوات وآليات للتدخل في الشأن العراقي بشكل ميداني، إلى أن جاءت الحرب على داعش التي اتخذتها طهران ذريعة للتمدد الفارسي البراغماتي الذي تجلى في رسم خارطة نفوذ شيعية تُكرّس فيها الطائفية والفتنة ومشاريع التقسيم على كامل المنطقة العربية.
السبت 2016/12/03
طائفية تلهب تطرفا

بغداد - أقر مجلس النواب العراقي بالأغلبية، السبت الماضي، قانون هيئة الحشد الشعبي وسط مقاطعة نواب تحالف القوى العراقية السني الذي عدّ إقرار البرلمان قانون الحشد الشعبي نسفا للشراكة الوطنية في خطوة يراها محللون طعنا للمصالحة الوطنية وتعزيزا للوصاية الإيرانية على العراق.

ونص قانون الهيئة الجديد على أن قوات الحشد ستكون قوات رديفة إلى جانب القوات المسلحة العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. وبحسب القانون يتألف الحشد من قيادة وهيئة أركان وألوية مقاتلة، ويخضع للقوانين العسكرية النافذة.

ووفق مراقبين ينطوي طرح قانون الحشد الشعبي في هذه المرحلة بالذات على مفارقة لتزامنه مع حملة الترويج لمشروع ما يعرف بـ”التسوية التاريخية” الهادف وفق دعاته إلى تصحيح مسار العملية السياسية والتخفيف من حدّة التوتر الطائفي والعرقي بإنجاز مصالحة بين المكوّنات العراقية، الأمر الذي يراه عراقيون متناقضا بشكل صارخ مع تأسيس جيش لطائفة بعينها مسلّح ومموّل على حساب الدولة، ويكرّس المزيد من سطوة أبناء تلك الطائفة على الحياة العامة على حساب باقي الطوائف والمكوّنات.

ويشير مركز المستقبل للدراسات إلى أن القانون سيساهم في زيادة إضعاف الجيش العراقي، الذي يخوض حربا ضد تنظيم الدولة في الموصل بإضفاء الصيغة الطائفية عليه.

وكان القيادي في الحشد وزعيم ميليشيا بدر هادي العامري قد ذكر في تصريحات في أغسطس الماضي، أن قوات الحشد أصبحت أقوى من الجيش العراقي.

ولفت مركز المستقبل للدراسات إلى أن الطبيعة الخاصة لتنظيم الحشد الشعبي ستؤدي إلى تغيير عقيدة الجيش العراقي وإخلال التوازن بداخله، خاصة وأن الحشد يضم فصائل عقائدية جهادية لها سياقات إدارية وتنظيمية تختلف عن السياقات الكلاسيكية المتبعة في المؤسسة العسكرية، بالإضافة إلى أن طبيعة العلاقة بين فصائل الحشد وتراتبيتها وتعدد ولاءاتها لا يمكن أن تستوعبها المؤسسة العسكرية، فمنها ما شُكل على أساس التبعية للمرشد الإيراني علي خامنئي، فيما تتبع أخرى مرجعية النجف ممثلة في آية الله علي السيستاني، ومنها من له ولاءات فرعية مرتبطة بمراجع شيعية أخرى.

وبذلك ستجد الحكومة العراقية نفسها سواء طالت معركة تحرير الموصل أو قصرت، في وضع يستوجب منها احتواء الفصائل الشيعية التابعة لإيران والتي تشارك حاليا في العملية العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية تحت مسمى الحشد الشعبي.

حكومة حيدر العبادي تدرك أنها حتى وإن انتصرت على داعش، فستحتاج لإخضاع الفصائل الشيعية إلى قدر أكبر من السيطرة

الفصائل مشكلة الحكومة

تحارب بغداد لإخراج التنظيم المتشدد من مدينة الموصل بشمال البلاد. وتشارك في القتال إلى جانب القوات الحكومية الفصائل الشيعية وكذلك القوات الكردية وقوات أميركية.

