النازحون في اليمن يتدحرجون من مخيم إلى آخر

التصعيد العسكري في مأرب يدفع بسكان المدينة للفرار إلى المناطق المجاورة لكن هجمات الحوثيين التي تباغتهم أينما ذهبوا تجعلهم يبحثون عن مأوى جديد.
الخميس 2021/02/25
يعيشون رحّلا وهم أبناء البلد

الحرب يشعل فتيلها الكبار ويدفع ثمنها الأبرياء، فتسرق منهم شقاء أعمارهم وتشرّدهم من ديارهم التي ألفوا العيش فيها. أما الأطفال فيحرمون من التعلّم واللعب والدواء، وفي اليمن، كما في الدول التي تعيش حروبا، يتشرد الناس بحثا عن مستقر لهم دون أن يجدوه.

مأرب (اليمن)- وجد اليمني محفوظ عبده أحمد نفسه مضطرا مرة أخرى إلى خوض تجربة النزوح المريرة مع عائلته والفرار من مخيم قرب مدينة مأرب بعد وصول الاشتباكات إلى المنطقة وتقدم المتمردين الحوثيين نحو آخر معاقل الحكومة في الشمال.

ومنذ عام ونيّف يحاول الحوثيون المدعومون من إيران السيطرة على محافظة مأرب الغنية بالنفط بهدف وضع أيديهم على كامل الشمال اليمني.

وللمرة الثانية خلال خمسة أعوام وجدت أسرة أحمد -كغيرها من مئات العائلات النازحة- نفسها مضطرة إلى الفرار من مخيم الزور في صرواح على بعد 30 كلم من مدينة مأرب. فقامت بجمع حاجياتها البسيطة وفرت إلى مخيم في منطقة جو النسيم التي تبعد ثلاثة كليومترات عن مأرب شمال غرب المدينة.

ولم يكتف الحوثيون بتفجير المعارك الطاحنة في أكبر موطن للنازحين في اليمن، لكنهم تعمدوا قصف المخيمات وترويع المشردين خصوصا ليلاً ضمن سياسة ممنهجة ترمي في المقام الأول إلى إجبار النازحين على الهرب نحو مدينة مأرب والبلدات اليمنية الداخلية جنوبا الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليّا.

ليست هنا المأساة، حيث تكون صرخات الأطفال والنساء أعلى من انفجارات القذائف والصواريخ؛ ذلك أن الأكثر مرارة هو أن الكثير من هؤلاء النازحين يرتحلون عدّة مرات  قسرا، فكلّما اعتقدوا أنهم وصلوا إلى المأوى الأخير باغتهم الحوثيون ليشدوا الرحال مجددا.

وكانت أسرة أحمد نزحت عن منزلها في 2016 من تعز في جنوب شرق اليمن واستقرت في مخيم الزور قبل أن تضطر الأسبوع الماضي إلى مغادرته.

الكثير من النازحين يرتحلون عدّة مرات  قسرا
الكثير من النازحين يرتحلون عدّة مرات  قسرا

ويقول محفوظ أحمد الذي جلس داخل خيمة يتشاركها مع عشرة أشخاص آخرين “كنا نحو 600 أسرة تعيش في مخيم الزور، والآن تشتتت” هذه العائلات. ويضيف “البعض اختار السكن مع أقرباء له. وهناك ثلاث إلى أربع أسر تسكن في خيمة واحدة، وأحيانا تجد سبع عائلات تسكن في خيمة واحدة. الوضع لا يعلم به إلا الله”.

أما بالنسبة إلى زوجته حورية فإن الوضع لا يطاق؛ تقول “نحن نعيش في خيمة واحدة، الحمام داخل الخيمة والمطبخ أيضا. نحن عشرة أفراد ننام في هذه الخيمة. أسرتان في خيمة واحدة”.

وتشكو حورية من أن أطفالها لا يستطيعون التعلم، موضحة “تركوا المدرسة. كنا بخير في السابق وكانوا يدرسون ولكن الآن تركوها. لم نجد المدارس ولا المدرسين ولا نعلم كيف نتصرف من أجل مصلحتهم”.

وبقيت مدينة مأرب -الواقعة على بعد حوالي 120 كيلومترا شرق العاصمة صنعاء حيث يفرض المتمردون سيطرتهم منذ 2014- في منأى عن الحرب في بدايتها، لكن منذ عام تقريبا اقتربت منها المعارك، لاسيما خلال الأسبوعين الأخيرين.

