الميليشيات تحاول خنق الحراك الاحتجاجي ضد الفساد في العراق

ظاهرة الاختطاف في العراق إذ تصنّف ضمن الفوضى الأمنية العارمة في البلد، إلاّ أنها تظل انعكاسا مباشرا لتغوّل الميليشيات، ومظهرا لتقاطع الجريمة المنظمة مع عمليات الانتقام السياسي وتصفية الحسابات ضد الأفراد والأحزاب وحتى الدول.
الأربعاء 2017/05/10
تشوهات خطرة في جسد الدولة العراقية

بغداد - يعيش سكّان العاصمة العراقية بغداد، منذ الاثنين على أصداء عملية اختطاف جديدة، كرّست حالة انعدام الشعور بالأمان بين الأهالي، ولفتت الأنظار مجدّدا إلى ظاهرة تغوّل الميليشيات في مقابل تراجع دور الأجهزة الأمنية الرسمية وعجزها عن حماية الأرواح والممتلكات رغم المقدّرات المادّية والبشرية الضخمة المرصودة لها.

وما زاد من الصدمة وأشاع موجة من التعاطف مع المختطفين، كون هؤلاء من الطلبة والناشطين ضمن الحراك الاحتجاجي السلمي ضدّ الفساد الحكومي.

ولاحت من خلف القضيّة شبهة تصفية حسابات حزبية وسياسية بين أطراف شيعية بعضها منخرط في الاحتجاج ومناهضة الحكومة، والبعض الآخر منحاز لدوائر متنفذة مستفيدة من الوضع القائم ومعنية باستمراره كما هو.

وأقدمت جماعة مسلحة فجر الاثنين على اختطاف سبعة ناشطين مدنيين بينهم طلبة جامعات من مساكنهم وسط بغداد ولم يعرف مصيرهم حتى الثلاثاء، حسبما أفادت مصادر أمنية وناشط مدني لوكالة فرانس برس.

ورغم عدم التعرّف على هوية الخاطفين بدقّة، إلاّ أن القناعة السائدة هي كونهم ينتمون إلى إحدى الميليشيات الشيعية، وهي الوحيدة القادرة على اختراق شوارع وأحياء بغداد التي تعجّ بالحواجز والدوريات الأمنية، بأسلحتها وسياراتها رباعية الدفع والخالية من لوحات الأرقام، دون أن يتعرّض لها أحد لكونها تتمتّع بنوع من الحصانة، بل إنّ سلطاتها تفوق في الكثير من الأحيان سلطات الأجهزة الأمنية.

وراجت في العاصمة العراقية أنباء تحمّل ميليشيا عصائب أهل الحقّ مسؤولية اختطاف النشطاء السبعة.

ويقود الميليشيا المذكورة التي تعتبر من بين أشرس الميليشيات وأكثرها تشدّدا رجل الدين الشيعي قيس الخزعلي المنشقّ عن التيار الصدري والمناوئ له في مقابل تحالفه مع رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي ومن يسانده من كبار قادة الميليشيات وعلى رأسهم زعيم ميليشيا بدر هادي العامري.

جاسم الحلفي: خطف النشطاء محاولة لزرع المخاوف كي تتراجع حركة الاحتجاج

وعادة ما يحسب الحراك الاحتجاجي بالشارع على زعيم الصدريين الذي يستخدمه في صراعه ضد جهات شيعية أخرى ممسكة بزمام السلطة وفي مقدّمتها غريمه الأول المالكي.

ورشّحت هذه المعطيات اتهام ميليشيا الخزعلي باختطاف الطلبة والنشطاء.

ومع بلوغ الميليشيات الشيعية درجة غير مسبوقة من القوّة والتسيّب بفعل مشاركتها في الحرب ضدّ تنظيم داعش ضمن ما يعرف بالحشد الشعبي، تفاقمت ظاهرة الاختطاف كوسيلة لتحصيل المكاسب المالية عن طريق أموال الفِـدى، ولتصفية الحسابات مع الأفراد والأحزاب وحتى الدول.

