النائب نضال طعمة لـ"العرب": عجز الحكومة يحوّل لبنان إلى دولة فاشلة

لا يعكس خطاب النائب العكاري نضال طعمة سوى الهدوء والتروي والحذر. إذ أنه يحرص على عدم التحدث بيقين العارفين كما هو حال جل رجال السياسة في لبنان بل بتساؤل الباحثين عن الحقيقة. فتراه يدافع عن حقوق منطقة عكار بحرص شديد على اعتبار أن حقوق هذه المنطقة المنسية جزء لا يتجزأ من سياق إنمائي عام يطال البلد ككل. ولكنه أحيانا يبتعد عن المواقف الشعبوية والجماهيرية، دون أن ينكر طبيعة المشاكل والأزمات، ودون أن يحاول تحريفها عن مسارها ونسف واقعها. ويمارس منطقا سياسيا يعتبر أن الاعتراف بالأزمات يمثل المدخل الصحيح لإيجاد الحلول ونجاح التسويات.
الجمعة 2015/07/31
نضال طعمة: لبنان متروك لمصيره

يقرأ النائب نضال طعمة، في حواره مع "العرب"، طبيعة أزمة النفايات التي فتحت جروح منطقة عكار وأثارت غضب أهلها. ويحذر من خطورة استقالة الحكومة. كما يرفض اعتبار المسيحيين أقليات، ويعتبر أن الخطر الوجودي يطال الجميع في لبنان. ويرى التقسيم أمرا واقعا ويفترض أنه من المبكّر تحديد تداعيات الاتفاق النووي على لبنان، وأن تعريف الإرهاب لا يزال أسير تناقضات بارزة. ويعلن أن لبنان متروك لمصيره وأن بشار الأسد قد أفصح بوضوح في خطابه الأخير عن نية تسليم سوريا بشكل كامل لإيران، ما سيتسبب في تعميق الأزمات في كل المنطقة.

عكار غاضبة

◄ هل ترى في اقتراح نقل النفايات إلى عكار انعكاسا لتمايز طبقي في التعامل مع المناطق المختلفة؟ وكيف تنظر إلى تعامل تيار المستقبل بشكل عام مع هذه المنطقة؟

- كان يمكن أن يكون قرار نقل النفايات إلى عكار مقبولا لو كان هناك نوع من المشاركة في الإنماء. للأسف هذه المنطقة عانت ولا زالت تعاني من إهمال كامل على كل الأصعدة الإنمائية من قبيل شق الطرقات وصولا إلى إنشاء فروع للجامعة اللبنانية. لطالما كنّا ننادي ونطالب بحق عكار دون أن يُستجاب لطلباتنا كما ينبغي. الآن وفجأة دخلت عكار في دائرة الاهتمام لأن هناك أزمة نفايات يراد حلها بطمرها في عكار. هذا المنطق استفز العكاريين واعتبروه مسيئا لكرامتهم، فبادروا إلى اتخاذ ردود فعل رافضة له.

موقف عكار ليس ضد بيروت وليس ضد الوطن، ولكن السؤال الكبير الذي طرحته هذه الأزمة يقول لماذا لم يتم تذكّر عكّار إلا مع بروز أزمة النفايات إلى الواجهة؟ هذا الموضوع تسبب في إحراج وأدى إلى انتفاض أهل المنطقة دفاعا عن كرامتهم، وخاصة بعد أن تبيّن أن المكان المنوي طمر النفايات فيه غير مجهز صحيا. أعود وأكرر أن الموضوع ليس موجّها ضد أهل بيروت الذين نجلهم ونحترمهم، وأن عكار كانت ولا زالت حاضنة الجيش اللبناني الذي يمثل المؤسسة الضامنة للجميع، ومدافعة عن منطق المؤسسات الذي يمثل جوهر رسالة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

في ما يخص تعامل تيار المستقبل مع عكار يمكنني أن أقول إن تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري قدما الكثير لعكار. الرئيس سعد الحريري بنى حوالي 15 مدرسة في عكار وقدمهم للدولة، وقبله عمل عصام فارس كذلك على إنماء عكار، ولكن سعد الحريري ليس الدولة. التقصير يقع على الدولة.

