الميليشيات اليمينية المسلحة في ألمانيا تطرق أبواب النازية

الغرض من وجود لجان حماية شعبية يمينية متطرفة هو إرهاب الأجانب أو الخصوم السياسيين.
الثلاثاء 2019/11/05
التحية النازية في قلب ألمانيا

ينتاب الساسة الألمان، كما أجهزة الاستخبارات مخاوف من تفاقم جرائم اليمين المتطرف في البلاد، التي هيأت لها وصول الشعبويين الى البرلمان، حاضنة شعبية على الرغم من أن القيادات الشعبوية السياسية تتبرأ في كل مرة من الارتباط بأعضاء هذا التيار المسلح. لكن كره الأجانب والمهاجرين قواسم مشتركة بين التيار السياسي الذي يستعدي الأجانب على مستوى الخطاب و”الجناح العسكري” الخفي الذي يترجم التصريحات إلى أفعال.

برلين – تتواتر التحذيرات الألمانية بشكل شبه يومي تقريبا، على غرار عديد الدول الأوروبية، من تنامي المدّ المتطرّف اليميني المسلح لكنها تبدو أقلّ قلقا وحذرا من برلين، فهل أن الظاهرة حقا مقلقة لدرجة الاستنفار أم أن برلين لم تتخلص بعد من “عقدة” النازية؟

نجحت التيارات الشعبوية الأوروبية في تقويض مفاهيم الانفتاح والتعايش داخل المجتمعات لصالح النزوع أكثر نحو الانغلاق والتقوقع على الذات، ما سمح بإحياء الأفكار القومية المتطرفة على حساب المشترك المجتمعي، ومع هذه المتغيّرات الفكرية التي قد تكون نتاج سياسات اجتماعية واقتصادية قلّصت مكاسب أبناء البلد الأصليين لصالح الأجانب، يخشى الألمان أكثر من غيرهم في أوروبا العودة إلى الحقبة النازية التي لم تندمل جراحها حتى بعد 3 عقود على سقوطها.

وذكّت حادثة مهاجمة عدد من طالبي اللجوء مواطنين في بلدة آمبرغ بولاية بافاريا جنوب ألمانيا، مشاعر الكراهية لدى عدد من سكانها، حيث سارع اليمينيون المتطرفون إلى تشكيل “لجنة حماية شعبية” في البلدة.

ووفقا لما قاله عمدة آمبرغ، ميشائيل سيرني فقد شوهدت دوريات من اليمين المتطرّف تتجوّل في المدينة. كما نشرت صفحة الحزب الوطني الديمقراطي في ألمانيا صورا لأربعة أشخاص يرتدون سترات واقية حمراء يتجوّلون في أنحاء المدينة.

وأضاف سيرني معبّرا عن صدمته من رد الفعل على العنف “أتفهم الريبة لدى بعض سكان آمبرغ، غير أن هذه الكراهية والتهديدات بالعنف التي تأتي الآن من البلد بأكمله مثيرة للقلق”.

وكان 12 شخصا قد أصيبوا في بلدة آمبرغ كما نقل أحد المصابين، ويبلغ من العمر 17 عاما، إلى المستشفى بسبب إصابة في الرأس جرّاء اعتداءات عليهم من قبل مجموعة من طالبي اللجوء. وصدرت أوامر باعتقال أربعة متهمين تتراوح أعمارهم بين 17 و19 سنة ينحدرون من أفغانستان وإيران، لمهاجمتهم المارة وتسببهم بإصابات جسدية خطرة.

الحكومة الألمانية ترى أن ما يسمى بـ”لجان الحماية الشعبية” تشكّل “بوادر لمخاطر إرهابية يمينية”.

وجاء في ردّ وزارة الداخلية الألمانية على طلب إحاطة من الكتلة البرلمانية لحزب اليسار أن هناك انتقالا من الدفاع المدني “إلى دفاع غير مصرّح به عن الأمن والنظام بمنأى عن احتكار الدولة للعنف أو إلى ممارسة العنف”.

وذكرت الوزارة أن اليمينيين المتطرفين يزعمون أن الدولة عاجزة عن ضمان الأمن والنظام، ولذلك فإنهم يريدون تولّي هذه المهمة.

وبحسب بيانات الحكومة، يسعى المتطرفون إلى هدف آخر “الغرض هو إرهاب الأجانب أو الخصوم السياسيين عبر تواجد لجان حماية شعبية يمينية متطرفة”.

