الناقد أيمن بكر: مع ولادة الكمبيوتر انتهى عصر الأجيال والجماعات الأدبية

الناقد والكاتب المصري يؤكد أن النقد الآن هو نشاط اجتماعي لتوطيد شبكات العلاقات أكثر من كونه نشاطا معرفيا يؤسس لمنظومة أفكار أو يجترح أفكارا جديدة.
الأربعاء 2018/05/16
على الشباب أن يقرأوا أولا

طرح الناقد والكاتب المصري أيمن بكر على صفحته على فيسبوك، قضية أن معظم من يشكون غياب النقد على فيسبوك لا يقرأون ما ينشره النقاد إلا إذا كان عنهم، الأمر الذي أثار نقاشا وتساؤلات كثيرة منها ما يتعلق بالكتاب والنقاد وجمهور المتلقين بينهم أو بين جمهور القراء عامة. وفي هذا الحوار مع “العرب” نناقش الناقد حول أهم القضايا الجدلية المتعلقة بالنقد اليوم.

الكثير من الأسئلة يمكن إثارتها حول النقد العربي اليوم، مثل لماذا لا يقرأ المبدعون أو المثقفون النقد؟ هل السبب في النقد خاصة مع اتساع استخدام المصطلحات وصعوبة التراكيب أم لسبب يخص المبدعين أنفسهم؟ وهل النقد موجه فقط للمبدعين والمثقفين فقط أم أنه موجهه للعامة من القراء؟ وهل هناك نقاد الآن؟ هل ثمة جيل نقدي على الساحة يمكن أن يشار إليه ومقارنته بجيل النقاد الذي تجلى في الستينات وجانب من السبعينات؟ وغيرها من التساؤلات.

نناقش في الحوار مجموعة من هذه الأسئلة مع الناقد أيمن بكر، أستاذ الأدب والنقد في جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا، الذي يرى بداية أن للمشكلة المتعلقة بالنقد العربي أكثر من بعد يدعو إلى التأمل، ويقول “صفحات التواصل خلقت عادات مطالعة سريعة، ولا أقول قراءة، أصبح صدر المطالع ضيقا عن تتبع الأفكار المعقدة، وهي مسألة لا يمكن تعميمها، فربما كان هناك من يحفظ المادة الفكرية لوقت آخر كي يتمكن من تأملها بهدوء بعيدا عن حمى التقافز والتعليق على جمل مبتورة أو حالات تواصل سريعة. لكني لاحظت أن الكثير من الكتاب على وسائل التواصل يشكون من غياب النقد، ثم لا تجد سوى عدد محدود من القراء للمقالات النقدية، كأنما الشكوى ليست من غياب النقد عموما، بل من غياب النقد عن شخص الشاكي دون سواه”.

شباب بلا معارف

السؤال الأخطر: هل يقرأ المبدعون؟ وهنا يشير بكر إلى أنه لاحظ في المؤتمرات التي يحضرها ضعف المحتوى المعرفي لدى الكثير من الكتاب الشباب سواء الشعراء أو الروائيين، مؤكدا أنه “يجب هنا الحذر من التعميم”.

نحن في كارثة حضارية حقيقية حيث تمت شيطنة الدرس الفلسفي، والنقد لا يزدهر بعيدا عن الدرس الفلسفي
 

 ويقول “رأيتهم يملكون آلات نقد حادة لكنها تخلو من الثقل المعرفي، لذلك يوجهها بعضهم نحو بعض بحدة زائدة. الأزمة أبعد منهم، فما تنتجه الثقافة العربية من معرفة أصبح مبعثرا لا يمكن تتبعه بصورة منظمة، وغالبا ما يعتمد المنتج المعرفي الجيد على شخص الناقد أو المفكر بعيدا عن مؤسسات ثقافية واهنة لم تعد قادرة على مسايرة ما يحدث في العالم. المبدع العربي الراغب في صقل عقله والحصول على معرفة جيدة عليه أن يقرأ بلغة أجنبية، خاصة في ظل عشوائية الترجمات وركاكتها، علينا ثانية أن نحذر التعميم. ثم إن الكتاب/ الكاتبات من الشباب، لا يجدون متسعا معرفيا متاحا بسهولة كي يتجاوزوا مرحلة المراهقة الفكرية والإبداعية، لذا ستجد الكثيرين ممن لا يتوافق سنهم مع إدراكهم للعالم ولأنفسهم ولما يكتبون. أما بالنسبة إلى السؤال؛ فغالبا ما يقرأ المبدع النقد المكتوب عنه، لا للتفاعل وإنما للبحث عن دعم نفسي يمكنه من مواجهة الواقع العربي المعادي للإبداع، أو للدخول في صراعات ضيقة، ولهذا لا تكتمل دورة الفعل النقدي المنصب على الأعمال الإبداعية”.

