"النار بالنار" تنصف الفارين من جحيم الحروب

“النار بالنار” مسرحية تسرد هجرة رجل وابنته الرضيعة، من القارة السمراء إلى القارة البيضاء، حيث ديمقراطية يهيمن عليها قانون السوق، في زمن التراجع المريع للثقافة، وهي أيضا صيحة حبّ يوجهها والد نحو طفلته، بين جيلين وبلدين، وواقعين متناقضين. ذاك هو ملخص عرض شائق يتواصل عرضه على خشبة مسرح بلفيل بباريس حتى الأسبوع الأول من شهر يوليو المقبل.
الاثنين 2017/05/22
سرد لواقعين متناقضين

“النار بالنار” عنوان رواية للفرنسية كارول زالبيرغ، استوحتها من حادثة حقيقية، حريق نشب في إحدى الضواحي الباريسية عام 2005 عندما أضرم أحدهم النار في صناديق البريد بردهة عمارة، وكذلك من مشاهد المهاجرين الأفارقة على جزيرة لمبيدوزا الإيطالية، وخصوصا صورة طفل يحمله الموج جنب أبيه.

وانطلاقا من تلك الرواية، أعدّ المخرج جيراردو مافاي بالتعاون مع المؤلفة مسرحية مكثفة، ذات حبكة درامية قوية، وأداء مميز للممثلة فاطمة صوالحية مانيه. مسرحية بطلها أب يروي حكاية هجرته، بعد أن نجا من حريق في قريته مع طفلته الرضيعة، يرويها بعد صمت دام خمسة عشر عاما، قطعه يوم اتهمت ابنته بحريق إجرامي في الحي الذي يقطنانه.

والنص ينقل شهادة أب ينساب خطابه على وتيرة سريعة كأن دافعا من أعماقه يحثه على تدارك الصمت الذي ربّى فيه ابنته، في موازاة ذلك يندّ صوت البنت، وقد غدت مراهقة، لكي تروي ما الذي دفعها إلى ارتكاب تلك الحادثة المأساوية.

تتكلم البنت بلغة الضواحي الباريسية، لغة ذات بنية وقاموس ينتهكان السائد، فتتجلى المفارقة بين أسلوبي تعبير، كدليل على الهوة العميقة التي تفصل جيلين، جيل الأب وجيل البنت، وإشارة إلى أسباب صعوبة تواصل أداما مع أبيها، والصعوبة التي يلقاها هو في نقل ماض أليم.

في قرية أفريقية مشتعلة، رجل يتماوت وسط عدد من القتلى لعله ينجو من موت محتوم، عندما هبط الليل، وفيما كان مرتكبو المجزرة ينصرفون في سيارات رباعية الدفع، نهض الرجل يقاوم ألمه وخوفه يتحسس الجثث المشوهة في الظلام بحثا عن زوجته، ولما عثر عليها بعد لأي، كانت قد فارقت الحياة وهي مسجاة فوق طفلتها الرضيع كأنها كانت تريد أن تذود عنها الأسلحة والنيران. سحبها من تحتها وهو يحسبها ميتة، فإذا هي تطلق صرخة فزع مفاجئة، حملها بين ذراعيه وفرّ، فتبدأ عندئذ متاهة طويلة سوف تقودهما إلى مكان لم يحلم به الأب إطلاقا، خلافا لكثيرين غيره، أوروبا.

مسرحية بطلها أب يروي حكاية هجرته، بعد أن نجا من حريق في قريته مع طفلته الرضيعة، يرويها بعد صمت دام خمسة عشر عاما، قطعه يوم اتهمت ابنته بحريق إجرامي في الحي الذي يقطنانه

وفي اليوم الذي تلا الحريق المأساوي، الذي أشعلته ابنته مع صديقتيها لأسباب واهية، يتوجه الأب المصدوم إلى المراهقة التي تنام في السجن، ليسرد عليها حكاية أسرتها، وبذلك نعرف مسارهما الذي صادفتهما أثناءه عقبات ومتاعب، وتهديدات ومخاطر، إلى جانب لقاءات سعيدة وأعمال خير جليلة، حتى وصولهما إلى تلك الضاحية الباريسية، والروتين اليومي الذي خلق على مرّ الأعوام هوة بين إرادة البقاء لدى الأب، وشعوره بالعرفان بجميل أرض آوته وأكرمته، وبين الفراغ وغياب الغاية التي يعاني منها شباب لا يوعدون بغير البطالة وسط سجن فسيح تحده ألواح الخرسانة، ما يضطرهم إلى ابتكار نمط عيشهم، وألبستهم، وأغانيهم وحتى لغتهم، وفي أسوأ الحالات ينساقون إلى الكحول والمخدرات والتجارة الموازية وما تنطوي عليه من عنف وتصادم مع رجال الأمن.

في نهاية تلك الليلة التي كان فيها صوت الأب يحمل أيضا صوت البنت، يكتشفان ما في حياتهما من أشياء ثمينة، ولكن كان الأوان قد فات، ولم يعد بالإمكان تمرير أي قيمة إلا بانبعاثها في أشكال أخرى. وكأن الكاتبة توحي بأن الرأسمالية، من منظور أنثروبولوجي في سعيها لخلق ثقافة جديدة، تشترط بشرا لا علاقة لهم بماضيهم، كي يعيشوا فقط للاستهلاك والمتعة، ولا تتورع عن استغلال حتى من هم في أمس الحاجة إلى العون.

اختار المخرج جيراردو مافاي أن يدرج هذه المسرحية ضمن ثلاثيته عن الاستهلاك، تلك التي تضع موضع مساءلة “الميكانيزمات العبثية لمنظومة طفيلية استحوذت على حيواتنا”، مثلما يدرج حكاية أداما وأبيها ضمن ظرف اجتماعي اقتصادي رأسمالي يحوّل الفرد الذي يعاني الوحدة والاجتثاث من تربته إلى مستهلك مثالي ويد عاملة زهيدة الأجر، ويرى في الحريق الذي أضرمته أداما قطيعة ضرورية، ومقاومة لمنظومة “السياسيين الفاسدين، والصحف المحكومة بعالم المال وقانون الطوارئ”.

ويقول مافاي “كل يوم، تشهد أوروبا قدوم جحافل من البشر الفارين من فظائع الحرب، حرب تغذيها صراعات مافيوزية تخدم مصالح الشركات المتعددة الجنسيات من أجل غاية وحيدة هي تنمية أرباحها، بلا حياء. أولئك الفارون لم يأتوا كلهم إلى أوروبا حبّا فيها، بل جاؤوا أملا في النجاة، ألم يقل الأب: لم أنس أبدا أننا هنا لا لنكون سعداء، بل لأننا هناك ما كنا لنحيا”.

ويواصل المخرج “أداما وأبوها وآلاف غيرهما غادروا بلادهم، وفقدوا كل شيء، ثقافتهم ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ثم صار يطلب منهم الاندماج، في أي شيء؟”، ويتساءل مافاي “في تفاهات ديمقراطياتنا الفاسدة، والقيم الغربية التي لا نرى منها غير تدمير الأميركان لكل ثقافة، وخلق إنسان جديد، قابل لأن يتحول إلى سلعة؟”.

16