النائم مستيقظا: أكتافيو باث يحتفي بشعر فيا أوروتيا

الأربعاء 2014/12/31
خافيير فيا أوروتيا شاعر إنطوائي لم يبد الرأي العام عشقا كبيرا لشعره

نشرت طبعة الأعمال الكاملة لخافيير فيّاأوروتيا سنة 1966، من قبل صندوق الثقافة الاقتصادية، في نحو ألف صفحة أو يزيد. على أيّة حال، فإنّ فيّاأوروتيا، بالنّسبة إلى غالبيّة قرّائه، هو كاتب نحو خمس عشرة قصيدة أو عشرين. هل هذا قليل؟ تبدو بالنّسبة إليّ قدرا كبيرا. لأنّنا بهذه القصائد نتذكّر المسرحيّات ونعيد قراءة المقالات النقديّة: نريد أن نجد فيها، إن لم يكن سرّ شعره، فعلى الأقلّ سرّ الفتنة التي يحملها من أجلنا.

"العرب" تنشر مقالا للشاعر الكبير أكتافيو باث في حديثه عن الشاعر فيا أوروتيا.

تعدّ البضع والعشرون قصيدة من بين أفضل قصائد لغتنا، وأفضل قصائد عصره. أتنسجم المكانة، التي يحتلّها فيّاأوروتيا في المكسيك وأميركا اللاتينيّة، مع هذه الميزة؟ الجواب، بصراحة، هو: كَلاّ. ليس لفيّاأوروتيا أيّة شهرة في أوروبا، ونادرا ما يقرأ شعره. لا صعوبة في العثور على الإجابة. فشعره هو شعر منعزِلٍ، شعر لأولئك المنعزلين، فهو لا يسعى إلى تواطؤ الأهواء التي استبدّت بأرواحنا اليوم: السياسة، و"النزعة" الوطنية، والإيديولوجيات.

لا كنيسة ولا حزب ولا دولة، تستطيع أن تظفر بشيء من قصائد متناسلة، مواضيعها أو بالأحرى وساوسها هي النوم والعزلة والأرق والعقم والموت. وحتّى الإيروتيكيّة، الصّنم الأعظم لقرننا الوحشي البارد، تظهرُ في قصائده كشغف سريّ صفاته الأكثر وضوحا هي الغضب العارم والقحط والعنّة والجفاف. فلا شيء في شعره يجذب قرّاء يختزلون كغالبيّة معاصرينا كلّ شيء في الحياة، حتّى الحياة الجنسيّة والشّهوانيّة إلى مقولات إيديولوجيّة. ليس شعر بيّاأوروتيا شعرا ضدّ المجتمع بل هو شعر إنطوائيّ فحسب.

لم تعِر الحكومة المكسيكيّة، المتحجّرة العظمى والمتعصّبة تجاه المشاهير، أدنى بال لعمل فيا أوروتيا وذكراه. ربّما من الأفضل أن الأمر كان كذلك: لقد ادّخر التمثال الغريب والزّقاق الذي يحمل اسمه. (في المكسيك تنتمي الجادات الوسيعة والساحات العمومية بحقّ التملّك الذاتيّ، أو مثلما كنت على وشك القول بـ”الحقّ الإلهيّ”، إلى الرؤساء السّابقين وإلى المتنفّذين الأقوياء. كانت شوارع مدننا قد وُسِمت كماشية كثيرة بأسماء غير مشهورة في الغالب). كما لم يُبدِ الرأي العامّ المكسيكي، أعني المثقّفين والمتحذلقين، عشقا كبيرا لشعر فيّاأوروتيا.

ليلية: الميت
في البَدْءِ، سيشتدُّ الثّلجُ والهواءُ الفاترُ من حولي

كضمادةٍ على الذّراعِ المصابةِ لرجلٍ مصابٍ

ثمّ يجتاحاني كالصّمتِ الباردِ

للجسدِ الميّتِ المُشرّدِ لرجلٍ ميّتٍ.

