الميليشيات في ليبيا لوبي سياسي ضاغط

دراسة ألمانية تنبه إلى أن المشهد الأمني في العاصمة الليبية طرابلس تحول من خليط معقد من المجموعات المسلحة إلى احتكار عدد من الميليشيات الكبرى.
السبت 2018/05/12
نفوذ الميليشيات العسكري يعرقل الانتخابات

يكرر الفرقاء الليبيون دوما الأحاديث والتصريحات التي تنادي بأهمية بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء القبضة الميليشياوية التي تنامت على وقع انشطار المؤسسات الأمنية والعسكرية.

لكن الواقع يشي بممارسات متناقضة تعكس مساعي بعض الأطراف المتنازعة للتكيف مع قوة أولئك المسلحين، وتوظيفهم في إعاقة الخيارات السياسية، في ظل تقديرات غربية تشير إلى وجود ميليشيات متعددة المشارب ومتنوعة الأحجام، يتراوح عدد عناصرها بين 125 و200 ألف مقاتل في ليبيا.

 يظهر ذلك التناقض في مشاهد متعددة عرفتها الساحة الليبية مؤخرا، وشكلت أزمة الميليشيات القاسم المشترك في تفاعلاتها؛ فما إن أعلن المشير خليفة حفتر -قائد الجيش الوطني الليبي- في الذكرى الرابعة لعملية الكرامة عن بدء المعركة ضد المسلحين الجهاديين في درنة حتى خرجت أصوات معارضة من داخل المجلس الأعلى للدولة، ومن جماعة الإخوان المسلمين، تدعو المجتمع الدولي إلى وقفها، لاعتبارات تتعلق بما قد تحدثه من أضرار وما قد تتسبب فيه من سقوط ضحايا بين سكان المدينة.

 

كشف تنامي المجموعات المسلحة في المدن الليبية، خاصة طرابلس التي تسيطر عليها أربع مجموعات مسلحة، عن إحكام الميليشيات قبضتها على السلطة في بلد يعاني ضعفا أمنيا وحالة عدم استقرار سياسي بين فرقائه منذ فبراير 2011. ونبّهت دراسة ألمانية إلى أن المشهد الأمني في طرابلس تحول من خليط معقد من المجموعات المسلحة إلى احتكار عدد من الميليشيات الكبرى، كما لفتت إلى أن هذه الجماعات باتت تسيطر على اقتصاد العاصمة بشكل أشبه  بسلوك المافيا، على حد تعبير الدراسة؛ حيث استفادت الميليشيات من التراجع المالي لحكومة الوفاق، وهو ما سيسهم في تأزيم العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء الأزمة الليبية، وسيهدد مؤسسات الدولة والخيار الانتخابي المرتقب.

ولئن بدت الدوافع الإنسانية ظاهرة في رفض قوى سياسية في غرب ليبيا لتحرير درنة من مسلحين يكفّرون الدولة ومؤسساتها، بعدما انسدت طرق المسار التفاوضي، فإنه لا يمكن عزل مواقف تلك القوى عن سياق التوازنات الداخلية.

ولديها تخوفات من أن يؤدي تحرير درنة من المسلحين مباشرة إلى تكريس سلطة الجيش الوطني الليبي على كامل الشرق، وتعزيز موازين القوى الميدانية، بما لها من تبعات على خيارات المشهد السياسي برمته.

تكمن المفارقة في أن الجدل حول تحرير درنة يأتي في وقت تعاني فيه العاصمة طرابلس ذاتها وقوى الغرب الليبي من هيمنة المسلحين، وصراعاتهم البينية على مقدراتها، والتي عدت أحد مداخل اختراق تنظيم داعش للعاصمة مجددا، عندما تبنى الهجوم الانتحاري ضد مقر مفوضية الانتخابات بداية مايو الجاري، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على هجوم فندق كورنثيا، الذي تبناه التنظيم (يناير 2015)، وبعد أقل
من عامين على هزيمته في سرت (ديسمبر 2016).