◄ برز إلى العلن مؤخرا خطاب يعلن بوضوح أن المطلوب من أهالي عكار الذين لا يحظون بإنماء وتقديمات مماثلة لتلك التي تحظى بها بيروت أن يكون مستوعبا للأزمات وليس فقط للنفايات؟ هل يفسر هذا المنطق الذي شاع مؤخرا مواقف أهل عكار؟ وما هي العناوين والتحديات التي يطرحها؟

- هذا الإحساس طغى على نفوس العكاريين مؤخرا وهو محق. وهو يفسر واقع الحال الذي يراكم تاريخا من الإهمال والتجاهل، وحتى الحكومة الحالية لم تعط عكار حقها. فالمبلغ المخصص للإنماء كان 500 مليون دولار وحصة عكار منه لم تتجاوز الـ7 ملايين دولار فقط.

الشعارات التي يطلقها الجنرال عون حول حقوق المسيحيين لا أرى فيها سوى انعكاس لمصلحة شخصية

من ناحية أخرى برز خطاب يبرّر نية نقل النفايات إلى عكار ويعلن أنها منطقة مفتوحة للجميع ويأتي إليها اللبنانيون من جميع المناطق ويساهمون في إنمائها، وتاليا فإن عليها تحمّل نقل النفايات إليها لأنها للجميع. هذا الخطاب الذي لم يكن مقصودا كما يبدو أثار حفيظة العكاريين، حيث بدا لهم أن منطقتهم تعتبر مكبا فقط. تجلى هذا الشعور في طبيعة الشعارات التي رفعت خلال الاحتجاجات العكارية على نقل النفايات، حيث ارتفعت يافطات كتبت عليها شعارات: “عكار ليست مكبّا لنفاياتكم” و”عكار كرامتها أكبر وأهم”.

الشعور بالغبن عند العكاريين ناتج عن تعطشهم للإنماء خاصة بعد كل التضحيات التي قدموها من خلال مجموعة من الشهداء في صفوف الجيش اللبناني، ومحاربة الإرهاب في نهر البارد وغيرها من المحطات المضيئة. ربما كان العكاريون سيقبلون الأمر لو كان ضمن سياق مشروع إنمائي يقدم رؤية واضحة وعملية لكيفية حل حاجيات المنطقة، وإنشاء مطمر عصري وصحي يراعي شروط السلامة الصحية والبيئية، ولكن سياق التعامل الخاطئ مع المنطقة فجّر شعور الغضب عند عموم العكاريين. من يتحمل مسؤولية وصول الأمور إلى هذه الدرجة من السوء هو الحكومة أو بشكل دقيق من يعطل الحكومة ويمنعها من ممارسة عملها.

أزمة الحكومة

◄ هل تعتقد أن أزمة النفايات وتداعياتها ستتسبب باستقالة الحكومة وإدخال البلد في حالة من الفراغ يستفيد منها حزب الله؟

- حزب الله مسيطر على البلد أساسا. وهو يوحي للرئيس تمام سلام أنه مع الحكومة من ناحية، ويحمّس من ناحية أخرى الجنرال عون والتيار الوطني الحر على تكبير مشاريعهما ورفض السير في مشاريع التسويات. لا أعتقد أن الرئيس تمام سلام بحاجة إلى من يذكّره بخطورة استقالته التي من شأنها تحويل المؤسسة الدستورية الوحيدة العاملة إلى حالة تصريف الأعمال. هذا الوضع خطير في ظل الفراغ الرئاسي والشلل الذي يعاني منه المجلس النيابي.

السؤال الذي لا بد من طرحه هنا هو ما النفع من الاستمرار في عقد جلسات لمجلس الوزراء طالما أن التعطيل لا يزال مستمرا؟ الحكومة عاجزة عن اتخاذ أبسط القرارات في ظل إصرار طرف منها على حالة الشلل الكامل. لماذا على رئيس الحكومة أن يتحمل تبعات هذا الأمر؟ الرئيس تمام سلام صبر أكثر من أيوب إذا جاز التعبير. هناك للأسف طرف يضرب بالنصوص الدستورية عرض الحائط ويفرض إرادته على باقي مكونات الحكومة.

أليست الحكومة الحالية عمليا هي حكومة تصريف أعمال؟ بلى، نظرا لإصرار البعض على تحقيق الإجماع التام حول كل الأمور، حيث تحول مجلس الوزراء إلى مجلس رؤساء الجمهورية.