وتدرك حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أنها حتى وإن انتصرت على داعش، فستحتاج لإخضاع الفصائل الشيعية إلى قدر أكبر من السيطرة، كما يتساءل مسؤولون عراقيون وغربيون حول مدى قدرة العبادي على تحقيق ذلك؟

وكانت الفصائل العراقية قد توحدت في العام 2014 بعد أن سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على ثلث مساحة البلاد، ومن الناحية الرسمية تشكل الفصائل قوة شعبية تساندها الحكومة وتسمى الحشد الشعبي وقد كان لها دور بارز في التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية ومحاولة دحره.

ويرى محللون أن الفصائل باتت مشكلة الحكومة لموالاة جزء كبير منها لطهران، ما أفرز نفوذا عسكريا وسياسيا كبيرا لولاية الفقيه في الداخل العراقي.

ورغم الوعد الذي قدمه العبادي منذ توليه السلطة عام 2014 بإصلاح العلاقات بين الأغلبية الشيعية والأقلية السنية التي هيمنت على البلاد في حكم الرئيس الراحل صدام حسين وتراجع وضعها في ظل حكومات شيعية بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 بغية تعزيز الوحدة الوطنية لكبح جماح هذه الفصائل، فإنه لم يتمكن من ذلك.

ويقول مسؤولون عراقيون وغربيون إن العبادي أضعف من أن يتصدى للفصائل مباشرة. فعندما تولى السلطة حاول دمج الحشد الشعبي في قوات الأمن النظامية، لكن هذه الخطة سرعان ما طواها النسيان.

ووفق متابعين ينتهج العبادي الآن نهجا أخف. ففي فبراير الماضي أصدر أمرا تنفيذيا الهدف منه دفع الفصائل لقبول السيطرة الحكومية، حيث يوجه الأمر الديواني 91 قوات الحشد الشعبي بالتحول إلى “تشكيل عسكري مستقل وجزء من القوات المسلحة العراقية ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة ويكون نموذجا يضاهي جهاز مكافحة الإرهاب الحالي من حيث التنظيم والارتباط ويتألف من قيادة وهيئة أركان وصنوف وألوية مقاتلة”.

ومن الناحية الرسمية يعد الحشد الشعبي مسؤولا أمام رئيس الوزراء من خلال مستشار الأمن الوطني العراقي فالح فياض. فيما يتولى قادة آخرون من الحشد الشعبي مناصب عليا في الدولة، إضافة إلى وجود ممثلين في البرلمان على غرار الناطق بلسان قوات الحشد أحمد الأسدي الذي هو عضو في البرلمان العراقي، كما تخصص الحكومة العراقية مرتبات لنحو 110 آلاف فرد تتألف منهم قوات الحشد الشعبي.

ويقول دبلوماسيون غربيون إن المال المخصص للمقاتلين الشيعة يصرف بانتظام من خلال قادتهم، الأمر الذي يتيح لهم السيطرة على ما ينفق منه.

وقد دأب الحشد على تأكيد ولائه للشعب العراقي لا للدولة، فالنائب فياض أبومهدي المهندس، الذي يرى الكثير من أفراد الفصائل أنه الزعيم الحقيقي للفصائل، هو قائد مخضرم تربطه صلات قديمة بإيران.

تقليص حجم الحشد الشعبي ممكن إذا تم دحر داعش

وبعد قيادة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2014 و2015 أصبح الحشد الشعبي يلعب دورا مساندا في الغالب لما أحرزته القوات الحكومية من تقدم في الآونة الأخيرة في مقابل تعزيز النفوذ الإيراني.

