الناشطة فاطمة بن براهم لـ"العرب": برلمانيات الجزائر لا يمثلن نساء بلادي

الأحد 2015/02/15
حضور المرأة الملحوظ في البرلمان يعيده نشطاء إلى رغبة السلطة في تلميع صورتها

الجزائر - رسمت المكتسبات التي حققتها المرأة الجزائرية في مجال الحقوق السياسية صورة فارقة مقارنة بالكثير من النساء في العالمين العربي والإسلامي، لكن التمثيلية الأنثوية في المجالس المنتخبة والهيئات الحكومية، باتت تثير عدة استفهامات في ظل الانتقادات الواسعة التي تطال هؤلاء كونهن نخبة صنعتها الظروف، ولسن هن اللائي يصنعن الظروف في المشهد السياسي الجزائري.

انتقدت المحامية والناشطة فاطمة الزهراء بن براهم النساء البرلمانيات بشدة، واعتبرتهن نتاج تراجع رهيب لأخلاقيات الممارسة السياسية، وليس نتاج قناعات ومشاريع مجتمعية تناضل لأجلها في البرلمان، وتقنن على أساسها التشريعات والنصوص التي يدار بها المجتمع، وعليه فإن الظاهرة تبقى شكلية لإرساء ديمقراطية الواجهة، ولا علاقة لها بتمثيل المرأة الجزائرية أو المرافعة لصالح اهتماماتها وانشغالاتها.

وذهبت بن براهم في تصريحها لـ “العرب” إلى حد البراءة من ثلث تعداد البرلمان الجزائري، بما أن أحد تعديلات دستور العام 2008 هو تخصيص ثلث المجالس المنتخبة للنساء في إطار مساعي السلطة لترقية المرأة الجزائية. وقالت بصريح العبارة “برلمان الحلاقات لا يمثلني ولا يمثل الشعب الجزائري”.

وأطلق سياسيون وإعلاميون وصف “برلمان الحلاقات”، على التركيبة النيابية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية التي جرت في العام 2012، أين وجدت الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة آنذاك، نفسها مضطرة للتعامل مع وضع جديد فرضته المادة 31 مكرر من الدستور التي تلزم الطبقة السياسية بترشيح ثلث القائمات من النساء، مما اضطر بعضها للاستعانة بأي أنثى دون الأخذ بعين الاعتبار الكفاءات السياسية والمهنية والتعليمية للتكيف مع القانون، فكان أن أفرزت نتائج تلك الانتخابات تتويج نسوة من فئات اجتماعية لا اهتمام ولا علاقة لها لا بالسياسة ولا بالبرلمان ولا بالأحزاب، وكان من بينهن من كن يشتغلن كحلاقات، وهو سبب إطلاق وصف “برلمان الحلاقات” على البرلمان الحالي الذي تنتهي عهدته في العام 2017.

بالرغم من ترسانة القوانين ومغريات المكتسبات المحققة، فإن تحفظا مجتمعيا كبيرا يسري على مشاركة المرأة في السياسة

وقالت الناشطة والمحامية بن براهم في حديثها لـ ‘العرب’ “من غير المعقول أن تُشرّع القوانين والنصوص لنساء جزائريات من طراز الراحلة آسيا جبار أو زهور ونيسي أو المتحدثة بن براهم من طرف حلاقات لا يعرفن إلا المشط ومجفف الشعر”، في إشارة للفئة النسوية التي صنعت منها ظروف الانتخابات التشريعية الأخيرة برلمانيات يمتهن التشريع والرقابة ويحظين بالمزايا والراتب المحترم.

وأرجعت المتحدثة أسباب ومسؤولية النكسة السياسية والحقوقية التي أساءت للمرأة الجزائرية وللهيئة التشريعية في البلاد، إلى الطبقة السياسية والتركيبة البنوية والفكرية للأحزاب السياسية التي تمتهن ممارسات انتهازية بعيدة عن القناعات والأفكار والحس النضالي، فبدل التفرغ لاستقطاب وتكوين المرأة دخلت في صراع مع الزمن من أجل قائماتها الانتخابية وتفادي الغياب عن الموعد، وهو الأمر الذي دفعها للاكتفاء بما حازت عليه هنا وهناك، من شارع ومحلات الحلاقة ... وغيرها، دون أن تفكر في العواقب الوخيمة لمثل هكذا سلوك سياسي، أو تداعياته على مؤسسات الدولة والمشهد السياسي بشكل عام.

