المينيماليزم الفن الخالي من المشاعر

"الأقلّ هو الأكثر" شعار جمالي يتحرّر من الرمزية منتصرا للفاعلية مع الحدّ من تدخل يد الفنان.
السبت 2020/06/27
احتفاء بالفراغ والعدم

ظهر المينيماليزم أو الفن التقليلي بنيويورك في الستينات، أي المرحلة التي اتجه فيها عدد من الفنانين إلى التجريدية الهندسية، وقد اتسمت الحركة، كما يدل عليها اسمها، بالاقتصاد في المواد والأدوات المستعملة، والتركيز فقط على ما ينبغي أن يراه المشاهد، شعارها "الأقلّ هو الأكثر".

المينيماليزم، أو التقليلية، أو الفن التقليلي هو أحد تيارات الفن المعاصر، ظهر في بداية الستينات في الولايات المتحدة، على أيدي النحاتين روبرت موريس، وكارل أندريه، ودونالد جود، والرسامين فرنك ستيلّا وصول لو ويت، والموسيقيين لامونت يانغ، وفيليب غلاس، وتيري رايلي، وستيف ريش، وقد عرفوا كلهم بالتجرّد الشكلي والتقليص والحياد، وبتصوّر يقوم على أن تحسين اللوحة يكون بالتنقيص والتقليل والحذف، فلا يبقى إلّا اللبّ والجوهر.

فالغاية، كما أكّد فرانك ستيلّا، أحد روّادها البارزين، هي ألّا يوجد في اللوحة إلّا ما يمكن أن يُرى، وأن تتّسم الأعمال بالبساطة والخطوط المستقيمة المنتظمة ورفض التأويل.

فقد كانوا يهدفون إلى الحدّ من أثر الصبغة التصويرية وتدخل يد الفنان، فجاءت أعمالهم في معظمها مكونة من لونين أو ثلاثة، ومن أشكال أساسية كالدوائر والمربعات والخطوط المستقيمة، فالبساطة عندهم مقدّمة على أيّ شيء، أي أن المينيماليزم خال من أي رمزية، بل هو خال أيضا من المشاعر، فلا ذاتية فيه ولا أحاسيس.

رد فعل عكسي

جاء ظهور الحركة كردّ فعل على تصويرية البوب آرت المفرطة في السخرية، وكذلك على التجريدية الغنائية والتعبيرية التجريدية، وإن رأى بعض النقاد أنها تستمد جذورها من التجريدية الهندسية الأوروبية، ولاسيما فناني باوهاوس الألمانية ودي ستيل الهولندية والبنائية الروسية، وخاصة كازيمير ماليفيتش، أبرز ممثلي التفوقية الروسية التي ظهرت عام 1915 ودعت إلى فن نقي وتجريدي. وكان ماليفيتش أكّد بدوره أن الفن ينبغي أن يتحرّر من أي تمثل رمزي أو تصويري ليصبح غير ذاتي.

وقد سار على نهجه الفنان والمنظر الأميركي من أصل ألماني آد راينهارد الذي كانت لوحاته تحتفي بالفراغ والعدم باستعمال اللون الواحد. أي أن أنصار الحركة كانوا يبحثون عن النقاء والفعالية عن طريق الفن، شعارهم كما قال الألماني لودفيغ ميس فان در روهه: “الأقلّ هو الأكثر”، أما التسمية فقد أطلقها على الحركة الفيلسوف الإنجليزي رتشارد وولهايم في مجلة “آرت مغازين” عن معرض أقيم لفناني هذه الحركة في “غرين غاليري” بنيويورك في خريف 1965.

الغاية هي ألّا يوجد في اللوحة إلّا ما يمكن أن يُرى، وأن تتّسم الأعمال بالبساطة والخطوط المنتظمة ورفض التأويل

وخلافا للتعبيريين التجريديين في العشرية السابقة، الذين كانوا يشتغلون على الذاتية، أعلن التقليليون صراحة أن فنهم لا يعبّر عن الذات، ذلك أن فلسفتهم في الفن موضوعية، وأعمالهم تتضمّن أشكالا هندسية، وأحيانا تكعيبية خالية من الاستعارة، مع التركيز على مساواة الأطراف والتكرار واستعمال المساحات المحايدة والمواد الصناعية.

وكان من أثر إلغاءِ الحركةِ الفنَّ التصويريَّ والإيهامي والتخييلي والاستعاضة عنها بالحرفيّ، أن ابتعدت عن الفن التشكيلي لتقترب من النحت، وحتى من الموسيقى. فروبرت موريس، أحد رؤوس الحركة، مال إلى الرقص والكوريغرافيا منذ اكتشافه موسيقى جون كيج، فأقحم أفكاره في أعمال تتحدّى قوانين الطبيعة.

كذلك وول هانغينغ الذي فكّك مفهوم النحت، وأبدع منحوتات وبرية عريضة تستمد شكلها من جاذبية الأرض والبيئة. أما دونالد جاد فكان يرفض التسمية، رغم أن أسلوبه المنقى واستعماله المواد الصناعية كأنابيب النيون تجعله رائدا من رواد المينيماليزم. ذلك الموقف جلب إلى التقليليين مآخذ نقاد الفن المعاصر ومؤرخيه الذين رأوا في توجههم دليلا على عدم فهم جدلية الفن والنحت الحديثة.

