الميليشيات تخطط لتأزيم الوضع الأمني وتأجيل الانتخابات في ليبيا

الحكومة في طرابلس تلتزم الصمت أمام صراع التوازنات وفرض الإرادات بين أكبر تنظيمين ميليشياويين.
السبت 2021/07/24
مخطط للدفع بطرابلس إلى أتون معارك جديدة

تونس- أعادت اشتباكات مسلحة مساء الخميس العاصمة الليبية إلى أجواء الحرب، وسط تقارير عن وجود خطة تشترك فيها الميليشيات مع كيانات محسوبة على الإسلام السياسي تهدف إلى تأزيم الوضع الأمني خلال ما تبقى من وقت على موعد الانتخابات المقررة في الرابع والعشرين من ديسمبر القادم.

وبثت الاشتباكات حالة من الهلع بين السكان المحليين، فيما اكتفت الحكومة بالصمت أمام ما اعتبره مراقبون صراع التوازنات وفرض الإرادات بين أكبر تنظيمين ميليشياويين في طرابلس، وهما قوة الردع الخاصة بزعامة القيادي السلفي عبدالرؤوف كارة، وقوة دعم الاستقرار التي يتزعمها عبدالغني الككلي.

وقالت مصادر طبية إن الاشتباكات التي دارت رحاها في حي باب بن غشير وسط طرابلس، واستعملت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، أسفرت عن سقوط سبعة قتلى من بينهم ثلاثة مدنيين كانوا في منطقة المواجهات، إلى جانب سقوط عدد من الجرحى.

وحاول المكتب الإعلامي لما يسمى “عملية بركان الغضب” التقليل من شأن الاشتباكات زاعما أن ما حدث في العاصمة “هو إطلاق مجموعة مسلحة النار بشكل مكثف أثناء مرور دورية تابعة لجهاز الردع، فتم التعامل معها من قبل الردع والقبض على عنصر وسيارة مسلحة، ولا صحة لأيّ إشاعات” وصفها المكتب بالمغرضة.

ووفق مصادر ميدانية فإن دورية تابعة لميليشيا الردع التابعة لوزارة الداخلية اصطدمت بمجموعة مسلحة أخرى يقودها الميليشياوي عزالعرب وهي تابعة لميليشيا دعم الاستقرار بقيادة عبدالغني الككلي وأنشئت بقرار من الرئيس السابق لحكومة الوفاق فايز السراج في يناير الماضي لتكون تحت إشراف المجلس الرئاسي.

الميليشيات في طرابلس تنطلق من مصالح وحسابات الجهات التي تقف وراءها، ولاسيما تلك التي تشارك بقوة في إدارة الصراع على السلطة والثروة

وأدت المواجهات إلى غلق طريق السكة حيث مقر الحكومة، فيما أعلن عن سيطرة ميليشيا دعم الاستقرار على المقر الجديد لوزير الداخلية خالد مازن، بينما انتشرت قوات الطرفين المتنازعين في مواقع أخرى وسط العاصمة منها تحت كوبري شارع المدار وجزيرة النبراس ونهاية طريق السكة وشارع الزاوية وشارع السيدي وإشارة باب بن غشير.

وعزت مصادر ليبية الاشتباكات إلى تنافس على المواقع ونقاط التمركز بين ميليشيات “الردع” و”دعم الاستقرار”، مؤكدة أن المواجهات استمرت من عصر الخميس إلى الساعات الأولى لصباح الجمعة، وأن الأمر ينذر بتجدد الاشتباكات في أي وقت، نظرا للاحتقان بين عناصر الميليشيات، وكذلك لمحاولات أطراف سياسية إعادة غرب البلاد إلى مربع الفوضى بهدف قطع الطريق أمام الانتخابات بذريعة الانفلات الأمني.

وقالت المصادر في تصريح لـ “العرب” إن ميليشيات طرابلس، مثلها مثل كل ميليشيات غرب البلاد، لا يوجد رابط يوحد بينها سواء كان أيديولوجيا أو سياسيا أو اجتماعيا، وإنما هي تنطلق من مصالح وحسابات الجهات التي تقف وراءها، ولاسيما تلك التي تشارك بقوة في إدارة الصراع على السلطة والثروة، وترتبط بعلاقات مشبوهة مع قوى إقليمية ودولية.