وسبق أن اختطفت ميليشيا حزب الله العراق عمّالا أتراكا استُخدموا في الضغط على تركيا التي تخوض صراعا وتنافسا في المنطقة مع إيران ذات الصلة الوثيقة بأغلب الميليشيات الشيعية في العراق.

كما تمّ اختطاف مجموعة من الصيادين القطريين أثناء وجودهم بصحارى جنوب العراق، وأطلق سراحهم مؤخرا ضمن صفقة مالية، وأيضا سياسية تجاوزت حدود العراق لتشمل الملف السوري.

ويُظهر منفذو عمليات الاختطاف في العراق درجة عالية من التنظيم والتسليح ويستخدمون أزياء موحّدة وسيارات دفع رباعي لا تتوفر عادة لعصابات الجريمة المنظمة ولكنها متاحة للميليشيات.

وكثيرا ما يثير تنقل منفذي عمليات الاختطاف في مواكب كبيرة ومكشوفة للعيان أسئلة عن دور القوات الأمنية خصوصا في مدينة مثل بغداد تخضع أغلب مناطقها لرقابة أمنية مشددة ينفذها عشرات الآلاف من الجنود ورجال الشرطة.

وتحوّل الاختطاف في العراق إلى حدث يومي “عادي” وغدا من النادر ألا يتم الإعلان عن حالة خطف فردي أو جماعي. وغالبا ما يحرص ذوو المختطفين على السرية حفاظا على حياة أبنائهم وأقاربهم. كما أن المختَطفين أنفسهم بعد أن يتم إطلاق سراحهم مقابل فدية مالية يلتزمون الصمت في ظل عزوف الأجهزة الأمنية عن متابعة قضاياهم. ولا يبدو غريبا أن تكون لتلك الأجهزة يد في عمليات الاختطاف كما حدث مؤخرا لسكان إحدى القرى الواقعة في ضواحي بغداد، حين جرى اختطاف أكثر من أربعين شابا منها بحضور ممثلي الأجهزة الرسمية.

وتُصنّف ظاهرة الاختطاف ضمن الفوضى الأمنية التي يشهدها العراق وتمتزج فيها الجريمة المنظمة التي تقوم بها عصابات تهدف إلى الربح المادي بعمليات الانتقام السياسي التي تقوم بها ميليشيات محمية من قبل جهات رسمية وشبه رسمية ضد المناوئين والمناهضين لمنظومة الفساد، والداعين للتخلّص من نظام المحاصصة الحزبية والطائفية. وكثيرا ما يسقط الجدار الذي يفصل بين الأمرين فيمتزج الانتقام بالبحث عن مكاسب مادية.

وقال الناشط المدني جاسم الحلفي، أحد قادة التظاهرات المناهضة للفساد إنّ “عصابة مسلحة قامت عند الواحدة والنصف من فجر يوم الثامن من مايو الجاري بخطف سبعة طلاب ناشطين في الاحتجاجات السلمية من شقتهم في منطقة البتاوين في وسط بغداد.

وبعد يوم من وقوع الحادثة، أكدت قيادة عمليات بغداد عملية الخطف في بيان جاء فيه أن “الجهد الأمني والاستخباري مستمر في عمليات البحث والتحري لكشف مصير المختطفين في منطقة البتاوين”.

وغالبية هؤلاء الناشطين طلبة في جامعات بغداد من محافظات البصرة وميسان وذي قار في جنوب العراق. وأشار الحلفي إلى أن “هؤلاء الشباب وقفوا ضد الفساد والمفسدين ونهج المحاصصة الطائفية ونادوا بالدولة المدنية”.

ورأى أنّ الخطف “محاولة لتضييق الخناق على حرية التعبير وزرع المخاوف، كي تتراجع حركة الاحتجاج”، مضيفا “لكنهم واهمون، هذه قضية وطنية.. ستستمر هذه الأعمال وستزيد من الإصرار ومواصلة التظاهر”.

وطالب الحلفي الحكومة بأن “تلعب دورا لكون الاختطاف جرى وسط بغداد داخل منطقة مغطاة بكاميرات المراقبة”. وأكد أنه سيتم تنظيم تظاهرات شجب واستنكار في المحافظات التي ينتمي إليها المختطفون.

3