النار تلتهم صروح الثقافة في القاهرة وتخفي الأدلة

العاملون في الحقل الثقافي يشككون في اتهام التيار الكهربائي دون أن تكون وراءه أياد بشرية معادية للثقافة، ودور المسارح والأوبرا لم تسلم من اللهيب.
الخميس 2018/08/16
معلم تاريخي يصاب بالأذى

القاهرة – استيقظ المصريون فجر 8 أغسطس الجاري على نبأ احتراق دار سينما "ريفولي"، وسط العاصمة القاهرة، وهي إحدى أعرق وأقدم دور العرض السينمائي في مصر، لتلقى مصير العشرات من الدور والمسارح التي دمرها الهدم والإهمال.

ورغم أن سينما ريفولي التي أنشئت عام 1950، مدرجة في قائمة التراث المعماري المتميز بمصر وتتمتع بحماية ضد الهدم، إلا أن ذلك لم يحمها من حريق نشب الأسبوع الماضي والتهمها.

دار سينما ريفولي هي أحد معالم القاهرة، وشهدت حفلات غنائية كثيرة، بفضل اتساع مسرحها الضخم وأناقته المعمارية.

ومن هذه الحفلات، ليال غنائية للمطربة الشهيرة أم كلثوم (1898 - 1975)، وحضر إحداها الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر (1956-1970).

التحقيقات في حريق ريفولي أفادت بأن الحريق بسبب تماس كهربائي التهم صالة العرض، وأتت النيران على بعض أعمال تطوير وإنشاءات كانت تجرى بها، وقدرت الخسائر الأولية بنحو مليون جنيه (56 ألف دولار).

ريفولي هي جزء من صميم ثقافة المصريين ومعلم رئيسي من معالم القاهرة منذ القرن الماضي

ويشكك بعض العاملين في الحقل الثقافي وخاصة منه السينمائي في اتهام التيار الكهربائي دون أن تكون وراءه أياد بشرية معادية للثقافة، والسبب حسب رأيهم أن فترة عيد الأضحى هي موسم انتعاش دور السينما، فهل هي الصدفة التي جعلت التماس الكهربائي يأتي على هذه الدار وفي هذا الوقت بالذات؟

الناقد السينمائي المصري البارز طارق الشناوي قال “إن ريفولي هي جزء من صميم ثقافة المصريين ومعلم رئيسي من معالم القاهرة منذ القرن الماضي، والفن المصري الأصيل الذي عشنا طيلة حياتنا نبحث عن وضعه في إطاره السليم”.

وأضاف الشناوي في تصريحات صحافية، أن صناعة السينما المصرية لا يمكن أن تكتمل في مسارها الطبيعي دون سينما ريفولي تحديدا. وتابع أن القاهرة لا يمكن أن تكتمل ملامح معالمها من دونها، فهي واحدة من أوائل وأهم دور العرض التي وثقت لنا تاريخ الفن المصري الذي عرض عبر
شاشاتها.

وطالب الناقد المصري وزارة الثقافة والمعنيين بسرعة التدخل بكل القوى المادية، وبذل قصارى الجهد لإعادة ترميم السينما واسترجاع الحياة فيها بشكل سريع، مع مطالبته لهم بإعادة تفعيل دور العرض في أقرب وقت ممكن.

ولم تكن سينما ريفولي أولى المنشآت الثقافية المصرية التي التهمتها النيران، سواء بفعل فاعل أو أُسند فيها الاتهام إلى تماس كهربائي أو غيره، إذ سبقتها دور عرض عديدة.

يزورون السينما في العيد
يزورون السينما في العيد

ففي يناير 2018 أخمدت قوات الحماية المدنية حريقا شب في سينما “مترو” وسط القاهرة، ورجح شهود عيان أن سببه تماس كهربائي، طبقا لما نشر في الصحف حينها.

وفي عام 1997 تعرضت سينما “ليدو” وسط العاصمة، لحريق هائل أغلقت على إثره لسنوات طويلة حتى عام 2009، عندما قررت وزارة الثقافة تجديدها وتطويرها.

ومرت سينما “ميامي” وسط القاهرة أيضا، بأكثر من حادث، بداية من حريق 6 مايو 1946 حيث تعرضت لتفجير.

وبعد ست سنوات تعرضت لحريق ثان كبير، ضمن أربعين دار عرض أخرى، منها ريفولي وسينما ديانا ومترو وسينما راديو، أثناء حريق القاهرة يوم 26 يناير 1952. وفي 14 أغسطس 1997 نشب حريق كبير في “الحرية مول” شرقي القاهرة، ما تسبب حتى اليوم في إغلاق “سينما الحرية”، الموجودة في طابق علوي من المركز التجاري.

وولدت هذه السينما باسم سينما فاروق، وافتتحها الملك فاروق (1920-1965) بنفسه. وفي عهد الرئيس عبدالناصر تغير اسمها إلى “سينما الحرية”، ثم بني مكانها “الحرية مول”، الذي شغلت السينما طابقه الأخير. وكانت المرة الأولى في مصر التي يتم فيها إنشاء سينما في طابق علوي من مبنى.

وفي عام 1949، بلغ عدد دور العرض السينمائى في مصر 244 دارا. وفي منتصف الخمسينات وأوائل ستينات القرن الماضي ارتفع العدد إلى 355، حيث أصبح فصيل اجتماعي كبير من أبناء مدن المحافظات وبعض قراها من رواد ومشاهدي السينما.

وواكب ذلك ظهور دور عرض خاصة في مدن وأحياء شعبية عُرفت بسينمات الدرجة الثالثة.

دور السينما دون جمهور
دور السينما دون جمهور

وبدأ انهيار صناعة السينما بمصر في السبعينات، وكان إغلاق الكثير من دور العرض أحد تجلياته، واستمر الانهيار في عصر الرئيس محمد حسني مبارك (1981-2011).  وأظهر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، بعنوان “مصر في أرقام 2014”، وخلال ثلاث سنوات، تراجعا في عدد دور السينما.

التقرير أفاد بأن عدد دور السينما في مصر كان 92 دارا عام 2012، مقارنة بـ100 في عام 2011 و150 دارا في 2008.

ويعني هذا أن مصر فقدت 58 دار عرض سينمائي بين عامي 2008 و2014. ولا يقتصر نشوب الحرائق على دور العرض السينمائي فقط، بل امتد إلى مسارح، حيث شهد سبتمبر 2008 نشوب حريق في القاعة الأولى الكبرى بالمسرح القومي.

وفي 5 سبتمبر 2005، التهم حريق مسرح بني سويف جنوبي مصر، ما أودى بحياة خمسين شخصا، بينهم فنانون ونقاد، خلال عرض مسرحي. أما الحريق الأشهر في مصر فقد نشب يوم 29 أكتوبر 1971، حيث احترقت أول دار أوبرا في القارة الأفريقية، وهي “الأوبرا الخديوية”. وقد افتُتحت هذه الدار في نوفمبر 1869، في منطقة الأزبكية وسط القاهرة، بأوبرا “ريجوليتو”.

وعلى مدى أكثر من قرن، استمرت “الأوبرا الخديوية” التي أنشأها الخديوي إسماعيل (1830-1895)، في تقديم عروضها. وفوجئ المصريون فجر ذلك اليوم باشتعال النيران في بنايتها، واستمر الحريق لست ساعات كاملة إلى أن انهارت البناية.

20