الناس من خلف زجاج السلطة

أنا لا أعتب على السلطة أو ألومها حين تكون منتخبة وبإرادة هؤلاء الذين يخرجون عليها اليوم ويتظاهرون لكني أسالهم: هل تكفي بطانية أو "صوبة" أو بضع دولارات بعتم بها أصواتكم النفيسة لأشخاص لا تعرفونهم ولم تتعرفوا على مشاريعهم أو تختبروا نواياهم.
الخميس 2018/08/16
من خلف زجاج أبيض أو ملون ترى السلطة الناس يصرخون من الألم والعوز

يتظاهر الناس، يتقافزون في الشوارع يصرخون، ينددون يشتمون، يلعنون السياسيين والقادة التاريخيين والهامشيين،  يطالبون بتوفير الماء والكهرباء والغذاء والكرامة، ولا يهمهم كثيرا الخضراء والوجه الحسن، كما يفعل السياسيون، وهم يعدون أرصدتهم في البيوت والبنوك وتحت الأسرة والخزانات الحديدية، وفوق السطوح الشاهقة التي لا تصلها الحجارة، غير مصدقين ما يملكون، والناس يصرخون من قرون عاش الرئيس ويسقط الباشا، ويخطّون لافتات وشعارات لو ربطت مع بعضها لغطت الكرة الأرضية مرات ومرات.

وماهي إلا لحظات حتى تظهر سيارات دفع الماء الحار جدا والبارد جدا وخراطيم المياه التي تندفع بقوة الهيدروليك التي اشترتها السلطة من أموال الشعب لتوقف الشغب، معادلة لن تتوقف منذ الثورة الفرنسية والروسية والمصرية والعراقية والمغربية والتونسية، حتى آخر متظاهر في جزر الواق واق.

لقد دأبت الشعوب الصراخ وتعلمت السلطة النظر من خلف زجاج يقاوم الحجارة ثم الرصاص ثم القنابل، لتظل السلطة تلعب مع الناس لعبة القط والفأر الذي لم يتعلم منذ فجر البشرية لماذا يصطاد بقطعة جبن يحاول أن يسرقها وتقفل عليه أبواب المصيدة ويمسك ليودع السجون ويحاكم مثلما يريد صانع المصيدة.

من خلف الزجاج السميك والعازل تتفرج السلطة على المتظاهرين دون سماع شعاراتهم، لكنها احترفت أن تعاين أداء الدرك وهو ينهال على المتظاهرين بهراوات أو تضطر لتضربهم بالرصاص المطاطي أو الحي لتقّيم مستوى التدريبات التي صنعت مهاراتهم، والناس يصرخون عاش فلان ومات فلان، ويسحبون ضحاياهم لتضميد جراحهم في آخر اليوم.

إنه تاريخ العالم تلك الحكاية بين شد الشعب حينا وارتخاء السلطة حينا وعكسها أحيانا التي قال عنها الخليفة معاوية بن أبي سفيان “بيني وبين الناس شعرة، إن أرخوا شددت وإن شدوا أرخيت”، إنه مؤسس علم السياسة بلا منازع في نظرية التعامل مع الناس، والمرونة في قيادتهم قبل ميكافيلي بقرون.

من خلف زجاج أبيض أو ملون ترى السلطة الناس يتقافزون من الحر والقر بل الكر والفر، ويصرخون من الألم والعوز والحاجة الملحة إلى ضرورات العيش الأساسية التي توفرها أنظمة أخرى طوعا.

أنا لا أعتب على السلطة أو ألومها حين تكون منتخبة وبإرادة هؤلاء الذين يخرجون عليها اليوم ويتظاهرون لكني أسالهم: هل تكفي بطانية أو “صوبة” أو بضع دولارات بعتم بها أصواتكم النفيسة لأشخاص لا تعرفونهم ولم تتعرفوا على مشاريعهم أو تختبروا نواياهم، ولم تدركوا أن السلطة قد ترفعكم إلى الأعلى أو تسقطكم إلى الحضيض، رغم مئة عام من تعاملكم معها؟

24