الناخب وحمار بريدان

الخميس 2017/05/25

من شروط الديمقراطية أن يختار المرء من يمثله، ولكن ما الحيلة إذا ألفى نفسه أمام خيارين لا يلبّيان قناعاته؟ هل يختار أخفّ الضررين، أم يصعّر خدّه لكليهما، مع ما قد ينجرّ عن ذلك من تقدم الضرر الأكبر وبسط هيمنته على البلاد؟

هذه الوضعية أثيرت في فرنسا خلال الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، الذي صعد إليه كلّ من ماكرون زعيم حركةٍ تحاول أن توحدّ كل ألوان الطيف السياسي تحت شعار التقدم، ومارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية. وبعكس ما جرى عام 2002 عندما التفّ الديمقراطيون جميعا حول مرشح اليمين جاك شيراك، ووقفوا وقفة رجل واحد ضد لوبان الأب دفاعا عن قيم الجمهورية، تلكأ اليمين واليسار هذه المرة لنصرة ماكرون ضد زعيمة اليمين المتطرف، بدعوى أنه ممثل المال ورجال الأعمال، واختار جانب كبير منهم إما الامتناع عن التصويت، أو التصويت بورقة بيضاء احتجاجا على مرشَّحيْن لا يمثلانهم، لأنهم ينظرون إلى الانتخاب كانخراط في محتوى، وليس وسيلة أو قوة لتغليب شقّ على آخر.

وأمام المظاهرات التي خرجت تندد بالطرفين، وترفع شعار “لا للعَرْف، لا للوطن”، تساءل بعض المفكرين، هل يصح، في خيارٍ ذي حدّين، أن نرفض هذا وذاك؟ وبيّنوا أن لا وجود لسبيل ثالثة، في فضاء يكون فيه الخيار بين أمرين، وبالتالي يستحيل أن نمتنع عن التصويت، لأن عدم اختيار هذا الطرف معناه تفضيل الطرف المقابل، ولو بشكل غير مباشر.

أي أن الحياد في واقع الحال، نظرا لعواقبه الجسيمة غير ممكن. وإذا كان بعضهم قد شبه الناخب بحمار بريدان، تلك الخرافة الشهيرة التي رواها فيلسوف سكولاستيكي من العصر الوسيط يدعى بريدان، عن حمار ترك نفسه يموت جوعا، لأنه لم يستطع أن يختار بين سلة شوفان ودلو ماء كانا على نفس المسافة حيث هو، فإن آخرين قدروا أن الانتخاب لا يمكن أن يظل معلقا بلا نهاية، لأن الحمار يمكن أن يموت جوعا أو عطشا جراء عدم اختياره، ولكن بعد فترة قد تطول وقد تقصر، فيما الناخب مطالب بالاختيار في وقت محدد، وفي فضاء ليس له وحده، بل تشغله إرادات وحريات أخرى، قد تحسم الأمر في الاتجاه الذي قد يعود على المجموعة الوطنية بالوبال.

تقول الفيلسوفة سيسيليا بونيون كوس “قد يحافظ الممتنعون عن التصويت وأنصار الورقة البيضاء على نظافة أيديهم لكونهم لم يساهموا إيجابيا في انتخاب أخف الضررين، ولكن لو يصادف أن يمر شرّهما، فلن يكون لهم يدٌ إطلاقا”.

كاتب تونسي

15