ثمّ الضّجيجُ الأزرقُ، الصّامتُ، اللّا يُحدُّ

حبيسَ الصَّدفةِ النّائمةِ لأُذني

مثلما يغرقُ صوتيَ في بحرِ الخوفِ

الذي يكبرُ أضعفَ، وأكثرَ لهيبًا يكبرُ.

مَن يعاينُ الفضاءَ، ويرجمُ اللّحظةَ بالغيبِ

حينَ يجتاحُ الجليدُ جسدي ويغلّفُ

هذا القلبَ الذي لا يخفقُ كلهيبٍ باردِ؟

لقد صارتِ الأرضُ صمتًا صامتًا لا يُلمسُ،

عزلةٌ معتمةُ وظلٌّ أرمدُ

سيهبطانِ على عينيَّ ويمحيانِ وجهي.

ولكنّ حالته ليست استثنائيّة: لقد نظر المثقفون وأنصاف المثقفين، الذين بين ظهرانينا بازدراء مماثل تجاه تابلادا وبلِسير وهوراثتيسا ورِيّس وغونثاليث مارتينيث، وحتّى تجاه لوبيث بيلاردي. مجدُ فيّاأورتيا مجدٌ سريّ كشعره نفسه. إنّني لا أندم على قول ذلك، ولا حتّى هو أيضا. لم يسع إلى شيء أكثر من الإعجاب المتّقد من طرف القلّة. ليس الشعر في الأزمنة الحديثة -ولا يمكن أن يكون- أكثر من عبادة سريّة، طقسا/شعيرة في سرداب الموتى.

ولطالما كان فيّاأوروتيا مشغولا بالتناقض بين الكلاسيكية والرومانتيكيّة. لم يكن لهذين المصطلحين بالنسبة إليه أية دلالة تاريخية أو أسلوبية على نحو حصريّ، كانت دلالتهما حيوية وشخصيّة. كان التناقض بينهما هو صراعه/تناقضه وحالته الدراميّة.

ثمة شعراء تسيطر عليهم الوحدة كما لو كانت الحقيقة، واللغة في حدّ ذاتها فَيضان لـ”الواحد الأفلوطينيّ”، شعراء كينونة لا يُبدَّدون بالتعدّد بل يتبدّدون في الماهيّة/الجوهر؛ خورخي غيّين شاعر من هذا النّوع.
وثمّة شعراء آخرون كان العالم واللغة بالنسبة إليهم أمواجا من مادّة وافرة ومشوّشة، سابقة على الوحدة مادّة وراثيّة غامضة ومتناغمة. بابلو نيرودا شاعر من هذا النّوع. لا يُعرّف شعر فيّاأوروتيا بوحدة ماهيّة أو جوهر، ولا حتّى بمادّة جَمعيّة وإنّما بثنائيّته.

التضادّ بين الكلاسيكيّ والرومانتيكيّ هو أحد الأشكال التي اتّخذها التناقض الذي سكنه. وليس صعبا العثور على متضّادات أخرى في كلّ واحدة من قصائده: العزلة/الرّفقة، الصمت/الصوت، النوم/اليقظة، الزمن/الأبديّة، النار/الثلج، الكمال/الخواء، اللّاشيء/كلّ شيء..

لم يسع فيّاأوروتيا في قصائده إلى تحويل هذا إلى ذاك، اللّهب إلى ثلج، الخواء إلى كمال، بل إلى إدراك لحظة التحوّل بين المتضّادات والتّعبير عنها. اللحظة المتناقضة التي يبدأ فيها الثلج بالإعتام دون أن يصبح رغم ذلك ظلا. حالات تخوميّة نشهد فيها نوعا من التّضاعف الكونيّ، لا نشهد في هذا التّضاعف تزامن المتضادّات، كما هي عند نيقولا دي كوزا، بل تعايشها. الكلمة التي تحدّد هذا التّعايش هي اللفظة “بين”.

في المنطقة المؤقتة والدائخة التي تنفتح بين حقيقتين، في هذا “البين” الذي هو جسر معلق فوق خواء اللغة، في الضفة الرملية القاحلة على شفير الهاوية، هناك حيث يموضع شعر فيّاأوروتيا نفسه، يتجذّر وينمو. شجرة شفافة وهائلة من انعكاسات صور وظلال وأصداء.