طرح الهجوم الانتحاري عدة دلالات أساسية ترتبط بالأزمة الميليشياوية في ليبيا. أولاها أن التحذيرات من إمكان عودة بقايا مسلحي داعش إلى الواجهة مرة أخرى صارت محتملة، مع تقارير دولية تشير إلى وجود عناصر للتنظيم في بعض المناطق الجبلية جنوب غرب طرابلس أو جنوب سرت.

وثانيتها تعاظم الشكوك حول القدرة الأمنية الميليشياوية على توفير الشرط الأمني لأي خيار انتخابي محتمل، بما قد يبعث برسالة تحبط المبعوث الأممي غسان سلامة في سعيه إلى إيجاد مخرج لخطته المتعثرة، بالرغم مما تلقّاه ذلك المخرج من دعم في اجتماع اللجنة الرباعية الدولية مؤخرا. أما الدلالة الثالثة فتتعلق بمدى جدوى رهانات حكومة الوفاق على الميليشيات المسلحة ذاتها التي اعتمدت عليها منذ دخولها إلى طرابلس في مارس 2016.

اتجاهات حاسمة

طرحت ورقة نقاش بحثية صدرت في الشهر الماضي عن المعهد الألماني للدراسات الدولية والأمنية، وكتبها ولفرام لاخر تحت عنوان “كارتل ميليشيات طرابلس”، تقييما للحالة الميليشياوية المهيمنة في طرابلس، يمكن قراءة مضامينها الأساسية عبر ثلاثة اتجاهات أساسية.

الاتجاه الأول: تغير النظام الميليشياوي في طرابلس من النمط الانتشاري المتعدد إلى الأوليغاركي الضيق (حكم أو هيمنة الأقلية)، والذي يعني تقلص عوائد الهيمنة الأمنية للمسلحين على جماعات قليلة العدد تدين بالولاء لحكومة الوفاق.

وأبرزت ورقة ولفرام أربع ميليشيات كبرى تُحكم قبضتها على العاصمة، وهي: كتيبة ثوار طرابلس ويقودها هيثم التاجوري، كتيبة النواصي وتقودها عائلة قدرو، قوة الردع الخاص ويقودها عبدالرؤوف كاره وتعبر عن التيار السلفي المدخلي المعادي لتيارات الإسلام السياسي، ووحدة أبوسليم التابعة لجهاز الأمن المركزي بقيادة عبدالغني الككلي.

نتاجا لتلك القبضة الحديدية تشير التوقعات إلى أن الميليشيات الأخرى التي تم تهميشها وعزلها عن السيطرة على العاصمة، خاصة من مصراته والزنتان وترهونة، أو تلك التابعة لحكومة الإنقاذ السابقة، قد تسعى لتغيير هذه الأوضاع، لا سيما أن محاولة استرضاء الزنتان عبر تعيينات بعض تابعيها في مناصب إدارية في العاصمة لم تخفف الاحتقان الذي لحق بميليشياتها منذ هزيمتها، وخروجها من طرابلس في عام 2014.

 لكن إذا كان الكابح لذلك الصراع المحتمل على العاصمة حتى اللحظة الراهنة الدعم الغربي والأممي لحكومة الوفاق، فإن هناك تغيرات بازغة في أنماط التحالفات ذاتها في الغرب الليبي ربما تثير الصراع مستقبلا، عقب اتفاق المصالحة الأخير بين الزنتان ومصراته بعد سنوات من العداء، عندما دعمت ميليشيات الزنتان عملية الكرامة.