ويؤكد بكر أن النقد لا يزدهر بعيدا عن الدرس الفلسفي، ولعل النقد الأدبي والنقد الثقافي هما من أهم ورثة الفلسفة بمباحثها التقليدية، ولا يحسب بكر أن النقد العربي على علاقة وثيقة بالفلسفة، والأخطر أن الثقافات العربية “باستثناءات فردية” صارت كارهة للفلسفة حتى إن لفظ “التفلسف” يستخدم في العاميات للتعبير عن الضجر وضيق الصدر بالأفكار التي لا يفهمها الشخص “لا تتفلسف علينا/ إنت هتتفلسف علي .. إلخ”.

من هنا نحن في كارثة حضارية حقيقية، حيث تمت شيطنة الدرس الفلسفي في المدارس والجامعات، على الرغم من وجود مواد الفلسفة في الثانوي وفي كليات الآداب، وذلك بسبب تحول النظم التعليمية العربية غالبا إلى مجرد هياكل برمجة للعقلية مفتاحها الحفظ والاستدعاء دون فعل التأمل الذي يقوم عليه الدرس الفلسفي. هنا يمكن اكتشاف خلل عظيم في الممارسات النقدية العربية نتيجة هذه المسافة القاحلة مع الفلسفة، وهو أن استخدام المصطلحات في النقد العربي غالبا يقود إلى التعمية وتضبيب المعنى، وهذا على النقيض تماما من دور المصطلح عموما.

ويضيف بكر “من زاوية القارئ، لم يعد من السهل تحديد الكتب أو الكتاب الأجدر بالعناية والقراءة، فقنوات التوصيل مرتبكة، ولا يحكمها مفهوم الكفاءة غالبا، هناك سياسات تعامل أخرى تحكمها المصالح المتبادلة والمكسب المادي والرغبة في الظهور والتحالف مع السلطة السياسية وغير ذلك من معادلات تدفع بعنصر الإبداع إلى الخلف وتصدر معيار التكرار كمركز للمشروعية المعرفية. القارئ والكاتب كلاهما ضحية لا يمكن إعفاؤهما من المسؤولية، ضحية لانهيار المؤسسات التعليمية غالبا، وغياب معايير التفضيل والانتخاب، وكلاهما مسؤول لأنه في مثل هذه الحالات على كل شخص أن يعمل على تجاوز عتمة المؤسسات بصورة فردية من جانب، وعبر كيانات ثقافية يجب تفعيلها، مثل اتحادات الكتاب، من جانب آخر”.

نشاط اجتماعي

حول فكرة جيل نقدي حاليا يمكن أن يشار إليه كجيل الستينات مثلا، يرى بكر أن “فكرة الجيل تبدو متعارضة مع روح العصر الذي انفجرت فيه المعرفة بصورة غير قابلة للسيطرة وتتسم بالفردية في العمل، المفكر والناقد الآن يميل بصورة تلقائية للعمل منفردا، إذ تتوفر في جهاز كومبيوتر صغير كل مقومات العمل التي كانت تتطلب اجتماع عدد من الأفراد: الكتب والمعلومات التاريخية والقدرة على النقاش في أي لحظة أيا كانت المسافة.. إلخ، حتى في أوروبا لن تجد حلقة براغ أخرى أو مدرسة فرانكفورت ثانية”.

فكرة الجيل تبدو متعارضة مع روح العصر الذي انفجرت فيه المعرفة بصورة غير قابلة للسيطرة وتتسم بالفردية في العمل 

يتابع ضيفنا “الأزمة العربية كبيرة وقد بدأت من الخمسينات، منذ تم تحويل الجامعة إلى كيان داجن لا يعارض صوت الحكام، باسم المعركة مرة، وباسم السلام مرة أخرى، وباسم الدين طوال الوقت. لقد تم تجفيف منابع المعرفة القائمة على الإبداع وكسر المألوف وارتياد آفاق جديدة في الثقافات العربية، فكيف تتوقع أن ينشأ جيل من المفكرين يتمتع بالحرية التي هي لب الفكر الفلسفي والنقدي المبدع؟ إن ما يحدث الآن أفضل كثيرا مما جرى في فترة التحرر الوطني منتصف القرن العشرين، فنحن نشهد انفجارا معرفيا وقدرات مذهلة على توصيل المعلومات سيظهر أثرها بعد عدد من الأجيال، كما أن التضييق السياسي والفكري ظهر أثره بعد خمسين عاما، وكما استمر أثر الفترة الليبرالية التي صاحبت إنشاء الجامعة المصرية حتى الستينات”.

ويوضح بكر أن النقاد موجودون ويقدمون قراءات كثيرة، صحيح أنها لا تتناسب مع كم الإبداع المنفجر في السرد تحديدا، لكن هناك كتابات تسمي نفسها نقدية موجودة، الأزمة أنها كتابات أقرب للتغطية الصحافية منها للكتابة النقدية التي تُعد، كما يقول جوناثان كللر، صيغة من صيغ إنتاج المعرفة. النقد الآن هو نشاط اجتماعي يستخدم اللغة لتوطيد شبكات العلاقات وتسليط الضوء، في أفضل الأحوال، على أعمال إبداعية جيدة، أكثر من كونه نشاطا معرفيا يؤسس لمنظومة أفكار أو يجترح أفكارا جديدة.

15