الميليشيات ترفع سقف التحدي لإرباك حكومة الكاظمي

حرق مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني وجريمة الفرحاتية في صلاح الدين تضعان الدولة في مواجهة صريحة مع الميليشيات الشيعية التابعة لإيران.
الأحد 2020/10/18
تجاوزات متواصلة

بغداد- كشرت الميليشيات الشيعية التابعة لإيران في العراق عن أنيابها، متحدية السلطات العسكرية والأمنية، بتورطها في أقل من 24 ساعة، في ارتكاب عمليين إجراميين ضد المكونين الكردي والسني، عندما أحرقت مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد واختطفت وقتلت شبانا سنة عادوا توا من النزوح إلى مناطق سكانهم في محافظة صلاح الدين شمال غرب البلاد.

وبينما كانت الأنظار مشدودة إلى مشهد عنف في وضح النهار وسط بغداد، حيث يظهر عناصر الميليشيات وهم يحطمون ويسرقون قبل أن يحرقوا مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يترأسه السياسي الكردي المخضرم مسعود البارزاني لأن أحد أعضائه طالب بضبط تصرفات قوات الحشد الشعبي، صُدم الرأي العام العراقي بقيام مليشيا عصائب أهل الحق باختطاف 12 شابا من سكان قرية سنية تابعة لناحية بلد ذات الأغلبية الشيعية في محافظة صلاح الدين، قبل أن تُعدم 8 منهم، لترهيب سكان المنطقة ومنعهم من العودة إليها، بالرغم من اجتيازهم التدقيق الأمني وحصولهم على تصاريح أمنية رسمية تسمح لهم بالرجوع إلى مساكنهم، إثر تهجيرهم على أيدي عناصر تنظيم داعش في 2014.

وعبر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي عن قلقه من أن يؤدي هذين العملين إلى انزلاق البلاد نحو حرب طائفية جديدة، ستنتهي إلى تقسيمها بلا شك.

وأعلن الكاظمي الأحد أن "لا عودة إلى التناحر الطائفي أو استعداء العراقي ضد العراقي لمآرب سياسية"، مضيفا أن العراق تجاوزوا "تلك المرحلة معا ولن نعود إلى الوراء".

وأضاف أن "جريمة بلد مرفوضة والاعتداء على مقر الديمقراطي الكردستاني مرفوض وأي اعتداء ضد العراقيين نواجهه باسم الدولة والشعب".

وكشف  أن القوات العراقية اعتقلت بعض المتورطين في العمليتين، مؤكدا استمرار المطاردة بحق "آخرين لتحقيق العدالة".

وعقد رئيس الوزراء العراقي اجتماعاً لدى وصوله إلى محافظة صلاح الدين بالقيادات الأمنية والعسكرية فيها، حيث أكد أن الدولة موجودة لحماية أمن المواطنين وتثبيت أركان القانون، خاصة بعد الجريمة النكراء التي شهدتها المحافظة مؤخراً والتي أدت إلى استشهاد عدد من المواطنين على إثر خطفهم"، موضحا أنه "رسالتنا لمواطني صلاح الدين بأن الدولة ستحميهم، وأن عقيدة القوات المسلحة تلتف حول الولاء للوطن والقانون، لا للأفراد أو المسميات الأخرى".

واطلع الكاظمي على "التحقيقات الأولية في الجريمة النكراء وحيثياتها، ووجه بالمتابعة الدقيقة لكل تفاصيلها"، مشيرا إلى أن "الإرهاب وأفعاله الإجرامية لا ينتظره إلا القانون والقصاص، ولا مكان لعودته تحت أي صورة أو مسمى".

وشدد على "ابتعاد القادة الأمنيين عن الانجرار نحو أي شأن سياسي، وأن الخوف يجب أن لا يكون حاضراً، وأن لا نستبق الأحكام والقرارات قبل إتمام التحقيقات".

وكشفت مصادر "العرب" في بغداد عن اعتقال 6 من عناصر الميليشيات الشيعية التابعة لإيران في ناحية بلد، مؤكدة أن الجيش العراقي اشتبك مع قوة تابعة للواء المرقم 43 في الحشد الشعبي قرب موقع اختطاف الشبان الاثني عشر.

