الميليشيات المتشددة تحوّل ليبيا إلى قنبلة موقوتة تنبئ بانهيار أمني في المنطقة

الاثنين 2014/08/04
جانب من قتال الشوارع بين الجيش والميليشيات الإسلامية المتشددة في بنغازي

تونس - أكدت المعارك الأخيرة في مناطق مختلفة من ليبيا طالت مطار طرابلس الدولي موقّعة خسائر غير مسبوقة في صفوف العسكريين والمدنيين، أن مهمة الدولة الليبية في فرض نفسها وإنجاز القانون وهيبة المؤسسات، قد أصبحت أكثر صعوبة وأبعد منالا من أي وقت مضى. إذ لم تشفع الانتخابات الأخيرة التي أعقبت أزمة سياسية حادة في تدبير أمور الاقتصاد والقضاء والأمن والمؤسسات الدستورية ولم تستفق ليبيا بعد من هستيريا الحرب الضروس ضد المليشيات الإسلامية المتشددة المتمركزة بالأساس شرقا، والتي حوّلت ليبيا إلى قنبلة موقوتة قد تتسبب في خسائر لجيرانها (تونس ومصر) وللعالم بشكل عام.

نشرت مجموعة أنصار الشريعة المصنفة في العديد من الدول على أنها تنظيم إرهابي على صفحتها في أحد المواقع الاجتماعية، صورا لما أسمته “غنيمة حربها” ظهرت فيها عشرات قطع السلاح وصناديق الذخائر التي استولت عليها بعد سيطرتها على مقر قيادة قوات الصاعقة في وسط مدينة بنغازي، ويعد هذا الهجوم ضربة موجعة للقوات العسكرية النظامية التي يقودها العقيد المتقاعد خليفة حفتر الساعية إلى القضاء على المجموعات الإسلامية المتشدّدة التي تهدد ليبيا ودول المنطقة ومصالح العديد من الدول الأوروبية والآسيوية وأميركا.


فوضى المتشددين


بعد سقوط نظام معمر القذافي في أكتوبر 2011 إثر حراك مسلح استمر ثمانية أشهر وحظي بدعم الغرب لوجستيا وسياسيا وعسكريا، لا تزال السلطات الليبية عاجزة عن السيطرة على عشرات الميليشيات المؤلفة من مشاركين سابقين في القتال ضد قوات القذافي، والتي تفرض سيطرتها في غياب جيش وشرطة نظاميين مدربين تدريبا جيّدا، وقد تميزت تلك المجموعات المسلحة بتشددها الديني وقتالها لأي نظام أو مجموعة تخالفها الاعتقاد. فهي تحوي تنظيم القاعدة المعلن صراحة وأنصار الشريعة ومناصرين لداعش ومجموعات أخرى متطرفة تنشط في المغرب العربي بغطاء ديني متشدد، لكنها تعمل في شبكات تهريب المخدرات والأموال والأسلحة.

وأعلن مصدر في ما يسمى “مجلس شورى ثوار بنغازي”، وهو ائتلاف لجماعات مسلحة إسلامية وجهادية، أن “المجلس استولى على المعسكر الرئيسي للقوات الخاصة والصاعقة بعد معارك دامت نحو أسبوع وتم الاستيلاء خلالها على عدة معسكرات هامة للجيش”، ما يؤكد أن الميليشيات الجهادية قد أحرزت تقدما خطيرا في اتجاه السيطرة على مساحات واسعة من ليبيا الأمر الذي يصيب مؤسسة الدولة في مقتل ويحيل ليبيا إلى مجرد مقاطعات متناحرة فيما بينها كل منها يحمل غطاء دينيا للتستر على الأهداف الحقيقية، وهي السيطرة على حقول النفط ومعابر التهريب وأسواق السلاح.

وأكد مصدر عسكري، أن “المعسكر الرئيسي للقوات الخاصة والصاعقة في منطقة “بوعطني”، الواقعة جنوب وسط مدينة بنغازي، قد سقط في أيدي المسلحين المتشددين والمنتمين لما يعرف بـ”مجلس شورى ثوار بنغازي” ومن ضمنهم مجموعة أنصار الشريعة التي صنفتها واشنطن تنظيما إرهابيا.

تواتر معلومات حول إمكانية القيام بعملية إرهابية ضد تونس والجزائر والمغرب مثل هجمات 11 سبتمبر 2001

وفي العاصمة الليبية طرابلس، لا يزال حريق اندلع نتيجة اشتباكات بين ميليشيات متناحرة فيما بينها والجيش من جهة أخرى، متواصلا وقد تسبب في خسائر جسيمة في المحروقات النفطية التي كانت مخزنة في مكان الحريق بالقرب من مطار طرابلس الدولي، ما تسبب في غلق المطار واختفاء عديد الطائرات. وقد أكد مراقبون للشأن الليبي، أن كثرة الاشتباكات بين المسلحين المتشددين دينيا (فيما بينهم)، تؤكد أن تلك المجموعات تبحث عن بسط نفوذها في المناطق الحساسة في ليبيا، لتسيطر على الاقتصاد بمنطق قبلي وعشائري وما شعارات تطبيق الشريعة والتشدد الديني سوى غطاء من أجل تحقيق أهدافها.