وأسرت لـ “العرب” أنها تشتغل على دفع السلطة لإصدار قانون يجرم التعسف الرجولي في الممارسات السياسية، في إشارة الهيمنة الذكورية على مفاصل الأداء السياسي الذي يتعامل مع المرأة كأنثى تفرضها القوانين في الفعاليات السياسية والمدنية، وليس كشريك له نفس الحقوق والواجبات، والطموحات والانشغالات.

فاطمة الزهراء بن براهم: "الانتهازية وتحين الفرص دفعا المرأة الجزائرية للتراجع في المشهد السياسي للبلاد، بالرغم من خطاب السلطة والبهرجة الإعلامية والشعارات الرنانة"

وتمكنت المرأة الجزائرية على مر العقود الماضية من تحقيق مكتسبات كثيرة جعلتها في الطليعة العربية رفقة عدد محدود جدا من الدول الرائدة في هذا المجال، مما سمح لها تبوؤ مواقع مهمة في المجتمع، سيما مع توقيع السلطات لكل التشريعات والنصوص الدولية، وتعزيزها المطرد بقوانين محلية، مكنها من اعتلاء المشهد العام، فتفوقت على الرجل في النجاح في شهادة البكالوريا بحسب إحصائيات السنوات الأخيرة، وتشكل ثلثي الدارسين في الجامعة، وتحتل حوالي 40 بالمئة في سلك القضاء منذ ست سنوات، وحوالي 60 بالمئة في قطاعات التعليم والصحة والإعلام. إلى جانب تواجدها في مختلف الدوائر والمؤسسات الرسمية، بما فيها العسكرية والأمنية وحتى في المهن التي كانت حكرا على الرجل.

لكن تبقى الأرقام بعيدة عن الواقع إذا تمت المقارنة بين المدن الكبرى والمحافظات الداخلية والجنوبية، فرغم ترسانة القوانين ومغريات المكتسبات المحققة، فإن تحفظا كبيرا يسري على مشاركة المرأة في السياسة، فالتقاليد لا زالت تحول دون اقتحام هذا الميدان، ولا زال من يحرص على عدم خروج ابنته من البيت، وهناك ممن يمنعون بناتهم من مغادرة البيت حتى للتمدرس.

وتستطرد بن براهم في هذا السياق في تصريحها لـ”العرب” أن الخيارات السياسية للجزائر سمحت للمرأة أن تكون في مراتب جد متقدمة مقارنة مع بعض الدول العربية والإسلامية، فمنذ دستور 1964 الذي تبنى الخيار الاشتراكي، وجدت المرأة الجزائرية نفسها تحقق أولى مكتسباتها، لأن الخيار يساوي بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات عكس بعض الأنظمة السياسية الأخرى.

وأضافت “المرأة الجزائرية دخلت البرلمان منذ العام 1964، وحملت حقائب وزارية ودبلوماسية في أولى حكومات الاستقلال، إلى جانب ولوجها السهل للثورات الثلاث (الزراعية، الثقافية والصناعية)، إضافة إلى انخراطها في تنظيم “الإتحاد الوطني للنساء الجزائريات”، الذي كان فضاء رسميا نمت فيه طموحات وأفكار المرأة الجزائرية، مما مكنها من الهيمنة في السنوات الأخيرة على قطاعات ونشاطات بعينها.

وتابعت المتحدثة “مسار المرأة الجزائرية خاصة في شقه السياسي، أصيب بانتكاسة بعد انتفاضة أكتوبر 1988، التي كن يتوسمن فيها كغيرهن من الجزائريين إرساء الديمقراطية والحريات، إلا أنها قادتهن إلى التراجع الرهيب والانحناء أمام المد الإسلامي الذي قوض نجاحاتها وحد من تطورها، فمنذ انتخابات 1991 التي اكتسحتها الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة، عرفت الجزائر أزمة شاملة سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا دفعت المرأة الجزائرية ثمنها غاليا، خاصة مع “اللاءات” المعروفة للإسلاميين (لا حرية، لا خروج، لا دراسة، لا تعامل مع الآخر، لا عمل.. )، الأمر الذي أدى إلى تسجيلها تراجعا كبيرا في المجتمع″.