الاستقالة تحوّل البلد إلى دولة فاشلة بالكامل. عجز الحكومة عن تأمين الرواتب، وإبرام اتفاقات مالية تتعلق بمساعدات إنمائية من الدول العربية وسواها، وعدم قدرتها على تجديد إصدار سندات الخزينة، كل هذه الأمور يضاف إليها أزمة النفايات تحملنا على القول إن لبنان قد تحول بسبب إصرار البعض على الدفاع عن مجموعة من المصالح الجشعة إلى دولة فاشلة كاملة الأوصاف، إذا صح التعبير.

"الأقلية" اللبنانية

◄هل ترى أن توصيف الأقليات ينطبق على المسيحيين في لبنان وكيف تنظر إلى مصير المسيحيين في ظل الأزمات المفتوحة في المنطقة؟

-أنا أؤمن أنه ليس هناك أقليات في لبنان وأن الخطر لا يصيب المسيحيين فقط بل يطال الجميع. المسيحيون لا يستطيعون تشكيل فرادة خارج الإجماع الوطني. لست خائفا على المسيحيين في لبنان. لا أحد ينتقص من حقوق المسيحيين في لبنان. الشعارات التي يطلقها الجنرال عون حول حقوق المسيحيين لا أرى فيها سوى انعكاس لمصلحة شخصية.

يطلق عناوين كبرى من قبيل الدستور ومصالح المسيحيين، ويعود ويقزّمها تحت عناوين ضرورة وصوله إلى رئاسة الجمهورية، وتعيين صهره وزيرا وتعيين صهره الآخر قائدا للجيش. هناك “شخصانية” وأنانية وتفرد فتاك عند الجنرال عون. لا أريد أن أفكر أن المسيحيين مستضعفون في لبنان وأن هناك من يريد منحهم حقوقهم. نحن شركاء فعليين في هذا الوطن ولا أحد يستهدف المسيحيين كمسيحيين.

حرص السيد حسن نصر الله مؤخرا على تحميل تيار المستقبل مسؤولية ضرب حقوق المسيحيين في حين أن موقف الرئيس الحريري كان لافتا وغير شعبي حين قال “وقفنا العد وسنعيش في البلد جميعا بغض النظر عن الأعداد”.

كل الطوائف في لبنان في خطر. الشيعة في خطر، والسنة في خطر، والمسيحيون في خطر، ما دام هناك طرف في لبنان يغلّب مصلحة إيران ومصلحة النظام السوري على مصلحة لبنان.

لبنان.. تفاؤل رغم الصعوبات

◄ كيف تقرأ انعكاسات الاتفاق النووي مع إيران على لبنان؟

- كنت متفاجئا حين سمعت السيد حسن نصر الله مؤخرا يعتبر الاتفاق النووي انتصارا له وكسبا للمحور الذي يمثله على حساب الآخرين. لم أفهم أنه وما دام الأمر كذلك فلماذا يستمر في التعطيل، وهل الانتصار يترجم بالتعطيل؟

لا زال من المبكر التكهّن بتداعيات الاتفاق على لبنان، ولكن هناك خشية كبيرة من أن يتسبب الفائض المالي الذي ستحصل عليه إيران في انتشار شعور بفائض القوة عندها وفي أوساط وحزب الله، وأن يترجم هذا الأمر في زيادة الدعم المالي لحزب الله وللميليشيات التابعة لطهران في عموم المنطقة.

هناك سؤال يطرح عموما مفاده هل يمكن لإيران التي وقّعت اتفاقا مع مجموعة من الدول الغربية أن تبقى محافظة على شكل نظامها الديكتاتوري الحالي دون أي تعديل أو تغيير؟ لازال من المبكر الإجابة على هذا السؤال وعلينا أن ننتظر التطورات.

الحرب على الإرهاب

◄ الحرب على الإرهاب عنوان ملتبس يضم داخله عناوين متناقضة، كما أن تعريف الإرهاب نفسه لا يزال غامضا، ويتخذ أحيانا صيغة الانحياز لطرف ضد آخر، هل ترى الحرب على الإرهاب حلا أم سياقا يؤدي إلى مزيد من تعقيد الأمور؟

- نعم، أعتقد أن تعريف الإرهاب لا يزال خاضعا لتناقضات كبيرة. المشكلة في نظري تقع في من يدّعون محاربة الإرهاب وهم يغذونه في الواقع. المشكلة الكبرى هي في سلوك الولايات المتحدة الأميركية التي لم تكن جدية في محاربة الإرهاب.

