الميليشيات.. مستقبل سوريا

الخميس 2013/10/03

تنذر المعارك الأخيرة بين فصائل المعارضة السورية المسلحة، بتحولات جديدة في المشهد الصراع السوري، ليس أقلها محاولة كل جماعة وطرف توسيع مناطق نفوذها، وتثبيت نفسها على الأرض، كسلطة أمر الواقع، قبل ذهاب «السياسيين» إلى جنيف والعودة باتفاق، ربما لن يجد من ينفذه على الأرض لسنوات طويلة، بعد أن بات النزاع السوري الداخلي محكوما بمنطق وثقافة الميليشيات المتناحرة.

ثقافة انُتعشت كآلية للدفاع عن النفس، مع استمرارية حالة الاستعصاء في حل الأزمة، وعدم قدرة كل من النظام والمعارضة على حسم الصراع عسكريا، وما رافق ذلك من عبثية القتل والتعنيف، وصولا إلى عدمية انعكست تطرفا على جميع الأطراف والتيارات، الفكرية والثقافية والسياسية، سواء المعارضة منها أو المؤيدة للنظام، حيث أصبح لكل جماعة مشروعها وشرعيتها الخاصة المستمدة من قوة السلاح وبطشه، على مساحة جغرافية معينة.

والحقيقة، أن دور ومنطق الميليشيات، لا يقتصر على مناطق بعينها، بل تفيض وتتكرس على كامل الجغرافيا السورية، لتستحوذ على رسم العلاقات الاجتماعية وملامح الشخصية السورية وعمقها، وجعلها عنيفة و»متعانفة»، مع تنافي الحدود بين العنف الاجتماعي والسياسي.

لقد استمدت هذه الثقافة مرتكزاتها من فلك السياسة التي مارسها النظام على المجتمع السوري خلال نصف قرن، بتذريره إلى جماعات وفئات أهلية ومذهبية، سكبها بقوة الاستبداد الأمني في قالب أيديولوجي واحد، أدى إلى ولادة مناخ مذهبي وقومي واسع، يسوده جنون الارتياب وعدم الثقة بين مكوناته، مستفيدا من الذاكرة والمخيال «الأقلّوي» المتخم بالمجازر والعداوات السابقة.

فمن مجازر الأرمن وإقصاء الكرد وتهميشهم، ونزوح الفلسطينين وشتاتهم، وخوف العلويين، وحديثهم عن المظلومية التاريخية، إلى ارتياب الدروز والمسيحين، خلق النظام مزيجا من سياسة التهديد والوعيد، توافقت بشكل أو بآخر مع أسس ومنطق ثقافة ميليشيات اليوم.

وإن كان ثمة ما يبرر، وبحسب وعي كل طائفة لذاتها، ضرورة خلق فصيل عسكري في زخم الأزمة السورية، يأخذ على عاتقه حماية الطائفة والوقوف في وجه الإبادة المحتملة، بأنه من المستحيل أن تتنازل هذه الميليشيات عن سلاحها طواعية في المستقبل، وتنخرط في أي مشروع سلمي ووطني، فالمطلوب منها أن تبقى مسلحة ومتحفزة لتنفيذ أوامر داعميها، خاصة تلك الجماعات المرتبطة بالنظام أو تلك التي لا يتوافق مشروعها مع أي مشروع «وطني سوري»، مثل «داعش» و»جبهة النصرة».

لكن الأصعب في موضوع الميليشيات السورية، هو ضعف الحدود التنظيمية بين الجماعات، بالرغم من انتسابها إلى الجذر الأيديولوجي الواحد، وإنصياعها لإرادة إقليمية بعينها.

«فالشبيحة» مثلا، لم تعد موحّدة، وتلك التسمية التي أرعبت العزّل من المتظاهرين السلميين، لم تعد تعطي الانطباع بأنها تطلق على كتلة بشرية موحدة، وتحت إمِرة وقيادة واضحة، وقد حولهم إدمان الجرائم السياسية إلى ممارسة الجرائم الاجتماعية، وظهور الكثير منهم كأمراء حرب، يستفيدون من دوامة الصراع ومتاهاته، ومن أعمال السلب والنهب، خاصة وأنها تشكل على أساس مناطقية، تمكنهم من معرفة السكان عن قرب، وعندما لا تحصل هذه المجموعات على التمويل اللازم لبقائها كقوة على الأرض، يسارعون لابتزاز المجتمعات المحلية، ما يعني أنهم يصبحون شيئا فشيئا أقل خضوعا لقياداتهم.

والحال، أن قلب النظام وقوة «جيشه» تحول مع الأيام إلى ميليشيا كبيرة، بسبب افتقاده للعقيدة العسكرية الواضحة، وممارساته الفاشية ضد المدنيين، وولائه الطائفي والعائلي الأعمى.

فهو وإن لم يسقط بصورة مفاجئة، نظرا لطبيعته المركبة والمعقدة، فمن المحتمل أن يتحول ويتفكك في النهاية إلى ميليشيات تقاتل في سبيل الحفاظ على وجودها العضوي ومصالحها الضيقة. مثلما سنجد في الطرف المقابل، ازديادا في عدد الميليشيات المرتبطة بأجندة عابرة للحدود السورية، في ظل انكشاف العمق السوري، وتصدع كيانيته. ومثلما تأتي الثقافة الميليشاوية لتوازن انقسام الأطراف مع ثقل وتكتل المركز، يتناثر المركز السوري بارتباط مكوناته مع المحاور الإقليمية والدولية، تجد فيها الخلاص والإخلاص، وتحول الأرض السورية لملعب للاعبين كبار، لا يستطع المجتمع السوري دفع كل تكاليفه، بعد أن تحولت سوريا من لاعب إلى ملعب. فالمعروف أن ذات النظام الذي أسس لمنطق الميليشيات، بغلوه وعدم شفافيته، استفاد ولسنوات طويلة من إشاعة نمط ومنطق الميليشيات في الدول المجاورة له، على حساب مركزية تلك الدول وسلطتها.

إذن، مستقبل سوريا هو حاضر العراق ولبنان، حيث الخطب الوطنية الطنانة تقتصر على المنابر الإعلامية، وعلى الأرض تنتعش ثقافة الميليشيات، ومنطقها في الاحتكام إلى السلاح أثناء اللحظات السياسية الحرجة، وتغليب الأيديولوجي والعقائدي على السياسي والوطني دائما. حيث لم يستغن أي مكوّن عن ميليشياته إلى جوار الجيوش النظامية، إنها دلالة النزوع التقسيمي المرشح للبقاء والاستمرار بسبب جذوره البنيوية في السياسة والاقتصاد، والثقافة عموما، تلك التي باتت مرهونة لغرائز مثقفيها ومروجيها المنفعلين.


كاتب سوري

8