الميليشيات في سوريا والعراق تشارك في القضاء على داعش، وعلى الدولة

الأحد 2016/08/14
الدخان الحارق لسواد داعش لا يجب أن يعمي العيون عن خطر الميليشيات

في 26 يونيو أعلنت الحكومة العراقية استعادة مدينة الفلوجة، الواقعة غرب بغداد، بعد أكثر من سنتين من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها. ولعب الجيش العراقي دورا أساسيا في العملية لكنه لم يكن لينتصر لولا قوات الحشد الشعبي والضربات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوه الولايات المتحدة الأميركية.

بيد أن الحكومة العراقية تلكأت في الاعتراف بتبعيتها لتلك الأطراف وصورت قوات الحشد الشعبي على أنها مجرد مساعد للجيش العراقي بالرغم من أن الكثير من المجموعات المحاربة تحت راية الحشد تعمل باستقلالية. وهذه المجموعات لا ترسل تقاريرها للحكومة العراقية وبعضها لديها رعاة آخرون بمن فيهم إيران.

وبالرغم من التقليل من وزنها، فإن توصيف بغداد لقوات الحشد الشعبي يساعد على إعطاء مشروعية للشراكة معها من خلال السموّ بمكانتها من ميليشيات إلى قوات مساعدة للحكومة وكذلك يجعل الجيش الوطني والحكومة الضعيفين يبدوان أقوى من الواقع. لكن هذا التكتيك خطير ويمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية، فما يقوم به العراق بالأساس هو تفويض الحرب على داعش لميليشيات مدعومة من إيران، وهو أمر يمكن أن يضعف شرعية الدولة وسيادتها على المدى البعيد. وهذه الطريقة نفسها معتمدة في سوريا.

بدأ الجيش العراقي في الانحدار بعد الغزو الأميركي لسنة 2003، وأدّت الحالة الفوضوية بعد الحرب إلى عقد من سوء الإدارة من الحكومة ومسانديها الدوليين. وفي الأثناء في الطرف الآخر من الحدود أضعف كلّ من المتمردين والمجموعات المتطرفة دفاعات الرئيس بشار الأسد. وردا على ذلك كان على جيشي العراق وسوريا التعويل على قوات أخرى لمحاربة خصومهم.

وفي سنة 2012 عقدت الدولة السورية شراكة مع إيران لإنشاء قوات الدفاع الوطني، وهي عناصر متكوّنة من موالين للأسد يوصفون على أنهم “مقاتلون وطنيون متطوعون لدعم الدولة ضد الإرهاب”، وهي عبارة موسّعة. وفي وقت لاحق أضافت سوريا للخليط القوات الديمقراطية السورية المدعومة من روسيا، وهي ميليشيا كردية بالأساس تحارب تنظيم داعش في المناطق الشمالية والشرقية من البلاد.

استخدام الأسد للميليشيات غير الحكومية لا يقتصر على قتال داعش، بل يتعلق كذلك بتسمية تجارية جديدة. النظام السوري يسعى إلى تصوير قمع الدولة لما بدأ في شكل انتفاضة على أنه مجهود شعبي لاستئصال الإرهاب، فالميليشيات المكونة من طيف متنوع من السوريين تساعد على تقوية وإعطاء المشروعية نوعا ما لذلك الخطاب إذ أن السوريين يتضامنون لحماية بلدهم من الخونة والمتمردين.

وبالرغم من أن العراق يعمل في سياق مختلف عن السياق السوري بما أن لديه حكومة معترفا بها دوليا، فهو يستعمل كذلك الميليشيات لتعزيز الدعم الشعبي، خاصة أنه يواجه ضغطا متزايدا من الفاعلين في المعارضة. ومكّن تشريك السنّة في قوات الحشد الشعبي الحكومة العراقية من وضع المعركة ضد داعش الذي يجاهر باتّباع نسخة متطرفة من الإسلام حسب المذهب السني في إطار غير مذهبي. ووصل الكثير من داخل المجتمع السنّي إلى مدح قوات الحشد الشعبي، داعين إياها بـ”الحركة الوطنية لمساعدة الدولة”.