ويرى مركز المستقبل للدراسات أن طهران نجحت في مأسسة أوضاع حلفائها وأدوات نفوذها الاستراتيجي في العراق، خاصة الأداتين السياسية والعسكرية. فسياسيّا نجحت طهران مؤخرا في حسم الخلاف داخل التحالف الوطني الشيعي بعد تولي عمار الحكيم رئاسته، كما ضبطت التوازنات داخل الكتلة الشيعية، وعسكريا استطاعت شرعنة أوضاع ميليشيات الحشد الموالية لها.

كما لفت مراقبون إلى أن الميلشيات الشيعية لا تزال خارج سيطرة وزارة الدفاع العراقية وهي تهيمن في بغداد وحولها وفي محافظة ديالى بشرق البلاد وفي مناطق كبيرة من محافظة صلاح الدين إلى الشمال. كما أنها مازالت ترفع رايات دينية تصور أئمة الشيعة وشعارات لجماعات حزبية.

وتسيطر الفصائل الشيعية على ستة سجون على الأقل وفقا لما قاله مسؤولون محليون ومصادر في الشرطة والجيش، ويقع أحد هذه السجون في مدينة جرف الصخر جنوبي بغداد التي سيطرت عليها قوات الأمن ومقاتلو الفصائل عام 2014.

توغل الفصائل الشيعية

يقول مسؤول في الأمن الوطني إن المدينة والمنطقة المحيطة بها مازالتا تخضعان لسيطرة كتائب حزب الله التي تعد من أكثر الفصائل الشيعية سرية في الحشد الشعبي. ووصمت وزارة الخزانة الأميركية هذه الجماعة بأنها منظمة إرهابية.

وقال المسؤول "قبل أكثر من عام أقامت جماعة الكتائب مراكز اعتقال خاصة بها وحولت عدة مباني حكومية سابقة وبيوتا كبيرة إلى مراكز اعتقال مشددة الأمن. وكل ما نعرفه أن مئات السجناء من محافظة الأنبار معتقلون. وتجري الجماعة تحقيقاتها الخاصة ولم يكن لقوات الأمن أي إسهام في تلك الإجراءات" وكأن بها دولة داخل الدولة.

وأكد مسؤول محلي كبير أن الكتائب تدير سجونها الخاصة. وقال إن العديد من النزلاء من السنّة الذين اعتقلوا في الرزازة وهي منطقة صحراوية تفصل محافظة الأنبار الغربية عن المزارات الشيعية في الجنوب.

وقال أحمد سلماني النائب من بلدة القائم السنية القريبة إن حوالي 2200 شخص محتجزين هناك، مضيفا أنه ناقش مصيرهم بما في ذلك عمليات تعذيب مع وزارتي الدفاع والداخلية ومع العبادي.

ويتهم العراقيون السنة ومنظمات لحقوق الإنسان بعض الفصائل بارتكاب انتهاكات وعمليات تعذيب وقتل. وفي المقابل تنفي الفصائل هذه الاتهامات وتقول إنها تقاتل إرهابيي الدولة الإسلامية فقط.

وفي قاعدة بلد الجوية تعاملت قوات الجيش العراقي مع مسلحي الفصائل بعزل الجزء الذي احتلوه من القاعدة. ووافق المقاتلون في النهاية على الخروج من القاعدة إلى مزرعة محلية بعد تدخل قائدهم قيس الخزعلي قائد عصائب أهل الحق أحد أشرس الفصائل الشيعية.

تقليص حجم الحشد الشعبي

يرجح محللون أن استمرار قوات الحشد الشعبي في عراق إلى ما بعد داعش سيزيد من أزمات العراق الداخلية، وسيمثل خطرا وجوديا يهدد كيان الدولة العراقية، كما سيحمل تداعيات سلبية على المنطقة بأكملها، إذ سيزيد من حدة التجاذبات الإقليمية مما يستوجب بالضرورة الحد من نفوذ هذه القوات.

