الناصرية.. هوية مفقودة لمدينة عراقية غير مقدسة

التحول من مجتمع متنوع إلى مجتمع ينظم علاقاته وفق الانتماء الديني أو الطائفي، عملية عسيرة تحتاج عقودا للتحقق، ويقتضي إرادة سياسية في اقتناص العناصر المتوفرة لإنجاز دمج الديني بالسياسي داخل المجتمع. الناصرية مدينة عراقية تم القضاء على تنوعها وعوقبت لأنها مدينة غير مقدسة.
الأربعاء 2016/04/20
"حاج" عراقي يتجه من الناصرية نحو كربلاء، في تحول يحاكي تحول المدينة من التنوع إلى التديين

من يريد أن يفكك علاقة المدينة بالناس من جهة، وعلاقتها بالسلطة من جهة أخرى، عليه أن يعرف شكل العلاقة التي يقترحها نَمط التفكير من كلا الطرفين حول فكرة المدينة، كمركب حضري ثقافي، قبل أن تكون مجرد مكان أسقطت إحداثياته على جغرافيا ما، ليكون تجمعا سكنيا قائما على علاقة أعمق من انتماءات أولية تسهم عادة في تشكيل التجمعات البشرية البسيطة، كما هو الحال في تجمع أفراد قبيلة ما مع بعضهم في إقليم جغرافي معرف بنوع السكان، ونوع العلاقات الناشئة حوله، تبعا لطبيعة العمل الذي تمتهنه القبيلة أو الصفات القرابية بين عناصرها.

في المُدن يجري تجاوز ذلك التعريف البدائي كشرط لمنح الصفة، ومن ثم القول إن مجتمع ما تحول من صيغة أولية للتعايش إلى صيغة أكثر تعقيدا، الأمر الذي ينتج حياة أكثر تكثيفا من تلك التي تكون في الحدود القبلية.

إن شرط منح صفة مدينة، يقتضي أن يكون التنوع البشري حاضرا، وأن يجري تجاوز شرط العصبية القرابية في منح حق الإقامة والعمل والاستفادة من المكان بوصفهِ متاحا للجميع دون قيد، عكس أرض القبيلة التي عادة ما تكون محصورة على نوع محدد من البشر، يجري تناقلها والاستفادة منها، من جيل إلى آخر بواسطة صلة القرابة فحسب.

في الحديث عن الناصرية، يمكن الجزم بأنها تجاوزت ذلك منذ تأسيسها، حيثُ كان التنوع العرقي الإثني حاضرا في تمصير هذه البقعة، وحاضرا في نشوئها الأول، مع مراعاة ملاحظة دور السلطة القائمة في تحديد شكل السكان الأصليين، الذين سيذوبون في ما بعد بسبب طبيعة المد المجاور لهذه المدينة، حيث شهدت موجات انتقال الريفيين إليها، مضفين عليها طابعا دينيا بالدرجة الأساس، وطابعا ثقافيا أقرب إلى العشائرية منهُ إلى البداوة.

في كتابه “أنثروبولوجيا العراق” يعدد الباحث هنري فيلد عدة قوميات وأديان كانت تسكن الناصرية في العام 1920، اي بعد حوالي أربعة عقود على إحداثها كمدينة، حيث يذكر أن الناصرية كان تعداد سكانها 6.523 نسمة، موزعين بين العرب المسلمين كأغلبية، واللور والفرس والهنود والأتراك واليهود والصابئة والمسيحيين، هذا التنوع في مثل هذه المدينة البسيطة يعكس أن المدينة نشأت بعيدا عن احتكار اللون الواحد، الأمر الذي ستظهر نتائجه من خلال حِراك ثقافي، سياسي، واضح في عقود ما بعد التأسيس وخروج العراق من سباتهِ إبان الاحتلال العثماني.

في المدن تصعب عملية الفرز على أساس ديني قومي إذا كانت السلطة السياسية القائمة لا ترغب بذلك، أو لا نية لها في خلق طيف اجتماعي داخل كانتون ما، وهذا ما سيجعل التنوع ظاهرة واضحة. أما في حالة تبني السلطة السياسية لنظرية قسر وتطييف فإنها ستقضي على التنوع، ولكنها لا تستطيع محو آثاره الثقافية وتمظهراته الاجتماعية.