وليس الـ”بين” فضاء، إنّه ما بين فضاء وآخر، ليس الزمن بل اللحظة التي تومض بين القَبل والبعد.
ليلية: الموت يتكلم
لو جاءَ الموتُ هُنا، إلى نْيو هييڨِن،

مختبئًا في طيّاتِ الثّيابِ في حقيبةِ سفري،

في جيبِ إحدى بزّاتي،

في أوراقِ كتابٍ

كحاشيةٍ لا تذكّرني بشيءٍ،

لو كانَ موتي ينتظرُ نهارًا،

لحظةً لا تعرفُ إلّا نفسها

ليقولَ: “ها أنذا.

لقد كنتُ أتبعكَ كالظلِّ

الذي لا يُتركُ في البيتِ،

كبعضِ هواءٍ دافئ لا يُرى

مختلطًا بالهواءِ الباردِ القاسي الذي تزفرهُ،

كذكرى أغلبِ ما تُحبُّ،

كالنّسيانِ، بلى كالنّسيانِ

الذي تركتَهُ يسقطُ على الأشياءِ

التي لا تريدُ أن تذكرها ثانيةً.

من العبثِ أن تشيحَ برأسكَ بعيدًا:

فأنا أشدُّ قُربًا فلا تراني،

أنا في بَرَّانيّةِ نفسكَ وفي جَوَّانيّتِها.

لا شيءَ البحرُ الذي، كإلهٍ، أردتَ

أن يدخلَ بيننا،

ولا شيءَ، الأرضُ التي يعاينها الرّجالُ

ومن أجلها يقتلونَ ويموتون،

ولا الحلمَ الذي تريدُ أن تؤمنَ فيهِ بأنّكَ حيٌّ

بدوني، حينَ أخطُّهُ أنا وأمحيهِ

ولا الأيّامَ التي تعدُّها،

يومًا بعدَ أخرَ، في كلِّ السّاعاتِ،

ولا السّاعاتِ التي تبدّدها بالكبرياءِ

ولا تفكّرُ بأنّها سوفَ تُولدُ ثانيةً بدونكَ.

لا شيءَ هذي الأشياءُ، كالكمائنِ

اللّانهائيّةِ التي تعدّها من أجلي،

كالسّفسطاتِ الطّفوليّةِ التي حاولتَ بها

أن تخدعني، أن تنساني.

ها أنذا، ألا تشعرُ بِي؟

افتحْ عينيكَ، أو أغمضهما إن رغبتَ في ذلك”.

والآنَ أسألُ نفسي،

إنْ لم يدخلِ الغرفةَ المجاورةَ أحدٌ،

فمنْ سيوصدُ البابَ محترسًا؟

أيّةُ قوّةِ جاذبيّةٍ غامضةٍ

أسقطتْ صحفةَ الورقِ تلكَ منَ الطّاولةِ؟

ولِمَ هناكَ فجأةً، بلا أيِّ دعوةٍ،

صوتُ امرأةٍ تحكي في الشّارعِ؟

وأنا أضغطُ قلمي تحتُ،

شيءٌ، كالدّمِ، ينبضُ فيهِ وينتشرُ،

وأعرفُ أنّ الحروفَ الحدباءَ

التي الآنَ أكتبها،

أصغرُ، وأكثرُ ارتعاشًا، وأَبهتُ،

ولمْ تعُد تخرجُ من يدي وحدها.