ولطالما اعتُبرت مدينة مأرب بمثابة ملجأ للكثير من النازحين الذين فروا هربا من المعارك أو أملوا في بداية حياة جديدة في مدينة ظلّت مستقرة لسنوات، لكنهم أصبحوا الآن في مرمى النيران.

وتضم محافظة مأرب -وعاصمتها المدينة التي تحمل الاسم ذاته- 140 مخيما للنازحين، وقال سكان محليون إنهم اضطروا إلى فتح منازلهم وتشاركوا السكن مع النازحين الذين وصلوا إلى مدينة مأرب ولم يجدوا متسعًا في المخيمات.

أطفال بلا مدارس
أطفال بلا مدارس

وأعربت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي عن قلقها من تعريض الملايين من المدنيين للخطر جراء التصعيد العسكري في مأرب. وقال مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث لمجلس الأمن الدولي إن هجوم المتمردين “يجب أن يتوقف”، وحذّر من “كارثة إنسانية” وتعريض “الملايين من المدنيين للخطر، خصوصا بالتزامن مع وصول الاقتتال إلى مخيمات النازحين”.

ويشهد اليمن -بعد ست سنوات من الاقتتال على السلطة في نزاع حصد أرواح الآلاف من الناس- انهيارا في قطاعات الصحة والاقتصاد والتعليم وغيرها، فيما يعيش أكثر من 3.3 مليون نازح في مدارس ومخيمات تتفشى فيها الأمراض كالكوليرا بفعل شح المياه النظيفة.

وفي مخيم جو النسيم بدأت الأسر التي قدمت مؤخرا بالاستقرار، ولكنها تخشى أن يطول الاقتتال ويتوسع. ويفتقر الموقع إلى أبسط الحاجيات الأساسية، بحسب النازحين ومنظمات إنسانية.

وقال وحيش (38 عاما) -وهو طبيب وأب لخمسة أطفال- لصحيفة واشنطن بوست “كنت أسمع صراخ وبكاء أطفال جيراني، بينما حاولت أنا وزوجتي تهدئة أطفالنا، أدركنا أننا لم نعد آمنين مرة أخرى”. وأضاف “وهكذا مع اقتراب أصوات الاقتتال هربنا حفاظًا على حياتنا”.

سكان مأرب اضطروا إلى فتح منازلهم وتشاركوا السكن مع النازحين الذين لم يجدوا متسعا في المخيمات

وذكر وحيش أنهم فروا من مخيم “الزورد” إثر سقوط القنابل بالملابس فقط على ظهورهم. وقال إن الكثير من العائلات تنام الآن في الخيام أو في العراء.

وكانت عائلة وحيش محظوظة بالبقاء في منزل أحد الأصدقاء مؤقتًا. لكن العثور على ملجئهم التالي قد يكون صعبًا؛ فلديهم القليل من المال، ويسيطر الحوثيون على مناطق غرب مأرب، وفي الشرق صحراء شاسعة يندر فيها الماء، والعودة إلى ذمار قد تعني الموت.

وقالت المتحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة أوليفيا هيدون “الوضع سيء ومعظم الأسر بحاجة ماسة إلى المأوى والمواد غير الغذائية والمياه والصرف الصحي والمساعدات الصحية والغذائية”. وبحسب هيدون نزحت 1048 عائلة من منطقة صرواح وحدها منذ الثامن من فبراير الماضي.

والفرار ليس أمرا جديدا على علي التهامي الذي يعتبر أن حياته صعبة جدا. ونزح التهامي في البداية من الحديدة غرب اليمن ثم إلى محافظة ذمار وسط البلاد قبل النزوح إلى مأرب.

ويقول “واجهنا معيشة صعبة ثم نزحنا إلى صرواح، ولكن أتتنا مشاكل الحرب، بعد ذلك نزحنا إلى مأرب. نحن مستاؤون من الوضع” في بلد يشهد أسوأ أزمة إنسانية على مستوى العالم ويواجه الملايين من سكانه خطر المجاعة. ويضيف بحسرة “فاعل خير تبرع لنا بالخيمة. أولادي مرضوا من شدة البرد، لا نملك البطانيات ولا خزّانات مياه، حتى الحمامات غير متاحة لنا”.

20