ووفقا لمعلومات الحكومة الألمانية، يوجد في كافة الولايات تقريبا حاليا مثل هذه اللجان. وتشهد ألمانيا تحوّلات سياسية واجتماعية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، أولها عودتها إلى موقعها المهيمن على أوروبا عن طريق مؤسسات الاتحاد الأوروبي نتيجة قوتها الاقتصادية الهائلة في القارة، وتلاشي أصوات الأجيال الكبيرة سنّا، والتي عاصرت أيام النازية المريرة، لصالح الأجيال الأصغر التي تشعر الآن بثقة أكبر في التعبير عن هويتها الألمانية دون أن تقع بالضرورة في فخ النازية، وعلى الرغم من ذلك، يبدو وأن شبح النازية يحوم هذه الأيام حول ألمانيا.

النازيون الجدد والنبش في الهوية

يتبنّي النازيون الجدد، وهم يمينيون متطرفون يعتبرون أنفسهم امتدادا للنظام النازي الذي حكم ألمانيا بين 1933 و1945، شعارات الأيديولوجية النازية مثل الصليب المعقوف، ويعتنقون أفكارا معادية للمهاجرين والأشخاص غير المنحدرين من أصل ألماني، ويعادون النظام السياسي الحالي في البلاد.

ولعل قلق السياسيين الألمان من ازدياد هذه الظاهرة يعود إلى فظائع النظام النازي. فقد لقي أكثر من ستة ملايين يهودي حتفهم من قبل النازيين في عمليات منظمة، معظمهم قتلوا في معسكرات الاعتقال.

وأشاد الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير بجورج إلسر، الذي هاجم الزعيم النازي أدولف هتلر، بأنه كان ممثلا بارزا للمقاومة في مواجهة الدكتاتورية النازية.

وقال شتاينماير بمناسبة الذكرى الثمانين على المحاولة الفاشلة لهجوم إلسر على هتلر “جورج إلسر كان شخصا مميزا، وليس مواطنا عاديا”.

وأكد الرئيس الاتحادي “جورج إلسر يعدّ في تاريخ القرن العشرين شخصا عظيما ظل مغمورا في الذاكرة طويلا بشكل أكثر من اللازم”، وأضاف أن ألمانيا مدينه له بالاعتراف والاحترام والشكر.

وقام إلسر بتفجير قنبلة خلال فعالية حضرها هتلر في مدينة ميونيخ، بجنوب البلاد، في الثامن من نوفمبر عام 1939 ونجا الزعيم النازي من الهجوم، حيث كان غادر القاعة قبل وقت قصير من التفجير. وتم إلقاء القبض على إلسر وقتله النازيون قبل نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945. وتم إقامة نصب تذكاري لإلسر أمام مبنى البلدية مباشرة بمسقط رأسه.

النبش في الذاكرة النازية
النبش في الذاكرة النازية 

وتواجه ألمانيا تزايدا لافتا في عدد جرائم اليمين المتطرّف، ما يؤشر على توسع نطاق فكر عنصري يهدد التعايش المشترك، فيما كشفت أجهزة الاستخبارات البلجيكية مؤخرا أن اليمين المتطرف في أوروبا الغربية بصدد التسلح.

ويمكن مشاهدة فظائع النظام النازي حاضرة في المتاحف الألمانية، والتي تروي تفاصيل أحلك فصل في التاريخ الألماني الحديث. وفي كل مدينة ألمانية كبيرة توجد متاحف تؤرخ للحقبة النازية وآثارها على ألمانيا وأوروبا.

ويسعى العاملون في هذه المتاحف للرد على جميع استفسارات الزوار، التاريخية منها بالذات.

ومن غير المسموح في ألمانيا إظهار أي تقدير للعادات النازية. ترديد التحية النازية، بالقول “سيغ هايل” أو “هايل هتلر” هو أمر غير قانوني في ألمانيا، حسب المادة 86 من القانون الجنائي. ويمكن أن يواجه المذنب السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات إذا ثبتت إدانته.

ودعا رئيس مؤتمر الأساقفة الألمان الكاردينال راينهارد ماركس إلى مزيد من التكاتف المجتمعي في ظل تزايد معاداة السامية حاليا.

وأورد بيان لفعالية مشتركة بين مؤتمر الأساقفة الألمان ومؤتمر الحاخامات الأرثوذكس، قول الكاردينال “لديّ مخاوف كبرى لأنني أعايش مجتمعنا الذي يزداد به وجود متاجر مغلقة ومدوّنات وأيديولوجيات لأشخاص لا يمكن وعظهم، وهم منشغلون بنظريات المؤامرة”.