كلما زادت قوة الميليشيات قل قبولها لاتخاذ مقعد خلفي وراء النخب السياسية في بغداد ودمشق. وللتأكد من ذلك لننظر إلى لبنان حيث كان أحد العوامل التي أدت إلى بروز حزب الله المدعوم من إيران ضعف دفاعات الدولة ضد إسرائيل في ثمانينات القرن العشرين

لكن في الواقع يمكن للميليشيات في كلّ من العراق وسوريا أن تكون خارجة عن السيطرة وغير منضبطة. مثلا عرف عن قوات الدفاع الشعبي في سوريا بأنها تهاجم حتى المدنيين الموالين للنظام بينما وصل بعض الأعضاء الأكراد في القوات الديمقراطية السورية إلى قتل أو طرد العرب في تل أبيض في شمال شرق سوريا عندما أخرجوا منها داعش في صيف 2015. وعمدت بعض المجموعات الشيعية من قوات الحشد الشعبي إلى مهاجمة المدنيين السنّة، ولن يزيد هذا السلوك إلا في خلق تظلّمات ضد الدولة والمزيد من الانقسام الطائفي، وهو أمر يمكن أن يضعف في النهاية مسعى الدولة للشرعية.

زيادة على ذلك، كلما زادت قوة هذه المجموعات قلّ قبولها لاتخاذ مقعد خلفي وراء النخب السياسية في بغداد ودمشق. وللتأكد من ذلك لننظر إلى لبنان حيث كان أحد العوامل التي أدّت إلى بروز حزب الله المدعوم من إيران ضعف دفاعات الدولة ضد إسرائيل في ثمانينات القرن العشرين. باركت الدولة حزب الله باعتباره حركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي في جنوب البلاد لكنها لم تتنبأ بتحول هذا التنظيم إلى أبرز حزب سياسي في البلاد يستمد جزءا كبيرا من سلطته من القوة العسكرية التي يملكها.

وكذلك بإمكان إيران وروسيا، بحكم دعمهما للتنظيمات العاملة في العراق وسوريا، استخدام هذه الميليشيات بمثابة أدوات سياسية لممارسة النفوذ على البلدين وتقوية حضورهما في الشرق الأوسط. وهذا شبيه باستخدام إيران لحزب الله من أجل الاستحواذ على الدولة اللبنانية، وهو أمر يزيد من قضم سيادة الدولة. وقبل كل شيء يعرف حزب الله بأنه “دولة داخل الدولة”، بالرغم من أنه في الحقيقة أشبه بدولة داخل دولة ظل نظرا لضعف الحكومة اللبنانية.

ليس من الصعب تخيل الميليشيات تستخدم شعبيتها الراهنة لدفع نفسها إلى مواقع سلطة. ففي العراق تتزعم بعض المجموعات من الحشد الشعبي شخصيات حققت الشهرة في المجتمع الشيعي نتيجة لسجلّها ضد داعش وعبرت عن اهتمامها بخوض الانتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة. ويكمن الخطر في أن هذه المجموعات عندما تصبح في السلطة قد ترتهن بالنظام السياسي في البلاد.

في لبنان لم يندمج حزب الله في هياكل الدولة مثل القوات المسلحة اللبنانية بتعلّة ضعف هذه الهياكل. والحقيقة هي أن حزب الله سعى جاهدا لتبقى مؤسسات الدولة اللبنانية ضعيفة من أجل تبرير امتلاكه للأسلحة، ويفعل ذلك باسم الدفاع الوطني. ثم تستخدم هذه الأسلحة لترهيب الخصوم السياسيين المحليين، مما يجعل حزب الله أهم دافع للعملية السياسية في البلاد. وما المأزق السياسي الحالي في لبنان (دون رئيس لعامين كاملين، كما تم تجميد الانتخابات البرلمانية) إلا نتيجة مباشرة لارتهان الدولة.

في العراق وسوريا قد تعمل الميليشيات في النهاية بنشاط لضمان بقاء الدولة ضعيفة حتى تبقى هي قوية. ومن ثم إذا كانت بغداد ودمشق تحققان انتصارات صغيرة اليوم ربما تجدان نفسيهما في مواجهة أزمة شرعية غدا.

باحثة لبنانية

عن المعهد الملكي البريطاني للعلاقات الدولية، تشاتام هاوس
6