الخميني وأتباعه أخضعوا المجتمع الأكاديمي الإيراني في خضم عملية الأسلمة في ثمانينات القرن الماضي

ما حدث في الناصرية بعد ذلك كان خليطا من كل هذا. مدينة تتسع سكانيا بسبب استمرار عمليات النزوح إليها من الجوار القبلي، وسلطة سياسية تشجع ذلك بطرق شتى. ففي العهد الملكي كان الإقطاع أحد أسباب الهجرة الدائمة نحو المدينة للتخلص من حياة مؤذية. وفي العهود التي تلت ذلك، كان العامل الاقتصادي هو السبب الرئيس في عمليات الهجرة، بحثا عن العمل والتعليم والرعاية الحكومية التي اقتصرت في مراكز المدن، وأهملت الأطراف. في المقابل لم تشهد المدينة استمرار تدفق المدنيين إليها بسبب ضعف نشاطها التجاري من جهة، وبعدها عن مناطق الاحتكاك الحضري كونها مدينة غير “مقدسة” بالمفهوم الديني، كما أنها ليست مدينة حدودية. هذه العوامل وسمت المدينة بصبغة عشائرية، ولم تعد الناصرية قادرة على هضم التكدس السكاني حسب وظيفة المدينة، التي يجب أن تفكك العلاقات السكانية الأولية بتركيبات أكثر تعقيدا قائمة على نوع العمل، أو العلاقة بالسلطة أو الطبقة الاجتماعية.

أنتجت المدينة في أولى تشكلاتها حياة مدنية، يمكن تلمس معالمها بالرغم من فارق التأسيس، وطول مدة الانكفاء الذاتي الذي شهدته. إلا أن الباحث سيرى أن المدينة كانت تنمو بشكل طبيعي رغم تشوهات هنا وهناك، إلا أنها كانت تتجاوزها بسبب طبيعة السلطة وعلاقتها بالحياة العامة. فلم يجرِ الاعتراف الرسمي بسلطة القبيلة – الجماعة الدينية كسلطة بديلة عن الدولة ومؤسساتها القانونية، إلا في العقد الأخير من القرن الماضي، بل تحولت المدينة إلى خزان بشري هائل لم يجرِ التعامل معه وفقا لقواعد التمدين.

ربما لا يمكن وسم تجربة ما بعد 2003، إلا بوسم عصر صعود الهامش وانبعاثه من بعد فترة انسحاق طويلة بفعل المركزية، وبلوغهِ مرحلة التحول إلى متن مواز أو بديل، للمتن الطبيعي الذي تشكل بفعل عمليات البيروقراطية الحكومية والتعليم الرسمي، والدمج المدني الذي تمارسه سلطات متعددة داخل المدن. في البديل كانت السلطة الناشئة، قائمة على مبدأ “المظلوميات التاريخية” التي كانت ترتسم في مخيال الهامش المنسحق.

في الناصرية، كان الريف الزاحف نحو المدينة، قد أجهز على المدينة، وجرى إخضاع ما تبقى منها بعد 2003 لسلطات عشائرية تعاقبت بفعل التركبية الاحتلالية التي رأت أن تستخدم أقل أنواع السلطات الموجودة لتكوين سلطة جديدة وقتية، هكذا فكرت في البدء قبل أن تستساغ اللعبة لتكون قالبا في البحث عن ولاءات جاهزة، فلمَ تتعب أحزاب الإسلام السياسي وتتحمل كل ذلك العناء، ما دامت قادرة على شراء جمهور جاهز، فقد أباه السياسي والسلطوي، ويبحث عمن يتبناه بأي مقابل بل وبلا مقابل.

ما يحدث في الناصرية يمثل أكثر صور التحول من مجتمع متنوع إلى مجتمع يجري طلاؤه بلون واحد، وفصله عن ماضيه باجتراح ماضِ ملفق عنه، والتنكر لجمالياته بل وتحريمها وإقصائها من الذاكرة الاجتماعية.

13