النازحون العراقيون في أربيل ينتظرون رحيل داعش

الأحد 2014/11/16
نازحو العراق يأملون في العودة إلى ديارهم رغم طول الحرب

أربيل- يتوزع العراقيون على عدة مخيمات للنازحين في أربيل، الغالب منها موجود في منطقة عينكاوة، وهي خاصة بالمسيحيين الذين نزحوا عن قراهم المتوزعة على أطراف الموصل، ومحلاتهم داخلها، وهناك أكثر من مخيم يقع خارج أربيل، وأبرزها مخيم “بحركة”، وكان منشأ كمصنع للأسمنت في أطراف المدينة.

تكتظ مخيمات عينكاوة بالمسيحيين النازحين، وكل له رواية في نزوحه، وكل له همومه واحتياجاته، لكن أول اهتمام لهم هو “متى يعودون”، وهذا ما يجتمع فيه النازحون جميعاً، فقد تركوا الغالي والنفيس ونزحوا بأرواحهم وما عليهم من ثياب. سألنا امرأة مسيحية كبيرة في السن، “ماذا ينقصك”، أجابت بلا تردد: “أن أعود إلى بيتي!”، ثم بكت.

انتصار هي امرأة كانت تشرف على الفرقة الموسيقية ببرطلة، رأيناها شاحبة حائرة في وضع ابنتها التي تبلغ من العمر عشرين عاماً ولم تنهض من الفراش، ولم يصعد وزنها إلى أكثر من خمسة عشر كيلوغراما، مصابة بمرض منذ طفولتها، قالت: “خرجت أحملها إلى خارج برطلة بعد أن دخل عناصر داعش. كانت مفاجأة لنا في مغادرة برطلة، بعد أن طرق الباب علينا بعض الأهالي قائلين: “اهربوا فداعش دخلت!”.

الكل يشكو في المعسكرات من نقض الأدوية والخدمات، لكنهم مقتنعون أن حياة النزوح لا تكون أفضل من هذا. هناك خدمات طبية يقدمها أطباء غير مقيمين ومتطوعون، وقد أقيمت خيمة خارج الكنيسة وسط عينكاوة لتكون على شكل مستوصف للمراجعة. خرجت من هذا المستوصف امرأة تناهز الستين عاماً تريد مساعدتها في إيجاد عمل مؤقت لولدها، وآخر كان يحمل غلاف دواء لمرض القلب، وليس ليه ما يشتري به الدواء!
قصص كثيرة يتداولها النازحون، ويعيشون بدوامتها ينتظرون العودة إلى ديارهم. أما الحقيقة الوحيدة أنهم يعيشون نازحين في ظروف مع سوئها تبقى بالنسبة إلى الكثيرين أفضل من الحياة تحت سلطة داعش

لكن مع كل النقص ووحشة النزوح إلا أن المسيحيين، بشكل عام، يبدون منظمين يقفون في الطوابير لاستلام المواد الغذائية، وهي الحصة التموينية التي نُقلت إليهم، بعد أن كانوا يستلمونها في الموصل. كذلك فالكنائس تقوم بمهمتها إذ أنها أفرغت قاعاتها لهؤلاء النازحين، وتقوم لهم ببعض النشاطات التي تعوض لهم ما فقدوه من ألفة المكان في ديارهم.

يقول أحد النازحين وكان مدير مدرسة ابتدائية في الموصل: “لم يبق شيء، لقد خسرنا تاريخنا الطويل في الموصل، كل شيء صار بأيديهم، من المخطوطات إلى اللوحات الفنية، لقد أصبح تاريخ المسيحية في أيديهم. ماذا نفعل بعد العودة، وهل هناك من أمل في العودة؟”. يعمل إبراهيم الآن كأحد المشرفين على المخيم، وعندما سألناه عن النواقص قال: “ما يأتينا نوزعه حالاً، لكن ما يأتينا لا يكاد يسد الاحتياجات. افتتح هذا المخيم في مول جديد غير مكتمل البناء، ووزع وسطه إلى خيام على شكل غرف وعلى عدة طوابق”.

توفّر للنازحين بالتعاون مع منظمة “ناسنا” ومنظمات أُخرى، والتي يعمل فيها متطوعون من العرب والكرد والمسيحيون، قسم خاص بالحالات الحرجة، وفيه يقدم الطعام والرعاية الطبية للمرضى، وما إن تتحسن حالهم حتى يعودا إلى المخيمات كي يفسحوا المجال لغيرهم، تتوفر في هذا القسم عناية وإن كانت لا تضاهي العناية الطبية المفروضة لكنه أنقذ العديد من الحالات، وخفف على المرضى وكبار السن.


مخيم بحركة

"متى يعودون" السؤال الأكثر إلحاحا في نفوس ساكني المخيمات


يبعد عن مركز أربيل بمسافة أكثر من ثلاثين كيلومترا، ويقع وسط البيداء، ويطل من بعيد كبناية غير مكتملة، ولما سألنا عن أصل هذا المكان قيل إنه في الأصل مصنع أو معمل اسمنت، قُسم داخله إلى خيام تتوزع عليها الأُسر النازحة، يقيم في هذا المخيم عراقيون من مختلف الطوائف والأعراق: منهم المسيحيون والكاكائيون والشبك والمسلمون السنة والشيعة.