ليس الـ”بين” هنا ولا هو الآن. وليس الـ”بين” جسدا ولا مادة. مملكته هي عالم فنتازيّ من تناقضات ومفارقات. يدوم الـ”بين” دوام البرق. يرى المرء نفسه في ضوئه كقوس يوحّد على الفور هذا وذاك دون أن يوحّدهما فعليا، ودون أن يكون أحدهما أو الآخر، أو يكون كليهما معا دون أن يكون أيّا منهما. الإنسان: النائم اليقظ، اللهب البارد، كومة الظل، الأبدية الواضحة.. وليست هذه الحالة الوسيطة هذا ولا ذاك، بل بين هذا وذاك، بين المنطقيّ وضدّه، بين الضوء والنهار، اليقظة والنوم، الحياة والموت، فما هي إذن؟

تشير هذه الحالة الوسيطة في شعر فيّاأوروتيا إلى لحظة انتباه حادّ في وسط هجران أكثر حدّية: أن ينام المرء بعينين مفتوحتين، وأن يرى بعينين مغمضتين. لهذه الحالة الوسيطة اسم آخر: العذاب. كما إنّها تسمى الشكّ أيضا. فيمَ؟ في الكينونة والعدم أيضا.

الشاعر يشكّ ينظر إلى نفسه في المرآة، يدرك نفسه كانعكاس فيغرق نفسه في ومضة ضوء. الشكّ عذاب: الموت والنشور في لحظة تدوم دوام خلق جميع العوالم وفنائها.

الشاعر طيف وصدى صرخته كلّما دقّ على الجدار وهو قبضة تدقّ صدرا خاويا، صفحة بيضاء، مرآة ملطخة تنفتح على رواق من الأصداء. لا استعارات بل رؤى عاجلة للإنسان بين الحضورات والغيابات. الـ”بين”: الفجوة، الوقفة الكونيّة، تأرجح الأشياء بين ما هي عليه وما سوف تكون. الـ”بين” طيّة كونية؛ التّضاعف الفوقيّ الذي يكشف -حين لا تكون مطويّةً- الثنائيّةَ لا الوحدة، والتناقض لا الجوهر.

تواري الطيّة بين صحائفها المغلقة وجهي الكينونة: الطيّة حين تكشف ما تواري، فإنّها تواري ما تكشف، الطيّة حين تفتح جناحيها، فإنّها تطبقهما، تقول الطيّة كَلّا حين تقول نعم، الطيّة هي ازدواجيّتها نفسها: صنوها، وقاتلتها، ومتمّمتها. الطيّة هي تلك التي توحّد المتضادّات دون أن تدمجها معا، على بعد مسافات متساوية من الوحدة والتعدّد.

في الطّوبولوجيا الشعرية، يمثّل الشكل الهندسي/الجيومتريّ الـ”بين”، الذي للّغة: الوحش السيميائيّ الذي ليس هذا ولا ذاك، "بل" تأرجحا مماثلا للسكون، تذبذبا/اهتزازا متجمدا.

الطيّة حين تنفتح، وثبة تتوقّف قبل أن تلمس الأرض، وحين تطوي نفسها من جديد؟ الطيّة والـ”بين” شكلان يفترضهما السؤال العصيّ على الإجابة. يطوي شعر فيّاأوروتيا نفسه في هذا السؤال وينفتح بين المتضادّات التي تسنده:

مَن يعاين الفضاءَ، ويرجم اللّحظةَ بالغيب/ حين يجتاح الجليد جسدي ويغلّف/ هذا القلب الذي لا يخفق كلهيب بارد؟

قصائد مختارة: الحنين إلى الموت

• ليلية: الصرخة

خائفٌ من صوتي.

عبثاً أفتّشُ عن ظلّي.

هل ذاكَ الظلُّ العابرُ

بلا جسدٍ . . . ظلِّي؟

أم ذاكَ الصّوتُ، ضائعاً،

يطوفُ الشّوارعَ يشعلُ النّيران؟

أيُّ صوتٍ، أيُّ ظلٍّ، أيُّ حلمِ

يقظةٍ لم أحلمهُ بعدُ

يمكن أن يكونَ الصّوتَ، الظلَّ،

الحلمَ الذي سرقوهُ منّي؟

لِأسمعَ الدمَ يشخبُ

من قلبيَ المختومِ،

هل أضعُ أذني على صدري

كأصابعَ على النّبضِ؟

سيكونُ صدريَ فارغًا

وأنا بلا أملٍ

ويدايَ نبضٌ قاسٍ

على رخامٍ باردِ.

15