ميليشيات طرابلس

* كتيبة ثوار طرابلس ويقودها هيثم التاجوري

* كتيبة النواصي وتقودها عائلة قدرو

* قوة الردع الخاص ويقودها عبدالرؤوف كاره وتعبر عن التيار السلفي المدخلي المعادي لتيارات الإسلام السياسي

* وحدة أبوسليم التابعة لجهاز الأمن المركزي بقيادة عبدالغني الككلي

أما الاتجاه الثاني، فهو الانتقال الميليشياوي من الوظيفة الحمائية إلى الأعمال التجارية المافياوية في طرابلس، ورغم أن الميليشيات المسلحة تتلقى رواتب باعتبار أنها ملحقة بمؤسسات أمنية تابعة للحكومة، إلا أن تراجع موارد حكومة الوفاق، في السنوات الأخيرة، دفع هذه الميليشيات للبحث عن مصادر مالية أخرى، عبر التمدد من مهام حماية الأمن والمنشآت إلى العمل المافياوي.

وتشير ورقة ولفرام إلى أن كارتل طرابلس بات مسيطرا على مفاصل إدارة واقتصاديات العاصمة ذاتها، كفرض ضرائب على الأسواق، والاتجار بالعملة الليبية في السوق السوداء، وخطابات الضمان الصادرة من البنوك، وممارسة الخطف بغرض الحصول على الفدية، وفرض عقود حماية على البنوك.

إذا ما أضيف لما رصدته الدراسة الألمانية عن ميليشيات طرابلس، الصراع بين الميليشيات القبلية والأخرى القادمة من دول الجوار (السودان، النيجر، تشاد) في جنوب ليبيا على التجارة غير المشروعة وتهريب البشر والسلع، والتنقيب عن موارد الذهب، وسرقات النفط، وغيرها، فذلك يعني أن المشهد الميليشياوي الليبي لم يعد منحسرا في توفير وضبط الأمن المجتمعي، إثر الفراغ الذي أحدثه غياب مؤسسة عسكرية موحدة، بل صار متغولا على مفاصل الاقتصاد الأمر الذي يجعله حجر عثرة أمام تكريس سلطة مؤسسات الدولة ذاتها، حتى لو اتفق الفرقاء السياسيون على إنقاذ تسوية الصخيرات أو لجأوا إلى الخيار الانتخابي.

ويشير الاتجاه الثالث إلى معضلة الرهانات الهشة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وداعميها من الأمم المتحدة والدول الغربية على الاستيعاب الميليشياوي والسماح بتمدده في العاصمة طرابلس، في وقت بدت فيه قوة الحرس الرئاسي التابعة له ضعيفة أمام قبضة الميليشيات. وترى ورقة ولفرام أن حكومة الوفاق تحولت إلى مجرد واجهة ضعيفة لم تستطع ردع تلك الميليشيات، أو التحكم في سلوكيات منتسبيها، معتبرة أن ذلك يمثل نوعا من “الحلول المؤقتة”، والتي لن تنجح في استتباب الاستقرار في الوضع الليبي.

مثل هذا المعنى تجلى بدوره مؤخرا في انتقادات متصاعدة للميليشيات في طرابلس، حيث اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش جماعات مسلحة، بما فيها قوة الردع الخاصة التي تتبع وزارة الداخلية، بارتكاب انتهاكات، بعد أن اعتقلت مؤخرا إعلاميين ليبيين وهما سليمان قشوط، ومحمد اليعقوبي. بل سبق أن تعرضت قوة الردع الخاصة ذات الانتماء السلفي المدخلي إلى اتهامات أممية لبعض منتسبيها بالاتجار في الهجرة غير الشرعية، وهو ما نفته القوة، وقالت إنها تحقق في أي الوقائع التي تدين منتسبيها.

الملاحظ هنا أن بعض الدول الغربية، التي أعادت فتح سفاراتها في العاصمة طرابلس ودعمت حكومة الوفاق، صارت أكثر تكيفا مع السياق الميليشاوي في العاصمة لتحقيق مصالحها ولو على حساب مؤسسات الدولة.

على سبيل المثال، اتهمت تقارير عديدة إيطاليا باللجوء العام الماضي إلى التفاوض مع ميليشيا أحمد الدباشي في صبراته غربي ليبيا للحد من الهجرة عبر المتوسط، وإن كانت تلك الميليشيا تعرضت للهجوم من قبل جماعات مسلحة أخرى في أكتوبر الماضي ونزعت سيطرتها من المدينة التي يوجد بها مجمع للغاز والنفط لشركة ايني الإيطالية.