أبرز ما يتميز به المينيماليزم إذن هو الاقتصاد في الوسائل، ما يوهم بأن الفنان لم يتدخل إلّا قليلا، رغم أن الأثر ليس تعبيرا بسيطا، بل إنه يستند إلى هندسة الفضاء واستعماله استعمالا ذكيا، ما يجعله ذا خصوصية معينة، فلا هو فن تشكيلي بأتمّ معنى الكلمة، ولا هو نحت، بل هو أقرب إلى الديزاين.

 وفي رأي بعض النقاد أن من الصعب تحديد مفهوم الأثر الفنيّ بعد التأكيد الراديكالي لدونالد جود بأن أفضل ما في الفن المعاصر لم يعد في النحت ولا في الفن التشكيلي، إذ اقترح بدلا من ذلك خلق “أشياء مخصوصة” يدرجها في الفضاء الواقعي، دون سند، مع استعمال مواد صناعية كالفولاذ والبليكسيغلاس. فأتباع هذه الحركة كما أسلفنا يركّزون على الهندسة واستعمال الألوان الأساسية بشكل محدود.

تجارب مميزة

أشكال بسيطة لكنها مؤثرة
أشكال بسيطة لكنها مؤثرة

من التجارب المميزة يمكن أن نذكر دان فلافن الذي يشتغل على النيون، تلك الأنابيب ذات الألوان اللامعة التي ينظمها في الفضاء بطريقة جذابة، وقد أنجز أول عمل له عام 1963، وأهداه إلى الروماني قسطنطين برانكوزي. وأعماله عبارة عن منحوتات وأنصاب يعدّها لفضاءات مخصوصة.

كذلك كارل أندريه الذي يعترض على كل ما هو مفهومي، وعادة ما يشتغل على الأفقية والأرضية، مؤكّدا أنه يواصل وضع “العمود الذي ليس له نهاية” الذي صاغه برانكوزي، ولكن على الأرض بدل رفعه نحو السماء.

ومن بين إنجازاته منحوتة مسطحة مكونة من رقائق معدنية يتصل بعضها ببعض جنبا إلى جنب، لتشكل بساطا مفروشا على الأرض، وقد صارت تلك المنحوتة مكانا يزار.

ولكن أبرزهم هو فرنك ستيلّا الذي يمكن اعتباره مؤسّس الحركة والدافع إلى إنشائها منذ 1959. ورغم أن
أعماله لم تلق الرواج المنشود، وخاصة أعماله التي أسماها “اللوحات السوداء”، فإنه أول من أبرز مفاهيم الحركة وتصوّراتها من خلال ما تميّزت به تلك الأعمال من تجريد وبساطة ورفض للإيهامية.

وقد سار ستيلّا على خطى آد راينهارد باتجاه التجريدية الهندسية، فأبدع لوحات/ أشياء ذات أشكال هياكل أصلية، مع إبراز خطوط مستقيمة، مركزية أو مائلة، منتظمة ومتناسقة تصوغها الفرشاة المسطحة أكثر ما تبدعها يد الفنان. وكان من الذين يرفضون التأويل في الفن، غايته أن يجعل الأثر غير ذاتي، أي لا علاقة له بمُنشِئه.

تفكيك لمفهوم النحت
تفكيك لمفهوم النحت

إلى جانب اللوحات، كانت للنحت مكانة هامة لدى أنصار المينيماليزم، مع اعتماد الأسلوب نفسه في الاقتصاد والبساطة، فأعمالهم عادة ما تُنجز بمواد بسيطة في طورها الخام في الغالب كالنحاس المصقول والفولاذ، وأشكال منقّاة، مؤلفة من عناصر تسمح بانحلال الشكل نفسه، كالرّصف بالمربعات المعدنية لدى كارل أندريه، والأوراق المعدنية العريضة مثنية أو ملفوفة عند رتشارد سيرّا، وتكرار الأشكال وتشابه الأحجام لدى دونالد جود، وقطع وبرية مشروطة ومحرّفة بفعل الجاذبية لدى روبرت مورّيس، وتشكيلات خطية بأنابيب النيون الأبيض أو الملوّن عند دان فلافن، وعوارض فارغة ذات أطراف مربّعة مَصوغة بشكل مقوّس لدى ألبرت هيرش.

ومن خصائص الأعمال التقليلية أيضا اختيار الأحجام الهندسية البسيطة، الخالية من أي بهرج، ما يسمح للألوان والمواد بإنتاج أشياء ليس لها حكاية انفعالية، ليكون محتوى المنحوتة هي المنحوتة نفسها، لأنها تكتفي بما هو أساسي. فضلا عن ميل المينيماليزم إلى دمج الأجناس الفنية، وقد رأينا ذلك خلال معرض أقيم في القصر الكبير بباريس عام 2008، حين عمد رتشارد سيرّا إلى وضع مكبرات صوت حول أعماله الفولاذية المعروضة تبثّ أنغاما موسيقية موقّعة من وضع رفيقه فيليب غلاس.

15