وقالت المصادر إن اللواء 43 هو الاسم الرسمي لمليشيا عصائب أهل الحق بعد اندماجها الشكلي في قوات الحشد الشعبي، التي يفترض أنها خاضعة للقائد العام للقوات المسلحة، وهو وفقا للدستور رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

وتسيطر مليشيا العصائب التي يتزعمها قيس الخزعلي، المطلوب للولايات المتحدة بجرائم إرهابية وانتهاكات لحقوق الإنسان، على منطقة بلد بحجة حماية سكانها الشيعة. ومنعت العصائب السكان السنة، الذين كانوا يخضعون لعمليات التدقيق الأمني للتأكد من عدم صلتهم بتنظيم داعش، من العودة إلى مناطق سكناهم بالرغم من حصولهم على التصاريح اللازمة.

وعندما سيطر تنظيم داعش على معظم مناطق محافظة صلاح الدين صيف 2014، نزح معظم السكان منها نحو إقليم كردستان ومناطق أخرى.

وبالرغم من أن ملف النازحين يكاد أن يغلق، بعد عودة معظمهم إلى مناطقهم الأصلية، إلا أن المليشيات التابعة لإيران تمنع عودة سكان مناطق عدة تقع تحت سيطرتها بحجة حماية أبناء المكون الشيعي فيها.

وقال شهود عيان إن ميليشيا الخزعلي هددت سكان قرية الفرحاتية التابعة لناحية بلد بالقتل ما لم يغادروا منازلهم، في إطار حملة جديدة للتطهير الطائفي، هدفها استمرار الانتفاع بالأراضي الزراعية الخصبة التي يملكها المهجرون في الأصل.

وعندما شاهدت ميليشيات عصائب أهل الحق دفعة جديدة من المهجرين السنة وهي تعود إلى منازلها وأرضها في الفرحاتية نهاية الأسبوع الماضي، قررت تنفيذ تهديداتها، فقامت باختطاف 12 منهم.

وفُجع سكان الفرحاتية بجثث 8 من المختطفين ملقاة على قارعة الطريق فجر السبت، فيما بقي مصير الأربعة الآخرين مجهولا.

 ولم تتوقف ميليشيات عصائب أهل الحق عند هذا الحد، بل استخدمت نبأ قتل الشبان الثمانية لترغم سكان الفرحاتية السنة على النزوح، وهو ما تصدى له الجيش العراقي في المنطقة.

وقالت مصادر أمنية إن عددا من عناصر ميليشيا الخزعلي جُرحوا في تصادم مسلح محدود مع الجيش العراقي في صلاح الدين، على خلفية حادثة الفرحاتية، موضحا أن عمليات التحري السريع قادت إلى اعتقال 6 أشخاص يحملون هويات تعريفية صادرة من هيئة الحشد الشعبي، وفي حوزتهم أسلحة غير مرخصة.

وفي عملية منفصلة، اعتقلت القوات العراقية 15 عنصرا في ميليشيات مختلفة على صلة بعملية اقتحام وسرقة وحرق مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد.

وتشير المعلومات إلى أن القوات الأمنية ضبطت 50 قنبلة بحوزة المعتقلين الذين دلت التحقيقات على مشاركتهم في الهجوم على مقر الحزب الكردي في بغداد.

ويقول ساسة عراقيون إن جريمتي الحزب الديمقراطي في بغداد والفرحاتية في صلاح الدين تضعان الدولة في مواجهة صريحة مع الميليشيات الشيعية التابعة لإيران، التي يشكل وجودها خطرا مباشرا وعاجلا على وحدة البلاد.

ويعتقد مراقبون أن الميليشيات رفعت سقف التحدي لإرباك خطط حكومة الكاظمي ومنعها من ترتيب أوراقها قبيل الانتخابات المقرر إجراؤها صيف العام 2021.

وكعادتها، اختبأت الميليشيات خلف جدران وهمية عندما ارتكبت جريمتي بغداد وصلاح الدين، ففي الأولى قالت إن "جمهور الحشد الشعبي هو من أحرق مقر الحزب الكردي ردا على تصريحات أحد قادته"، فيما ذكرت أن "تنظيم داعش هو من نفذ عملية اختطاف وقتل الشبان السنة".

ويعد هذا الأسلوب مثاليا لخلط الأوراق والتخلص من مسؤولية جرائم كبيرة على المستوى السياسي والقانوني، لكنه لم يعد نافعا على المستوى الشعبي، إذ يبدو أن الشارع الشيعي يدرك يوما بعد آخر أن المشروع الإيراني يقوم على تحويل العراق إلى ساحة لصراع مفتوح، ليس من الضرورة أن يكون فيه رابح وخاسر.