الميليشيات في العراق خيار الضعفاء

الكاظمي لم ينتظر أكثر من أربع وعشرين ساعة لينقلب على النقد الجارح لمؤسسة النظام وللميليشيات التي شكلت حسب تعبيره دولة موازية للدولة العراقية فيندفع في تمجيدها بخطابه خلال الاستعراض العسكري.
الخميس 2021/07/01
رسائل متناقضة

خطاب مصطفى الكاظمي رئيس وزراء العراق بالاستعراض العسكري للميليشيات في ديالى السبت أرجأ الفكرة المحورية لكتابتي حول حديثه التلفزيوني المثير قبل يوم واحد من هذا الخطاب، والذي عبّر من خلاله عما يراه العراقيون بشأن طغيان الفساد والفوضى على النظام السياسي القائم، وأن برنامجه الحكومي إنهاء ذلك العهد الأسود وفرض ما اصطلح عليه بهيبة الدولة، وأنه غير مكترث بحملة الأحزاب على إسقاط حكومته.

لم ينتظر الكاظمي أكثر من أربع وعشرين ساعة لينقلب كلياً على ذلك النقد الجارح لمؤسسة النظام القائم وللميليشيات التي شكلت حسب تعبيره المُبطن دولة موازية للدولة العراقية، فيندفع في تمجيدها بخطابه خلال ذلك الاستعراض العسكري الذي نُظم ليبدو أكثر تأثيراً من استعراضات الجيش العراقي في مواسم أعياد تأسيسه، حيث عرضت الأسلحة الثقيلة غالبيتها إيرانية الصنع بينها طائرات “الدرونز” التي مسحت صورها من الفيديو الذي تم توزيعه.

لم يكن الكاظمي محتاجا إلى هذا التمجيد المفتعل المتناقض مع خطابه العام. هل هو آسف لما كان يقوله قبل أربع وعشرين ساعة من خطاب الاستعراض العسكري أم أنه لم يجد في ذلك تناقضا وفق آراء الكثير من العراقيين. لا أعتقد أنه نجح في ضبط توقيتات تحوله في الخطاب السياسي والإعلامي في التمجيد المفتعل للميليشيات الذي أثار استغراب المنصفين له وأنا من بينهم بأنه محاط “بالكواسج” الذين يعرقلون مشروعه للإصلاح الذي عبر عنه في حديثه التلفزيوني، ظناً منا ومن جميع الخيرين أنه بحاجة إلى دعم معنوي وإعلامي لكي يصمد بوجه هجمة الأحزاب الشرسة التي  يشكو منها.

كان الأخطر في عبارات التمجيد للميليشيات التي تفسر دعوته خلال حديثه التلفزيوني للاحتواء أنه وجد فيها دوراً مشرقاً يستعيد العراق من خلاله عافيته ومكانته التاريخية في المنطقة. منطق سياسي خطير يثير قلق ومخاوف عرب المنطقة من الأدوار التخريبية لهذه الميليشيات طالما حذرت منه هذه الدول بعد تصاعد هجماتها وقسم منها انطلق من الأراضي العراقية.

دوافع القلق لدى أهل العراق أولاً أن دعوة الكاظمي في خطابه هذا تعيد تأكيد مشروعية استمرار الميليشيات الولائية التي تستخدم عنوان الحشد كغطاء لسجلها الإجرامي بحق شباب أكتوبر، وتعطي مصداقية للتفسيرات القائلة بأن خيار “الاحتواء” الذي تحدث عنه يعني محاولته ترضية تلك الميليشيات لهفوته في اقتياد أحد قادتها للتحقيق وفق المادة “أربعة إرهاب” ثم إطلاق سراحه.

حديث الكاظمي عن دور خارج حدود العراق للميليشيات يتناقض مع دعواته بين فترة وأخرى بأنه يسعى للانفتاح على العرب، حيث حاول تأكيد ذلك في لقائه بالرئيس المصري والملك الأردني الأحد ببغداد لتفعيل ما سماه مشروع “الشام الجديد” كمحور اقتصادي ومبادرة مفيدة لكسر عزلة العراق واختطافه من قبل إيران لكن لن يكتب لها النجاح لأسباب كثيرة أهمها عدم سماح الأحزاب بخطوات عملية تخفف من هيمنة طهران على هذا البلد.

التفسير الأكثر دقة لما بدا تناقضاً في رسائل الكاظمي عبر حديثه التلفزيوني الوطني جداً وخطابه الداعم للميليشيات باستعراضها العسكري، هو أنه لم يكن هناك تناقض جوهري في مواقفه تجاه الميليشيات من خلال محاور عدة من بينها:

أولاً، منذ مجيء الكاظمي للسلطة في مايو 2020 عبر ضغط شباب ثورة أكتوبر على خلفية مطالبتهم بكشف قتلة أكثر من 700 شهيد وجرح عشرات الألوف، لم يتخذ خطوة جريئة لكشف قوائم المتورطين رغم وعوده التي لا تتجاوز التطمينات والمواساة الإنسانية، وحادثة القائد الميليشياوي قاسم مصلح دليل على ذلك.