الشعب السوري هبّ لطلب الحرية فجوبه بالسلاح وبالبراميل المتفجّرة. كان موقف الديمقراطية الأبرز في العالم أن قامت بدعم فئة هنا وفئة هناك، وطبعا هذا كله من أجل أن تبقى إسرائيل آمنة.

الدول الغربية تتجاهل الإرهاب حرصا على أمن إسرائيل، كما أن دخول حزب الله إلى سوريا يقوّي ردة الفعل التي تقود البعض إلى التطرف والانغماس في إرهاب طائفي ومذهبي.

من هنا نعيد تكرار الدعوة إلى حزب الله للخروج من سوريا لأن وجوده هناك يؤجج الإرهاب والطائفية. ومن ناحية ثانية تجدر الإشارة إلى خطورة الفقر الذي يدفع الناس إلى اللجوء لأي طرف يقدم المال والخبز، بغض النظر عن عقيدته ومشروعه، وهذا أيضا من مسؤوليات الدول.

هناك سايكس بيكو جديد كما يبدو، الدول الغربية ليست كاريتاس. كل دولة تسعى إلى ترتيب شبكة مصالحها وتقاسم حصص النفط والغاز

الملف السوري

◄ كيف تنظر إلى مسار الأوضاع في سوريا خاصة بعد التدخل التركي، وهل ترى أن الأمور ذاهبة في اتجاه التقسيم أو تقاسم النفوذ؟

- سمعنا تصريحات لبعض الدول العربية ترفض التقسيم. أنا أرى، وأتمنى أن أكون مخطئا، أن الأمور ذاهبة في كل المنطقة نحو التقسيم بشكل واضح. في سوريا هناك ترسيم لحدود الدولة السنية، الدولة العلوية والدولة الكردية. لا أعلم ماذا يدور في أروقة البيت الأبيض بشأن المنطقة، ولكن لدي انطباعا أن كل طرف يدافع عن حدوده، ما يشي بأننا ذاهبون إلى تقسيم.

هناك سايكس بيكو جديد كما يبدو. الدول الغربية ليست كاريتاس. كل دولة تسعى إلى ترتيب شبكة مصالحها وتقاسم حصص النفط والغاز. أنا متخوف من التقسيم بشكل عام وأرى أنه وارد .

◄ هل سيبقى لبنان بمنأى عن التقسيم في حال تم في سوريا؟

- يبدو أن هناك قناعة عند معظم الدول الغربية بضرورة إبقاء لبنان بمنأى عن نيران المنطقة. ربما لأنه لا يوجد في لبنان ما يغري فليس فيه نفط حاليا، كما أنه يعاني من جملة مشاكل تحتاج إلى سنوات وسنوات لحلها. كل هذا يجعله يحتل أسفل سلّم الأولويات في المنطقة. هناك انهيار مؤسساتي سريع في لبنان قد يشكل خطرا مصيريا عليه وذلك بغض النظر عن حدوث تقسيم.

◄ هل هذا يعني أن لبنان متروك لمصيره؟ وهل سيسلم إلى إيران وحزب الله؟

-نعم أعتقد أن لبنان متروك لمصيره. علينا أن نعرف ماذا تريد إيران وما إذا كانت ستسعى وفقا لاعتبارات خاصة بحماية حزب الله إلى انتزاع “تلزيم” يتيح لها التحكم بالأمور في لبنان كما كان حال الوصاية السورية. أتمنى على جميع السياسيين اللبنانيين التنبه واستشعار خطورة هذا الوضع.

من ناحية ثانية من يسمع خطاب بشار الأسد الأخير يعلم بأنه قد تخلى نهائيا عن شعارات القومية والعروبة، وعمد إلى تسليم سوريا لإيران مع علمه بمدى كره إيران للعرب بسبب الحرب مع العراق، وحقدها على الإسلام الذي أنهى الإمبراطورية الفارسية. من هنا يمكن استشفاف حجم التوغّل الإيراني في الداخل العربي.

◄ هل تقصد أن الدليل البارز على نية الأسد تسليم سوريا لإيران هو حين قال إن سوريا لمن يدافع عنها وليست لمن يحمل جنسيتها؟

- نعم بالضبط. هذا يعني أن الأسد لم يكن يتحدث على هواه إنما انطلاقا من واقع بات لإيران فيه اليد العليا، ما ينذر بتداعيات خطيرة تطال لبنان وكل المنطقة.

12