الميليشيات تُمعن في إهانة الجيش العراقي لإحراج الكاظمي

إجراءات محدودة من رئيس الوزراء العراقي لردع ميليشيات إيران في الأنبار.
الأحد 2020/12/06
تحد جديد للكاظمي

محاولات الميليشيات العراقية الموالية لإيران لإظهار ضعف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وإحراجه لا تزال متواصلة، حيث كشف تسجيل صوتي مسرب لمسؤول بارز في قوات الحشد الشعبي مع رئيس أركان قيادة عمليات الأنبار عن إهانة وصفت بالمخزية للمؤسسة العسكرية العراقية في تحد صارخ للكاظمي الذي أمر بتشكيل لجنة تحقيق في الحادثة وهي خطوة يرى مراقبون أنها لن تردع الميليشيات التي تتزايد الضغوط من أجل حصر سلاحها.

الأنبار (العراق) - كشف تسجيل صوتي لمسؤول بارز في قوات الحشد الشعبي عن السطوة الكبيرة للميليشيات الشيعية التابعة لإيران على المؤسسة العسكرية العراقية، بالتزامن مع ضغوط متزايدة تمارسها قوى سياسية كردية وسنية على رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في سبيل حصر السلاح المنفلت وحماية السلم الأهلي.

وسرب معاون قائد قوات الحشد الشعبي لقاطع عمليات شرق الأنبار، علي جواد المظفر، الذي عرف نفسه بـ “أبوزيد”، تسجيلا صوتيا لمكالمة هاتفية جمعته برئيس أركان قيادة عمليات الأنبار العميد الركن ضياء محمد، اشتملت على تهديدات “مخزية” للمؤسسة العسكرية العراقية، وسلطت الضوء على ضآلة حجمها في مواجهة الميليشيات الإيرانية.

وخلال المكالمة وجه المظفر سؤالا للعميد محمد عن حقيقة نية قائد عمليات الأنبار في الجيش العراقي اللواء ناصر الغنام إزالة صور للقائد السابق في الحشد الشعبي أبومهدي المهندس من قاطع مسؤولياته.

وينحدر اللواء الغنام من محافظة الأنبار. وبالرغم من الجدل الذي يحيط علاقاته السابقة ببعض الأطراف السياسية، إلا أنه يُعد مرجعا في الانضباط العسكري والصرامة التي يتطلبها هذا القطاع.

وتعج الطرق الخارجية لمحافظة الأنبار، وهي أبرز المعاقل السنية في العراق، بصور قتلى قوات الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية التابعة لإيران، التي نُشرت هناك على نطاق واسع في محاولة لتكريس الحافز الطائفي.

والمهندس، هو جمال جعفر، سبق له أن شغل مقعدا في البرلمان العراقي عن التحالف الشيعي المدعوم من إيران بين 2006 و2010، قبل أن يتفرغ للعمل الميليشياوي بالتنسيق مع الحرس الثوري.

وتبوأ المهندس مواقع رفيعة ضمن المجموعات العراقية المسلحة التابعة لإيران، قبل أن يتولى منصب رئيس أركان الحشد الشعبي خلال حقبة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي.

وقُتل المهندس في غارة أميركية عندما كان يرافق الجنرال البارز في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وهما يهمان بمغادرة مطار بغداد، مطلع العام الحالي.

ويفهم سكان الأنبار من انتشار صور المهندس في مناطقهم أن الميليشيات الشيعية التابعة لإيران هي التي تقرر من هم الشهداء الذين يجب تكريمهم من خلال رفع صورهم في الشوارع والتقاطعات الرئيسية والطرق الخارجية.

ولا يقتصر نشر صور قادة الميليشيات على الأنبار، بل يشمل جميع المناطق السنية الأخرى كالموصل وتكريت وكركوك وديالى، في تحد واضح للمزاج السني الذي يعتقد أن الميليشيات لا تختلف كثيرا عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

مطالبات العراقيين للكاظمي بحصر السلاح المنفلت الذي تحمله الميليشيات الشيعية تتزايد قبل الانتخابات

ويُظهر التسجيل الذي جرى تسريبه عمدا، في محاولة لإهانة المؤسسة العسكرية العراقية علنا، تلعثم وارتباك العميد محمد وهو يُجيب على أسئلة تُطرح بتعال واضح من قبل المظفر، حيث يعاني الضابط العراقي الذي يحمل رتبة كبيرة، مع شارة الأركان الحربية، وهو يحاول تبرير موقف قائده الغنام، مؤكدا أن “صور الحاج أبومهدي لم تكن من ضمن الصور التي وجه قائد عمليات الأنبار بإزالتها”.