فشل أمني

تفصح كل تلك المشاهد الواقعة ما بين مكافحة الميليشيات على يد الجيش الوطني الليبي والتكيف معها من قبل حكومة الوفاق،عن عدة نتائج أساسية، أولاها فشل نظام الأمن الهجين، الذي كان سببا في انتشار الميليشيات، وتمدد قوتها منذ تشكل هذا النظام إبان المجلس الوطني الانتقالي، ثم توسعه مع انتخاب المؤتمر الوطني العام في 2012، واستمراره مع حكومة الوفاق.

وبدا إلحاق ميليشيات بمؤسسات عسكرية رسمية، وتكليفها بمهام دون دمجها فعليا أو السيطرة على سلوكيات أفرادها أو حتى تأهيل منتسبيها، لا يصب بالأساس في استعادة الوظيفة الأمنية للدولة.

حكومة الوفاق تحولت إلى مجرد واجهة ضعيفة لا تستطيع ردع الميليشيات
حكومة الوفاق تحولت إلى مجرد واجهة ضعيفة لا تستطيع ردع الميليشيات

 وعلى العكس فتح ذلك الباب واسعا أمام فساد أمني واقتصادي تورطت فيه هذه الميليشيات، ناهيك عن تحولها إلى لوبي سياسي، كما الحال مثلا عندما حاصروا مقر المؤتمر الوطني العام، بغية إصدار قانون العزل السياسي في ديسمبر 2012، والذي أدى آنذاك إلى تحجيم فوز القوى المدنية، وإفساح الفرصة للإسلاميين للسيطرة السياسية على مقاليد البرلمان، والذي ظل محميا بمجموعات مسلحة، ومشكلا كيانا موازيا، بعد انتخاب مجلس النواب الليبي عام 2014 إلى أن تم دمج أعضائه في المجلس الأعلى للدولة وفقا لاتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015.

أما النتيجة الثانية، فتتعلق بأن محاولات دمج الميليشيات في مؤسسات الدولة لتكوين أجهزة أمنية وطنية في مرحلة ما بعد معمر القذافي تعرضت للتعثر، لأن برامج الدمج لم يتم الإعداد لها بشكل جيد، فضلا عن عدم إقبال الكثير من عناصر الميليشيات على الانضمام إلى تخوفهم من التهميش ووضعهم في مكانة أقل من تلك التي كانوا يحظون بها في تنظيماتهم الخاصة.

لعل تصاعد الانتقادات تجاه سلوكيات قوة الردع الخاصة في طرابلس، والتي تسيطر على مطار معتيقة دفع فايز السراج إلى حلها وإدماجها يوم الأربعاء (9 مايو 2018) في جهاز أمني جديد يحمل مسمى (جهاز الردع لمكافحة الجريمة) تابع لوزارة الداخلية.

ورغم أهمية القرار، إلا أن ثمة تساؤلات حول مدى القدرة على ضبط سلوك المنتسبين لذلك الجهاز، والقادمين بالأساس من خلفية ميليشياوية سلفية، لأن القرار بدا أشبه بتحويل ميليشيا إلى جهاز بأوضاعهم الوظيفية ذاتها.

وتخلص النتيجة الثالثة وهي الأكثر أهمية، إلى أن احتماء الهياكل السياسية الليبية بظهير ميليشياوي مسلح قد يؤدي إلى فقدان ثقة المجتمع في أي توافقات سياسية على بناء مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل من الأهمية بمكان دفع المسار المتعلق بتوحيد الجيش الليبي، كأحد الشروط الأساسية لبناء عملية سياسية آمنة، لأن التعويل على الخيار الانتخابي -أيا كانت أهميته نظريا في إفراز شرعية موحدة- لن تكون له أي جدوى على أرض الواقع، ما لم تسنده قوة عسكرية مركزية تحتكر الوظيفة الأمنية للدولة وتنهي حكم الميليشيات في المناطق الليبية.

6