وسبق للمادة 13 مكرر في التعديل الدستوري للعام 2008، والقانون العضوي للانتخابات الصادر في العام 2012، أن أثار جدلا كبيرا بين مؤيد ومعارض، فمنهم من رأى وهم التيار الديمقراطي والعلماني، أن هذا المشروع خطوة ضرورية من أجل تكريس مشاركة أقوى وأعلى للنساء في الحياة السياسية، وأكدوا أنه “سيجبر الأحزاب السياسية على احترام قوانين اللعبة “، وبالتالي ضمان الحقوق السياسية للمرأة التي عانت كثيرا من الإقصاء على هذا الميدان، الذي بات تقريبا حكرا على الذكور.
نساء جزائريات يحاولن الذود بقوة عن مكتسباتهن على الرغم من محدوديتها

وقالت بشأنه آنذاك المحامية ومديرة مركز الإعلام والتوثيق لحقوق الطفل والمرأة نادية آيت الزاي، أن “الجزائر بحاجة إلى مجلس شعبي وطني يعكس واقع المجتمع الجزائري المكون من الرجال والنساء، ولا يمكننا مواصلة العمل بمجلس أغلبيته من الرجال”. وشددت على ” إلزام التشكيلات السياسية بأن تعطي فرصة أكبر للسيدات، لتمكين نصف المجتمع من المشاركة في القرار داخل الأحزاب”.

في المقابل يراه آخرون، وهم في العموم من الأحزاب الإسلامية واليسارية وبعض المحسوبين على التيار الوطني، أنه “انتقاص من قدر المرأة الجزائرية، التي أثبتت في مناسبات عدة أنها قادرة على التحدي والمنافسة، لذلك فهي لا تحتاج منة أو هدايا من أحد. وكانت لويزة حنون زعيمة حزب العمال، أول من أبدى رفضه للقانون بناء على ما رأته تجربة فاشلة في بعض النماذج العربية حين اعتمدت نظام الحصص نفسه للمرأة في الهيئات المنتخبة، غير أنها سرعان ما انهارت بسبب غياب الثقافة الحزبية لدى المرأة العربية.

وأكدت حنون حينها أنه ”لا يمكن معالجة مشكلة ترقية التمثيل السياسي للمرأة الجزائرية بطريقة سطحية، وإنما لابد من تشخيص العراقيل والبحث عن الحلول الناجعة، خاصة أن هناك تناقضا في القوانين، لاسيما قانون الأسرة ونصوص الدستور”. أما رئيسة حركة الشبيبة والديمقراطية شلبية محجوبي، فقد اعتبرت نظام الحصص “مجرد ديكور انتخابي، والقانون لا يغير من واقع المرأة التي تعاني إقصاء في الممارسة السياسية، ومن أحكام مسبقة وتحفظ اجتماعي على الممارسة السياسية للمرأة”.

وتقول في هذا الصدد المحامية والناشطة فاطمة الزهراء بن براهم في حديثها مع ‘ العرب ‘ إن “المشكلة لا تكمن في الرافضين للقانون، فالناس أحرار فيما يتبنون من أفكار وتوجهات، وإنما المشكلة تكمن فيما وراء الرفض ومن الخلفيات التي تحكم الممارسة السياسية في الجزائر وتحرك اجتهادات الطبقة السياسية”.

وتضيف”الانتهازية وتحين الفرص هي مقياس المواقف السياسية مع الأسف، ومبادئ القناعات والنضال لم تعد لها قيمة، فأحد أبرز الرافضين للقانون هو عبدالله جاب الله الإسلامي المعروف وصاحب أكبر التجارب في تأسيس الأحزاب السياسية وتركها، رافع بشدة لصالح إسقاط القانون، لكنه رشح زوجته في صفوف جبهة العدالة والتنمية، وهي الآن نائب في البرلمان، فعلى من يضحكون وعلى من يمررون حيلهم؟”

وتخلص المتحدثة إلى أن مثل هذه الممارسات هي التي دفعت المرأة الجزائرية للتراجع في المشهد السياسي للبلاد، بالرغم من خطاب السلطة والبهرجة الإعلامية والشعارات الرنانة، لأن الحاصل الآن هو تمثيل نسوي يفتقد للفعالية والمصداقية، وما نراه هو مجرد حضور أنثوي إلى جانب الرجل في المجالس المنتخبة، لصناعة ديكور وأداء رسالة معينة، وليس تمثيلا حقيقيا للمرأة الجزائرية.

20