ثانياً، رغم تصريحاته الناقدة لتوجيه الصواريخ التي يسميها “العبثية” ضد السفارة الأميركية ومراكز القوات الأميركية في القواعد العسكرية، وتوصيفاته المبالغ فيها لكنها لا تترجم ما يقال عنه بأنه صديق للأميركان. فلم يقدم للجهات الأميركية رغم إلحاحها معلومات موثقة حول تلك الهجمات التي تخرق بشكل فاضح العلاقات الدبلوماسية بين الدول، رغم دعم واشنطن اللامحدود له.

رابعاً، لا تفسير منطقيا وواقعيا ووطنيا يبيح سكوت رئيس وزراء العراق عن ولاء ميليشيات مسلحة لدولة أجنبية حتى وإن كانت صديقة، في تغليب العقيدة على الدولة، وهذا ما وقع في شركه الكاظمي رغم استقلاله الحزبي عن الأحزاب الإسلامية الشيعية.

خامساً، هناك شكوك بشأن تعهدات الكاظمي منع من يسميهم الجماعات غير المنضبطة بترويع الناخبين، لأن حوادث الأيام الأخيرة شهدت عمليات ترويع لبعض المرشحين غير المنتظمين أو الموالين للأحزاب والميليشيات أجبرتهم على التراجع عن الترشيح. والأيام القريبة ستثبت صحة تعهد الكاظمي بمنع حَملة السلاح من ترويع المواطنين.

القضية المهمة التي يعتقد الكاظمي أنه نجح فيها ولا يريد الإفصاح المباشر عنها هي أنه نجح في كسب رضا الميليشيات المسلحة عنه بما أسماه “خيار الاحتواء” أو إطفاء الحرائق، عبّر عنها خلال خطاب استعراض الحشد العسكري. بعد موجات الإهانات الشخصية له ولمنصبه التي سكت عنها، وأكثرها اختراقاً للمواطنة حادثة اجتياح المنطقة الخضراء وتمزيق صوره مقترنة بتهديدات لا يليق ذكرها.

 أي احتواء وإطفاء حرائق، وأي حرب أهلية؟ التوصيف الحقيقي للصراع هو أنّ هناك طرفين رئيسيين: الأول الشعب المظلوم المقموع المنهوبة أمواله وشبابه الثائر. والثاني أقطاب النظام السياسي الذي وصفه الكاظمي في حديثه الأخير بأنه عهد الفساد والفوضى وغياب الدولة. أي إنسان بسيط يعرف الأسماء خلف تلك العناوين، والأحزاب وميليشيات القتل والترويع.

التفسير الوحيد هو أنّ الكاظمي عقد هدنة تراض بينه وبين الميليشيات بإطلاق يدها في مشروع هيمنتها على الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية مقابل تخفيفها من استفزاز الأميركان عبر استهدافها للسفارة الأميركية والقواعد العسكرية، رغم ذلك هذه الميليشيات لم تتوقف عن توجيه ضربات بواسطة طائرات “الدرونز” على أربيل أو بغداد. لأن القرار في هذا الملف بيد أولياء الأمور في طهران، وعلى الكاظمي بحثه مع مراكز القرار هناك.

مشكلة الميليشيات تكمن في تطورها العسكري من خلال الاستخدام الواسع لطائرات “الدرونز” التي تقلق الدوائر العسكرية والاستخبارية الأميركية وتضع الدوائر السياسية أمام خيار مواصلة وتكثيف الجهود لتفكيك الميليشيات الإيرانية في العراق حماية لمصالحها حتى وإن أصبح الخيار السياسي لإدارة بايدن تعزيز نفوذ طهران في العراق، وقد يحصل ذلك في صفقة انتزاع هيمنة الميليشيات في العراق على هامش محادثات طهران وواشنطن في فيينا.

إذا كان الكاظمي صادقاً مع نفسه وصريحاً مع شعب العراق، وأنا لا أشك في ذلك، عليه خلال الشهور الثلاثة المتبقية من حكمه في حال لم تؤجل الانتخابات إلى الموعد الاعتيادي عام 2022، أن يتخلى عن خطابه الثوري في نقده للنظام السياسي ومفردات التعاطف الفردي مع ذوي الشهداء، ويستمر في خطاب التعظيم للميليشيات لعل مكتب الولي الفقيه في طهران يُقدم خلاصة إيجابية للمرشد الأعلى علي خامنئي يبيح له من خلالها التجديد لولايته بعد الانتخابات المقبلة.

8