المُكيف

الجمعة 2018/01/26

من منا لم يسمع بما يوازي هذا القول “لن تعثر في العمل الفني ما بعد الحداثي ما يلفت نظرك، إلاّ ما تجلبه أنت إليه من معان وأهمية؟”.

لم أفهم أهمية هذه المقولة التي لا أنفك أصادفها في مطالعاتي بصيغ مختلفة، إلاّ عندما تعطّل المُكيّف في مكتبي، فهذا المكيف “العادي جدا”، والذي قبع في مكانه منذ أكثر من أربع سنوات بصمت، وهو يقوم بوظيفته العادية جدا، وهي التدفئة في أيام البرد والتبريد في أيام الحرّ، أصابه عطل طارئ في زمن بارد وماطر.

صرتُ كلّ يومين أستقبل في مكتبي الصغير جدا أفواجا من المعنيين ليتفحّصوه وليتراشقوا التهم حول من تسبب بتعطيله: شركة الصيانة، أم المؤسسة التي أعمل فيها، أو هؤلاء الذين غيّروا التوصيلات الكهربائية خارج المبنى.

وتخللت أمواج الكر والفر بين الأطراف المعنية عمليات تخريبية/طفولية من العيار الخفيف، بغية تثبيت التهمة على أحدهم، فيقفل الملف نهائيا ويتم استبدال أو تصليح المُكيف.

فوضى استمرت لأكثر من شهر أدّت إلى القضاء على الحد الأدنى من الهدوء والدفء اللذين أحتاجهما من أجل إنجاز عملي.

كل صباح مُبكّر بتُ أدخل المكتب وأنظر إلى المُكيّف متوقعة تغيرا ما، وغالبا ما كان عند حسن ظني به: مرة، أكتشف تغيرا أفضل في شكله، ومرة أخرى أراه قد اتسخوا عليه بصمات أياد قذرة، وتارة أجد أحشاءه قد خرجت من هيكله، وتارة أُخرى أراه وقد فُكّ جزء من غلافه الخارجي، أو تدلى منه شريط كهربائي سقيم، أما في صباحات أخرى فذهلني ضوء خرج من عينه التي لم أكن أراها من قبل ولا هي كانت تراني.

وفي بعض المرات كانت تبدو “ملامحه” وكأنه تمّ تصليحها، ولكن ذلك كان مجرد تمويه يسلي به ذاته فيسليني معه.

ومع مرور الأيام صرت كل صباح باكر أدير المفتاح في الباب لأجد نفسي أصبّح على المُكيّف بالخير وكأنه كائن حيّ، كما لاحظت، ولأول مرة بعد أربع سنوات، اسمه أو “ماركته المسجلة” ولونه وجمالية تصميمه، أيضا اعتدت على أن أتناول الهاتف واتصل بالمعنيين كي أفعّل البحث من جديد عن سر المُكيّف المُعطّل بعد أن بردت همّتهم.

وعندما تم تصليح المُكيّف وعاد يبث دفئه بجوّ الغرفة، لم يعد بالنسبة لي مجرد آلة، إذ بات له تاريخ خاص وسكنته تفاصيل جديدة شهدت وعلى مدى شهر وأكثر الخلل وسوء النية القائمة ما بين “الأطراف المعنية”.

كما صار لهذا المُكيّف “الخاص جدا” قلب وقالب استوعب كل الإسقاطات النفسية التي أنزلتها عليه حسب تقلباتي المزاجية اليومية، منها ما يتعلق بمدى الملل الذي يصيبني فجأة ولا يغادر بسهولة، ومنها ما هو مرتبط بحلاوة الاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة.

وصار هذا المُكيّف، بعدما تحلّق من حوله “المسعفون” المزعومون، رمزا للفساد المستشري في البلد وصورة من صور التجليات العامة للامبالاة، وللأعمال التخريبية المقصودة، وتلك الناتجة عن إهمال غير مقصود من ناحية ثانية.

هذا ما استجدّ على كيفية “قراءتي” لهذا المُكيّف الذي لا يزال صامدا في مكتبي، تحفة فنية ما بعد حداثية تشارك الكثيرون في تقييم خللها ومواطن قوتها (صناعة أوروبية)، وتخريبها وإعادة إنتاجها حتى باتت عارية من معناها الأصلي، لكنني وجدتني أدثّرها بمعان جديدة لم تكن لها يوما.

قد يبدو هذا الكلام مجنونا، ولكن ما هو شكل العقلانية في عالمنا هذا؟ أليس هو كل خروج عن طور المعهود؟ كذلك الأمر بالنسبة لكل الموجودات من حولنا، فما بالك بالفنون ما بعد الحداثية؟

أليس الفن ما بعد الحداثي في أشكاله القصوى هو أحوج ما يكون إلى من، وما يعطيه معنى؟ فهو أيضا كمثل المُكيّف/الأيقونة يبدو وكأنه أصيب “بعطل طارىء في زمن بارد وماطر”، كهذا الزمن الذي كست ملامحه حيادية/جليدية تجاه مآسي الآخرين وتجاه الدمار التدريجي للبيئة، وكأنه دمار نحن غير معنيين به لا من قريب ولا من بعيد.

ناقدة لبنانية

17