وأضافت أن تحركات مريبة تدور في عدد من الاتجاهات، وهو ما يرجح وجود مخطط للدفع بطرابلس إلى أتون معارك جديدة قد تكون مبررا كافيا لتدخل مباشر من ميليشيات مصراتة، وهو ما سيشكل انقلابا عمليا على العملية السياسية وبنود خارطة الطريق بما فيها الاستحقاق الانتخابي.

وتشهد المنطقة الغربية حملة واسعة يتزعمها سياسيون مرتبطون بجماعة الإخوان والقوى الجهوية وإعلاميون ومحللون وناشطون، بهدف الدفع نحو تأجيل الانتخابات، والتشكيك في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، والتحذير من اشتعال حرب جديدة في البلاد في حال تسجيل نتائج لا تتوافق مع مصلحة تيار الإسلام السياسي وأمراء الحرب. وتعتبر الميليشيات من أكبر مناصري الوجود العسكري التركي في غرب البلاد، باعتباره يشكّل مبررا كافيا لاستمرار وجودها في حين أن إخراج القوات التركية والمرتزقة التابعين لها قد يكون مقدمة لحل تلك الميليشيات وتفكيكها وجمع أسلحتها.

ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، ومجيء السلطات الجديدة وفق مخرجات ملتقى الحوار السياسي، فإن الميليشيات المسلحة في المنطقة الغربية لا تزال تحافظ على نفوذها السابق، وتتنافس على مناطق ذلك النفوذ، سواء في طرابلس أو في مدن أخرى.

وفي يونيو الماضي، شهدت مدينة العجيلات معارك طاحنة بين ميليشيا محمد بحرون المعروف بكنية الفار، وميليشيا محلية بقيادة محمد الزيتوني المكنى بـ “شلفوح” ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى أغلبهم من المدنيين، كما عرفت طرابلس والزاوية العديد من الاشتباكات دون أن تتخذ الحكومة إجراءات عملية للجم المجموعات المسلحة المنفلتة.

ويرى مراقبون أن المجتمع الدولي، وبقدر ما يتحدث بإصرار عن ضرورة إجلاء القوات الأجنبية والمرتزقة، إلا أنه لا يركز اهتمامه على ملف الميليشيات الخارجة على القانون أو التابعة ظاهريا للحكومة، وتحـظى بغطاء يمكّن عناصرها من الإفلات من العقاب رغم تورطها في العديد من الجرائم ضد المدنيين ومؤسسات الدولة.

الاشتباكات التي دارت رحاها في حي باب بن غشير وسط طرابلس، واستعملت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، أسفرت عن سقوط سبعة قتلى

وكان البند الثالث والعشرون من مخرجات مؤتمر برلين الثاني الذي عقد في الثالث والعشرين من يونيو الماضي، نص على الدعوة إلى “إصلاح قطاع الأمن، عبر تسريح الجماعات والميليشيات المسلحة في ليبيا ونزع سلاحها، من خلال عملية ذات مصداقية يمكن التحقق منها، ودمج الأفراد المناسبين في مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية على أساس فردي، وعلى أساس تعداد أفراد الجماعات المسلحة والفحص المهني”.

وشددت القيادة العامة لقوات الجيش الليبي على ضرورة تنفيذ هذه السلطة “لما اتفق عليه في مؤتمري برلين الأول والثاني بشأن إخراج كل القوات الأجنبية والمرتزقة قبل موعد الانتخابات في الرابع والعشرين من ديسمبر وليس بعدها مع ضرورة وجود رؤية وطنية جادة لكيفية حل الميليشيات والمجموعات الخارجة على القانون وجمع سلاحها وإعادة دمجها عن طريق المؤسسات الرسمية في الدولة”.

وفي الخامس عشر من يوليو الجاري أشار مجلس الأمن إلى ضرورة التخطيط لنزع سلاح الجماعات المسلحة وجميع الجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية ذات الصلة وتسريحها وإعادة إدماجها وإصلاح قطاع الأمن وإنشاء هيكل أمني موحد وشامل وخاضع للمساءلة، لكنّ سلطة الميليشيات على الأرض تبقى أقوى من سلطات الدولة في ظل عدم تسجيل خطوات حاسمة نحو توحيد المؤسسة العسكرية.

1