لكن المظفر لا يكتفي بهذا القدر من الارتعاد الذي بدا على العميد محمد، بل يُمعن في إهانة المؤسسة العسكرية العراقية، مطالبا رئيس أركان عمليات الأنبار بإبلاغ قائد عمليات الأنبار ناصر الغنام بأنه سيقطع أي يد تمتد إلى صور المهندس في هذه المحافظة.

وتابع متحدثا إلى العميد محمد “أبلغ قائدك أنه إنْ كان رجلا فعليه أن يتجرأ ويزيل صورة واحدة للحاج أبومهدي المهندس في الأنبار، وسيرى ما هو الرد”.

وانتشر هذا التسجيل على نطاق واسع، بعدما تعمدت وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالميليشيات الشيعية التابعة لإيران الترويج له على نطاق واسع.

وجاء رد فعل القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي كما كان متوقعا، إذ أمر بتشكيل “لجنة تحقيقية من وزارة الدفاع والاستخبارات العسكرية والاستخبارات والأمن وأمن الحشد الشعبي في قيادة العمليات المشتركة للتحقيق الفوري بالتسجيل الصوتي”، موجها بـ “الوقوف على حقيقة الأمر ومن هي الجهة التي سجلت الاتصال وأسباب نشره الآن واتخاذ الإجراءات القانونية بمحاسبة المقصرين”.

ولا يمكن التعويل على إجراء حكومي من هذا النوع لمواجهة سلوك ميليشياوي يُظهر مستوى غير مسبوق من التحدي للدولة ومؤسساتها العسكرية، التي يبدو أنها عاجزة تماما عن حماية سمعتها.

ولا يستبعد مراقبون أن يكون تسريب هذا التسجيل جاء بقرار من قادة الميليشيات الرئيسية في العراق، لإحراج الكاظمي والإمعان في تحدي سلطاته لإظهار مدى ضعفه قبيل الانتخابات العامة.

ويعتقد قادة الميليشيات التابعة لإيران أن المشروع السياسي الذي يحضّر له الكاظمي سيشكل أكبر تحد لهم في الانتخابات التي من المزمع أن تقام في يونيو من العام القادم.

وتتزايد المطالبات الكردية والسنية للكاظمي بحصر السلاح المنفلت الذي تحمله الميليشيات العراقية الشيعية قبل الانتخابات، لأن بقاءه على هذه الشاكلة سيلعب دورا محوريا في توجيه نتائج الاقتراع.

وتقول مؤشرات عديدة إن الميليشيات الموالية لإيران تنوي دعم مرشحين من الأكراد والسنة في مناطق كردية وعربية، تحت يافطة التعاون مع الحشد الشعبي.

وتشكل مناطق شرق الأنبار هدفا إستراتيجيا للميليشيات الشيعية التابعة لإيران، إذ تعد بوابة رئيسية لتأمين الدعم اللوجستي للجهد الحربي الإيراني في سوريا. لذلك، تدافع الميليشيات عن نفوذها في هذه المنطقة بشراسة، ساعية إلى تكريس نفسها حاكما وحيدا لها، بعيدا عن السلطات العاجزة وإجراءاتها المتلعثمة.

لكن الصورة لن تكتمل دون إطار طائفي، إذ تقول مؤشرات عديدة في الأنبار إن السكان السنة هناك ملوا من استفزازات الميليشيات الشيعية في مناطقهم، وسعيها المستمر للظهور في زي الحاكم الأقوى.

ويقول مراقبون إن الحافز الطائفي في هذا النوع من الملفات الشائكة يكون قادرا على التعبئة الشعبية بشكل غريب، حيث جسد تهديد الزعيم الميليشياوي الشيعي علي جواد المظفر للضابط السني ناصر الغنام مؤشرا مقلقا في هذا السياق.

3