الناجون من داعش وأعدائه

السبت 2014/11/08

الحرب على داعش هي في الوقت نفسه حرب على ضحاياه. لا لأن التنظيم الإرهابي يحتمي بـالمدنيين، بل لأنه اختطفهم حين احتل أراضيهـم وفرض عليهم سلطته الهمجية، فصار جزء منهم داعشيا في ولائه وسلوكه، والجزء الآخر صار عدوا لداعش، أما من وقف على الحياد، فإن مصيره لا يقل سوءا عن مصير الاثنين السابقين.

اليوم وبعد إعلان التحالف الدولي الحرب الجوية على داعش، يقع الجميع في المناطق التي يحتلها داعش تحت القصف، مَن كان داعشيا منهم، ومَن لم يكن كذلك. وهو ما وفر للتنظيم الإجرامي غطاء بشريا لم يكن يحلم بوجوده.

صار داعش، بسبب المحيط البشري، مجرد طرف افتراضي في حرب قُدر له من خلالها أن ينفذ كل مفردات أجندته الشريرة. فلم يعد التنظيم يقبل بأقل من القتل لكل من لا يواليه.

كان داعش في ماضي أيامه، وقبل أن يعلن التحالف الدولي الحرب عليه، يكتفي بالتهجير وسبي النساء والاستيلاء على ممتلكات النازحين، غير أنه انتقل تحت القصف إلى مرحلة متطورة من سيرته الإجرامية حين صار يلجأ إلى تنفيذ الإبادة الجماعية في حق أعدائه من أبناء العشائر التي حاربته وحاربت من قبله تنظيم القاعدة.

لقد وجد داعش في عزوف الدولة العراقية عن مد يد العون إلى تلك العشائر لأسباب طائفية، فرصته للقصاص ممّن يشكل وجودهم، أحياء، خطرا على رغبته في التمدد.

قد لا يجد التحالف الدولي في إبادة المئات من العراقيين في حفلات القتل اليومية التي يقيمها داعش مسوغا للاعتراف الآن بفشل حملته الجوية التي مضى عليها عدة أسابيع، غير أن ذلك الاعتراف الذي سيأتي متأخرا ستكون كلفته البشرية عالية.

ألا يحتاج القضاء على داعش خبرة استخبارية على الأرض، تكون بمثابة جرس إنذار يحذر من جرائم التنظيم قبل وقوعها؟ ما من أحد يمكنه أن يجزم بغياب تلك الخبرة.

الأنكى من ذلك أن الحكومة العراقية كانت قد أصمت آذانها عن نداءات الاستغاثة المتكررة التي وجهها أبناء العشائر المحاصرون في قراهم. ألم تصل تلك النداءات إلى التحالف الدولي؟

شيء ما يشبه المؤامرة الصامتة صار يوفر الأمان لداعش وهي تنشر الرعب والذعر والقتل والهلاك في الأراضي التي يُفترض أنها مُغطاة جويا.

فهل جرت تلك الحرب بناء على سوء فهم وقع فيه التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة، بحيث صارت سببا في فناء المدنيين ممن أوقعهم مصيرهم السيئ في قبضة داعش بدلا من أن تلحق الضرر بالتنظيم الإرهابي؟

ولكن التحالف الدولي، حسب تصريحات الرئيس الأميركي أوباما، ترك الأرض للعراقيين، فهم المسؤولون عن تحرير أراضيهم. تُرى أي عراقيين يقصد؟

ألم تصله أنبـاء هزيمـة الجيش العراقي وتبخر قواته التي تركت أسلحتها لداعش؟ ألم تلهمه صور قاسم سليماني، وهو يخوض الحرب قائدا، شيئا من الفطنة؟

الحشد الشعبي الذي صار رئيـس الوزراء العراقي حيدر العبادي يفاخر به ليس جيشا ولا يصلح حتى لتأليف ميليشيا قادرة على مقاتلة داعش. أما الميليشيات الشيعية فإنها نذرت نفسها للدفاع عن الأضرحة المقدسة لدى الشيعة، ولا علاقة لها بما استلب من العراق، باعتباره جزءا من الإقليم السني.

بالنسبة إلى الضحايا كان هناك أمل في أن تكون الحرب على داعش سبيلا لتحريرهم ونجاتهم من المصير الذي ينتظرهم في ظـل استمرار داعـش في التحكم بمصائرهم، غير أن ما انتهوا إليه صار يؤكد أن ضرب داعش بالنسبة إلى التحالـف الـدولي شيء وحمايتهم شيء آخر. وهكذا فإن الناجين من داعـش حتى اليوم ينتظرون مصيرهم في ظل قصف صار أشبه بالألعاب النارية التي تضيء مسرح الجريمة.


كاتب عراقي

8