الميليشيات توظف "ترسانتها" الحربية في تجاوز أزمتها المالية

تفاقم ظاهرة السطو على الأموال الخاصة والعامّة في العراق انعكاس لفوضى السلاح ووقوعه بأيدي ميليشيات منفلتة لا تتردّد في توجيهه إلى صدور العراقيين لتحصيل ما تحتاجه من أموال وخصوصا في ظل أزمتها المالية الراهنة.
الثلاثاء 2015/10/27
الميليشيات تحصل على كل ما تريد بقوة السلاح

بعقوبة (العراق) - أعلن محافظ محافظة ديالى العراقية مثنى التميمي أمس عن وجود عصابات في المحافظة تقوم بعمليات خطف بهدف اغتصاب الأموال بقوّة السلاح.

وتزامن كلام المحافظ مع إعلان الشرطة العراقية أن مجموعة مسلّحة استولت على رواتب موظفي إحدى دوائر التربية ببغداد.

ونقل عن مصدر في الشرطة قوله إنّ مسلحين مجهولين يرتدون زيا أسود موحّدا ويستقلون عربتي دفع رباعي قاموا بسرقة رواتب موظفي تربية الرصافة الثانية لدى مرور سيارة تحمل الأموال في منطقة البلديات شرقي بغداد بعد تهديد من فيها بالسلاح.

وكثيرا ما تتوجّه أصابع الاتهام في مثل هذه العمليات التي تنفّذ على الملإ وباستخدام أرتال من السيارات القوية ذات الدفع الرباعي، وعلى أيدي مسلّحين بأزياء موحّدة، إلى الميليشيات الشيعية، كونها الوحيدة التي تمتلك مثل هذه الوسائل والقادرة على تخطي السيطرات الأمنية ونقاط التفتيش دون أي عناء.

ويتزامن تصاعد عمليات الخطف وسلب الأموال باستخدام القوّة مع شكوى قادة الميليشيات من أزمة مالية خانقة ومطالباتهم بالزيادة في تمويل الدولة لفصائلهم المشاركة في الحرب ضد تنظيم داعش بحجّة أن ما يصل الميليشيات من أموال غير كاف لسد نفقاتها الكبيرة.

ولخص الرجل الثاني في القيادة الميدانية لميليشيات الحشد الشعبي أبومهدي المهندس تلك المطالبة في رسالة حادّة اللهجة توجّه بها الأسبوع الماضي إلى رئيس الوزراء حيدر العبادي قائلا إنّ ميزانية الحشد ضئيلة وتضطر قادته إلى التسوّل.

ويلفت مراقبون إلى التصاعد الخطير في ظاهرة الخطف والدهم والسطو المسلّح بهدف الحصول على الأموال في العراق، محذّرين من التبعات الخطرة للظاهرة، بما في ذلك تأثيرها على الدورة لاقتصادية للبلاد، حيث يدفع شعور التجار وأصحاب الأعمال بانعدام الأمن إمّا إلى التخلي عن أنشطتهم وإما إلى نقل أموالهم ومشاريعهم إلى الخارج، على غرار ما هو حادث بالفعل حيث يفضل الكثير من أصحاب رؤوس الأموال العراقيين الاستثمار في بلدان الجوار مثل الأردن.

عمليات سطو في شكل استعراضي باستخدام أزياء موحدة وسيارات دفع رباعي تتخطى الحواجز الأمنية دون عناء

وما يفتأ العراق يسجل تزايدا في معدّلات البطالة بسبب تراجع قطاع الأعمال والاستثمار، ما يدفع أعداد من الشباب إلى مغامرة الهجرة السرية إلى أوروبا على متن قوارب الموت.

ويربط خبراء الشؤون الأمنية الظاهرة بالوضع الأمني العام وحالة الحرب التي تعيشها البلاد، وبفوضى السلاح، مشيرين إلى الكم الكبير من الأسلحة بين أيدي ميليشيات غير منضبطة تعدّ بالعشرات وتحظى، بالإضافة إلى ما تمتلكه من مختلف أنواع الأسلحة، بغطاء سياسي من قبل الأحزاب الدينية الحاكمة ما يجعلها فوق رقابة الدولة ومحصّنة من المحاسبة، الأمر الذي يفسّر قيام تلك الميليشيات بعمليات دهم واختطاف واستيلاء على الأموال في وضح النهار وباستخدام أرتال من السيارات تجتاز السيطرات الأمنية بكل يسر.

وتعتبر محافظة ديالى نموذجا عن انعدام الأمن منذ استعادتها في يناير الماضي من تنظيم داعش بمشاركة فاعلة من الميليشيات الشيعية التي تساهم أيضا في مسك الأرض إلى جانب القوات الأمنية.

ونفى المحافظ مثنى التميمي انتماء العصابات الضالعة في أعمال الخطف والسلب إلى أي جهات سياسية، وهو الأمر الذي كثيرا ما أكّده نواب بالبرلمان العراقي متهمين الميليشيات التابعة لجهات سياسية بالمسؤولية عن تلك الأعمال.

وينتمي التميمي إلى منظمة بدر التي تمتلك إحدى أقوى الميليشيات في العراق، ويتولّى زعيمها هادي العامري قيادة الحشد الشعبي. وكان التميمي قد فُرض محافظا على ديالى ذات الغالبية السنية بالمخالفة لعرف جار به العمل يقتضي أن يسند المنصب إلى كتلة سياسية سنية.

ورغم مضي أشهر طويلة على استعادة المحافظة من يد تنظيم داعش، إلا أن الانفلات الأمني مازال يسودها. ولا ينقطع سكان ديالى عن الشكوى من تجاوزات كبيرة يرتكبها بحقّهم عناصر الميليشيات الشيعية التي اشتركت في الحرب وتشارك في مسك أرض المحافظة.

وتتنوع تلك الجرائم والتجاوزات من الاعتقال والاحتجاز خارج القانون بتهمة التعاطف مع تنظيم داعش واحتضانه، إلى الاستيلاء على الممتلكات ونسف المنازل، وتذهب حدّ التصفية الجسدية والإعدامات الميدانية.

وتتضاعف مخاوف سكان المناطق المستعادة من يد داعش في ديالى بالذات، كون المحافظة واقعة على حدود إيران ومركز ثقل للتدخل الإيراني في العراق عبر مشاركة ضباط وعسكريين إيرانيين في تأطير ميليشيات الحشد الشعبي، وفي قيادة الحرب ميدانيا، الأمر الذي ساهم في إضفاء مزيد من البعد الطائفي على الحرب هناك.

ويخشى سكان المحافظة من أن يتحوّل تحرير مناطقهم من داعش إلى “احتلال” إيراني مقنّع على أيدي الميليشيات. وحسب مصادر موثوقة فإنّ مشاركة عشائر سنّية في الحرب بديالى لم تشفع لها ولم تمنع عنها تجاوزات الميليشيات.

ورغم ما أبدته الميليشيات من فاعلية في قتال التنظيم إلاّ أن تضخّم دورها وتصرّف عناصرها كسلطات عليا في المناطق التي تتم استعادتها بدأ يلقي بظلاله على الحرب ذاتها حيث قلّل حماس شرائح عراقية للمشاركة فيها بعد أن باتت تخشى الوقوع في براثن الميليشيات بعد التحرّر من تنظيم داعش.

3