طهران نجحت في مأسسة أوضاع حلفائها وأدوات نفوذها الاستراتيجي في العراق، خاصة الأداتين السياسية والعسكرية

ويضيف محللون أن قانون هيئة الحشد الشعبي سيزيد من وطأة الخطر الإيراني على مستقبل العراق وتعزيزه، حيث تتجسد الخطورة في أن المؤسسة العسكرية العراقية أصبحت طرفا رئيسيا في الخلاف الشيعي-السني، وباتت تحكمها الاعتبارات الطائفية، وهو ما يقضي على أي مساعٍ قد تهدف لتحويلها إلى مؤسسة وطنية جامعة لكل العراقيين، وبالتبعية إجهاض مساعي الوصول إلى دولة مواطنة حقيقية.

ويقول دبلوماسيون غربيون إنه من الممكن تقليص حجم الحشد الشعبي، إذا تمكن العراق من دحر تنظيم الدولة الإسلامية. لكنهم يخشون أيضا أن يتحول الجزء الأساسي منه إلى شيء أشبه بالحرس الثوري في إيران، وهو ما سيسهم في تعزيز النفوذ الذي اكتسبته طهران في العراق منذ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين.

لكن دبلوماسيا رفيع المستوى في بغداد قال إن المسؤولين الإيرانيين أبدوا إحجاما عن التعامل مع العراق وكأنه تحت الوصاية.

وأضاف الدبلوماسي أنهم “يكررون القول لنا إنه ليس بوسعهم إدارة دولة تابعة. كذلك يرفض كبار المسؤولين الأمنيين العراقيين أي زيادة في النفوذ الإيراني”، في المقابل لم ترد السفارة الإيرانية في بغداد على طلبات متكررة للتعليق. ولفت مراقبون إلى أن قادة الفصائل أنفسهم منقسمون، إذ يشير البعض إلى أنهم لن يلقوا السلاح حتى إذا انهزم تنظيم الدولة الإسلامية.

وقال جواد طالباني أحد قادة عصائب أهل الحق إن جماعات مثل فصيله لا ترى ضرورة للانضمام إلى قوات الأمن العراقية الرسمية. وقال إن الجماعة ستلقي سلاحها فقط في حال انهزمت كل الجماعات السنية وإنها ستقاوم أي محاولة لنزع سلاحها بالقوة.

وقال كريم عليوي المحمداوي، المتحدث باسم منظمة بدر أكبر الفصائل الشيعية، إن “المنظمة سترجع إلى وضعها السابق عام 2014 إذ يخدم بعض أعضائها في الشرطة ويعمل البعض الآخر بصفة مستقلة”.

ويبدو أن الجماعات الكبيرة أقل مدعاة لقلق المسؤولين العراقيين والدبلوماسيين الغربيين من الجماعات الصغيرة والأكثر تشددا التي تتلقى دعما مباشرا بدرجة أكبر من إيران.

وفي وقت سابق من العام الجاري بدأت بغداد العمل مع الأمم المتحدة لوضع برنامج لتسريح أفراد الحشد الشعبي الذين يوافقون على التخلي عن سلاحهم. ويقول مسؤولون أمنيون عراقيون كبار إن الهدف هو تقليص حجم الحشد بشكل كبير. لكن البرنامج لم يبدأ بسبب استمرار القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

ويقول مسؤولون إن إعادة بناء قوات الجيش النظامي التي كبلها الفساد والطائفية ثم اجتياح الدولة الإسلامية لمناطق شاسعة عام 2014 ستستغرق وقتا أطول.

وفي يونيو الماضي عندما سار مقاتلون من القوات الخاصة بجهاز مكافحة الإرهاب في بغداد مع وحدات من الجيش والشرطة للاحتفال باستعادة الفلوجة، سارت قوات من الحشد الشعبي إلى جانبهم.

ووصف ضابط برتبة عقيد في قيادة الشرطة بمدينة تكريت السنية التي أصبحت تزينها رايات الفصائل الشيعية وصور الزعيم الأعلى الإيراني الوضع قائلا “ليست لنا أي سلطة عليهم. فهم دولة داخل الدولة”.

7