تهديد جدي لأمن الجيران


لا تزال المؤسسة العسكرية المصرية تتفاعل مع المعطيات الأمنية والمستجدات على حدودها الغربية مع ليبيا منذ أن نفذت مجموعة إرهابية تنتمي إلى تنظيم القاعدة والمتمركزة في منطقة درنة، شمال شرق ليبيا، عملية إرهابية أودت بحياة أكثر من 20 جنديا وجرح آخرين. وقد وعدت المؤسسة العسكرية بالانتقام من الجناة والقضاء على التهديدات الإرهابية التي تمس من أمن مصر الحيوي.

كما لم تنفك التقارير الإعلامية التونسية تتحدث عن تسرب مجموعات إرهابية (خاصة الكوادر التي تمتلك مهارات التدريب والخطط القتالية) إلى تونس من خلال الحدود الليبية، ناهيك عن كميات الأسلحة والذخائر والأموال التي تمر من المسالك الوعرة عبر الحدود على يد مهربين متمرسين في المنطقة. ويعد هذا التهديد للأمن التونسي من أهم الأسباب التي تسببت في خسائر كبيرة اقتصادية وأمنية وسياسية، خاصة مع ارتفاع وتيرة الهجمات في جبل الشعانبي، غرب البلاد، مستهدفة الجيش والأمن.

وقد تواترت معلومات تم نشرها في صحف محلية وأخرى جزائرية عن مخاوف من تكرار سيناريو 11 سبتمبر 2001 الذي استهدف برجي التجارة العالمي بالطائرات وتكراره في كل من تونس والجزائر. وأضافت المصادر، أن 11 طائرة مدنية ليبية اختفت من مطار طرابلس بعد المواجهات العنيفة التي دارت مؤخرا بين الميليشيات المسلحة وخلفت عددا من القتلى.

ورجحت تقارير استخباراتية أوروبية، أن يكون المسلحون قد عمدوا إلى تلغيم هذه الطائرات بالمتفجرات لاستعمالها ضد أهداف عسكرية واقتصادية ومؤسساتية بكل من الجزائر وتونس والمغرب، باعتبارها دولا معادية للحركات الجهادية.

كثرة الاشتباكات بين المتشددين تؤكد أن تلك المجموعات تبحث عن السيطرة على الاقتصاد بمنطق قبلي


مخاوف دولية


من المؤكد أن الانعكاس المباشر للوضع الأمني المتردي في ليبيا سيكون له أثر واضح على الاقتصاد، الذي أصبح غير قادر على سداد رمق الليبيين رغم ما يزخر به البلد من ثروة نفطية طائلة، وقد تمظهر ذلك في خروج المستثمرين ورعايا الدول الأجنبية من ليبيا خوفا من تهديدات أمنية أضحت خطيرة جدا.

ففي حين قالت الحكومة الليبية في بيان دون إسهاب في التفاصيل، إن العديد من الدول قد أجلت رعاياها من ليبيا بشكل سريع وأولها الولايات المتحدة الأميركية التي لها سوابق في تضرر مصالحها في ليبيا خاصة بعد مقتل سفيرها في بنغازي وما سببه ذلك من إحراج كبير للأجهزة الأمنية الأميركية آنذاك.

وقد حذت الدول الأجنبية الأخرى حذو الولايات المتحدة والأمم المتحدة بسحب دبلوماسييها من ليبيا بعد أن أدت الاشتباكات بين كتيبتين متناحرتين لمقاتلين سابقين مناهضين للقذافي إلى إغلاق مطار طرابلس.وهو ما أكدته وكالة الأنباء الليبية أن فرنسا وأسبانيا تجليان المزيد من مواطنيهما وبعض ديبلوماسييهما من طرابلس.

ويعيد متابعون أسباب هذه الفوضى التي تنتاب ليبيا خاصة في المدة الأخيرة إلى أن مجموعات إسلامية (من بينها تنظيم الإخوان المسلمين) تريد أن تكون رقما أساسيا في المعادلات السياسية الإقليمية والدولية بعد أن تمكنت من بسط نفوذها على مناطق عديدة من ليبيا. فبعد اجتماع وزراء خارجية دول الجوار الليبي في تونس أخيرا، تحسّست الجماعات المتشددة أن الضغط سوف يتصاعد ازاءها (خاصة وأن مصر أعلنت صراحة عن تأييدها لعملية الكرامة بقيادة خليفة حفتر)، وبالتالي فإن “الحريق الكبير” الذي اشتعل في ليبيا الآن ليس سوى تحسينا لشروط التفاوض على الميدان، وأول الضحايا دائما هو المواطن الليبي والدين الإسلامي بشكل أوسع.

13