ونقل البيان عن رئيس المؤتمر المركزي لليهود في ألمانيا جوزيف شوستر قوله إن الهجوم الذي استهدف معبدا يهوديا في مدينة هاله مؤخرا أدى إلى حالة من الخوف.

وأضاف أنه أصبح ممكنا في ألمانيا حاليا صدور تصريحات معادية للسامية لم تكن موجودة قبل بضعة أعوام، وقال شوستر “يعد ذلك إزاحة لخطوط حمراء”.

لكنه أشار إلى أن الإعراب عن التضامن من ناحية أخرى يمنح أملا، وقال “ما نحتاجه قد يكون غير مكلف تماما: نحن بحاجة للشجاعة الأدبية من كل شخص. الشجاعة الأدبية يمكن أن تغيّر بلدنا، حينئذ يكون قد تحقق الكثير”. أعلن رئيس الهيئة الاتحادية لمكافحة الجرائم والتحقيقات الجنائية بألمانيا أن هيئته تصنّف حاليا 34 شخصا من التيار اليميني على أنهم خطيرون أمنيا. وقال هولغر مونش إن هناك 112 شخصا آخرين يعتبرون أشخاصا ذوي صلة، لافتا إلى أن الأعداد ارتفعت؛ حيث كان مصنّفا 24 شخصا فقط كخطيرين أمنيا في عام 2016.

الحكومة الألمانية قلقة بسبب إرتفاع منسوب العنف لدى اليمين المتطرف
الحكومة الألمانية قلقة بسبب إرتفاع منسوب العنف لدى اليمين المتطرف

وذكر توماس هالدنبفانغ، رئيس الهيئة الاتحادية لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية بألمانيا) إن هيئته تفترض وجود 12700 يميني متطرف يروجون لنشر العنف في ألمانيا حاليا. وأضاف هالدنبفانغ أنه يكاد يكون من المستحيل إبقاء الجميع تحت النظر على مدار الساعة.

وسجلت جرائم اليمين المتطرف في ألمانيا رقما قياسيا عام 2016، على خلفية موجة اللجوء الكبيرة في 2015، لتبلغ 23 ألفا و555 جريمة.

وفي عام 2017، سُجلت 20 ألفا و520 جريمة لليمين المتطرف، فيما تناقص العدد إلى 19 ألفا و105 جرائم، للعام 2016.

ويشير الخبراء إلى أن العدد الحقيقي لجرائم اليمين المتطرف أكبر بكثير مما هو مسجل في التقارير، بسبب عدم قيام الكثير من الأشخاص بالإبلاغ عن هذا النوع من الحوادث والجرائم.

تفاقم الكراهية ينذر بالأسوأ

شكّلت حالات الدعوة والترويج للتمييز العنصري النسبة الأكبر بين جرائم اليمين المتطرف، في حين تم تسجيل أكثر من ألف حالة لاستخدام العنف والقوة.

وسُجلت 215 حادثة عنف في الأشهر الأربعة الأولى من العام 2017، وارتفع الرقم إلى 536 خلال بنهاية شهر أغسطس، ليصل في نهاية العام المذكور إلى ألف و72 حالة. ونفّذت جماعات اليمين المتطرف في ألمانيا، 578 هجوما ضد المسلمين والمساجد في الفترة بين يناير وسبتمبر من 2017، أي بمعدل 196 هجوما في الربع الأول من العام، و192 هجوما في الثاني، و190 هجوما في الثالث، في حين لم يصدر حتى الآن عدد حالات استهداف المسلمين في الربع الأخير من العام.

وشملت الهجمات ضد المسلمين حالات عديدة مثل توجيه الإهانات والتحرّش، وإلحاق أضرار مادية بالمساجد، وكتابة ألفاظ عنصرية على جدرانها، حيث جُرح فيها 40 شخصا على الأقل.

وبحسب بيانات وزارة الداخلية الألمانية، تم تسجيل ألف و775 حالة استهداف للاجئين، و173 هجوما على مساكن اللاجئين، من قِبل اليمين المتطرف، في العام 2017، جُرح خلالها 315 شخصا، بينهم 14 طفلا. كما نفّذ المتطرفون اليمينيون، في العام نفسه، 670 هجوما ضد اليهود، جرى استخدام العنف في 19 حالة منها، وأُصيب خلالها 10 أشخاص.

12