تحاول إدارة المخيم وهي من أربيل التخفيف عن النازحين، وذلك بإيجاد برامج ترفيه للأطفال، ويحضرها الكبار أيضاً، وافتتح فيه مركز للتدريب على الخياطة وذلك لإشغال النساء والفتيات. لم تحصل صدامات بين الطوائف المختلفة، لكن الملاحظ أن الأطفال أتوا من الموصل معبئين بالكراهية ضد الآخر، فعندما تسأل طفلا من عائلة سنية يبادرك بأن الشيعة يريدون قتلنا، والعكس أيضاً، لكن تجمعهم المدرسة ولحظات الترفيه بلا مشاكل.

كان أحد المقيمين في مخيم “بحركة”، وهو شيخ يناهز السبعين من العمر، يسمع الحديث بالقرب منه، فنهض وقدم نفسه، ولما سألناه عن سبب وجوده هنا وهو ليس ممن يطلبه داعش، على أساس أنه مسلم وسني المذهب، قال: “إنني هربت بأولادي العشرة، وها هم معي، كي لا يجندوا في داعش، وبالتالي يحملون السلاح ويقتلون مواطنينا”، وأضاف قائلاً: “المسيحيون والأزيديون والكاكائيون وغيرهم هم من أهل الموصل الأصلاء، فلم نسمع يوما من الأيام بمسيحي قد أساء ولا وكذلك الأزيدي”.

من أكبر مشاكل مخيم بحركة هو الحمامات والماء، فالحمامات من النوع الجاهز، ويقف عليها النازحون في طابور طويل، مما يفسح المجال للعراك بشكل متواصل عليها. مع أن إدارة المركز، وهم من سكنة أربيل وبإشراف من سلطة الإقليم لم يميزوا بين النازحين على أساس قومياتهم أو أديانهم ومذاهبهم، وقد حصل أن أحد النازحين الكرد قدم نفسه أنه كان من البيشمركة (مقاتل) في الزمن الأسبق، فلا بد أن يكون له امتياز على غيره، وقد رفض طلبه، وعليه أن يعيش كبقية النازحين.

من أبرز مشكلات النازحين هنا هي الأمراض العصبية والنفسية، حتى أن المشرفة الاجتماعية، وهي خريجة جامعة صلاح الدين، ومن أصول موصلية، قالت: “إن حالات الاكتئاب في هذا المخيم لم تعد تلفت الانتباه، وذلك لوجود ما أخطر منها. هناك فتاة لا يتوقف صراخها، إلا بعد أن يهدّها التعب، تحلم بمن يطاردها، وتركض صوب بوابة المخيم كلما لاحظت وجود سيارة متوهمة أنها ستقلها إلى بيتها في الموصل، وهذا الحلم، أيّ حلم العودة، أصبح بمثابة مرض نفسي”.

فتقديم علاجات بسيطة مع وجود باحثة اجتماعية ليس بيدها غير الاستماع للمرضى وتهدئتهم لا يعتبر حلا، فقد لاحظنا وكأن الحالات أخذت تنعكس عليها وذلك لشدة الألم الذي تعانيه منها.

تحاول إدارة المخيم وهي من أربيل التخفيف عن النازحين، وذلك بإيجاد برامج ترفيه للأطفال، ويحضرها الكبار أيضاً

إضافة إلى مؤسسة “ناسنا” هناك مؤسسة “المسلة” ولها مقر داخل أربيل، وهناك مؤسسات أخرى تنتظر تبرعات الأفراد والجماعات، وهي قليلة جداً قياساً بالمحنة، لكن الجميع يتحدث عن تقصير حكومي من المركز، فالذين كانوا موظفين في الموصل لم يتسلموا رواتبهم، ولم يعتقوا من الروتين، فإحدى المنتسبات للجيش العراقي قُطع عنها الراتب، وطلبوا منها أن تأتي إلى بغداد كي تُنجز معاملتها، على أنها غائبة عن الدوام، وهذا مثال بسيط على العديد من الحالات.


كيف دخلت داعش


للنازحين روايات في كيفية دخول داعش إلى الموصل والمناطق المحيطة بها، وهم يحرصون أن لا يصرحوا بأسمائهم، لأنهم يعيشون حالة المطاردة من قِبل داعش، يتفقون على أن أرتالا من السيارات دخلت منتظمة من جهة سوريا وتركيا، إضافة إلى انسحاب مفاجئ للجيش العراقي، مع أن أربعة فرق عسكرية كانت موجودة في الموصل، دخل شباب أغلبهم غير عراقيين، ووجوه أفغانية وباكستانية، كانوا يذيعون بياناتهم جهراً من مكبرات الصوت، وبالسرعة أخذوا يجندون شبابا من أهل الموصل، والبعض هرب لأنه لا يريد أن يجند مع غرباء ضد العراقيين.

لم يصدق نازح من النازحين رواية انتصارات داعش على الموصل بلا دعم دولة من الدول، ومنهم من سمع أن نوري المالكي أراد أن يمنع ترشيح غيره لرئاسة الوزراء، وذلك بإعلان حالة الطوارئ لكنه لم ينجح. قصص كثيرة يتداولها النازحون، ويعيشون بدوامتها، ينتظرون العودة إلى ديارهم. أما الحقيقة أنهم يعيشون نازحين في ظروف مع سوئها تبقى بالنسبة إلى الكثيرين أفضل من الحياة تحت سلطة داعش.


اقرأ أيضا


شتاء قاس يواجه أطفال سوريا والعراق

4