الناقد الذي رأى كل شيء.. وأخبرنا عنه

الكاتب والمفكر البريطاني كولن ويلسون اعتبر أن إنسان القرن العشرين فقد القدرة على الرؤية، ومعها فقد القدرة على الدهشة.
الخميس 2019/08/15
غليون ماغريت.. عمّق الأسئلة الحارقة

تخيل أن تبدأ يومك بسؤال ساذج مغرق بالبساطة، ورغم ذلك عميق جدا.. هذا أول ما واجهني اليوم عندما نظرت في الموبايل: “بتبص على إيه يا عم فاروق” (تنظر إلى ماذا؟).

العم فاروق، هو الناقد التشكيلي والكاتب العراقي فاروق يوسف، واقفا في قاعة عرض ينظر إلى عمل فني، مؤلف من جزأين متماثلين كل منهما إطار يحيط بفراغ أبيض.

السؤال حتما ساذج وبسيط، جواب فاروق عليه حوّله إلى سؤال إشكالي معرفي: “هذا هو السؤال”، هكذا أجاب على سائله. فعلا، إلى ماذا ننظر عندما نواجه عملا فنيا، أو نقف أمام مشهد في الطبيعة، أو أمام منشأة معمارية.. ننظر إلى ماذا عندما نقف أمام تل من الأوساخ، أو نجتاز الطريق، ونركب وسائل النقل، ونمر أمام واجهات المحال التجارية.. نحن “نبص على إيه يا عم فاروق”.. هذا هو السؤال؟

الكاتب والمفكر البريطاني كولن ويلسون اعتبر أن إنسان القرن العشرين فقد القدرة على الرؤية، ومعها فقد القدرة على الدهشة.

من قال إن مساحة بيضاء مُؤطرة خالية من المعنى، من قال إنها لا تفيض مشاعر وأحاسيس.. وتطرح ليس سؤالا واحدا، بل ألف سؤال وسؤال. تدخل إلى قاعة العرض وأنت مهيّأ لترى، تصدمك مساحات بيضاء، وفراغ، لا شيء على الجدران الكلسية، لا شيء يشغل فضاء القاعات سوى الصمت.

بابلو بيكاسو، الإسباني عاشق الثيران، شغف بمقعد الدراجة ومقودها.. رأى ما لم يره الآخرون، مقدما لنا سلسلة من الأعمال، سماها "رأس الثور"

نقاد وتشكيليون ومفكرون عديدون طرحوا السؤال، نحن ننظر إلى ماذا في العمل الفني.. عندما أضع أمامكم تفاحة، على طاولة بيضاء، وسط قاعة بيضاء، لا نافذة ولا ستائر، لا شيء يعكر البياض سوى لون التفاحة، ما هي رسالتي إليكم..

انظروا التفاحة، أنظروا خطوطها، تفاصيلها، أنظروا درجاتها اللونية، دعوا خبرتكم الذهنية تتحسّس ملمسها، وتشتم رائحتها. شاهدوا التفاحة كما لم تشاهدوها من قبل، امنحوا أنفسكم الفرصة لنسيان أنها فاكهة تؤكل، أنتم أيها السادة في حضرة عمل فني. هو عمل فني يحمل من الصدق، ويثير من الجدل المعرفي، أكثر ممّا تثيره الآلاف من الأعمال الرخيصة المبتذلة، التي تشغلها صالات عرض تجارية، تسرق الأموال من جيوب أثرياء يتجمّلون بمساحيق المعرفة.

توقّف، فاروق يوسف، الناقد التشكيلي الذي رأى كل شيء، كشف قيمة العمل الفنية.. إنه عمل يستحقّ أن يُقتنى. المفاهيميون، ومن قبلهم الفنانون الذين اختاروا لأنفسهم لقبا لا يخلو من العبث والدعابة، هو “دادا”، ليقال إنهم دادائيون، فقأوا أعيننا حتى نتمكن من رؤية كل شيء.

من مبولة ديشامب، إلى مطبخ توماس ديماند، مرورا بغليون ماغريت الشهير، وأعمال جون باليساري، وقدر المحار لمارسيل بروثيارس، تاريخ يمتد من الحرب العالمية الأولى إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، صرخ خلاله فنانون أسطوريون في وجوهنا: انظروا، هكذا يجب أن تروا الأشياء. ليس بوظيفتها الاستعمالية، بل بعمقها التشكيلي الجمالي الفلسفي.

بابلو بيكاسو، الإسباني عاشق الثيران، شغف بمقعد الدراجة ومقودها.. رأى ما لم يره الآخرون، مقدما لنا سلسلة من الأعمال، سماها “رأس الثور”. عندما تقف مستقبلا أمام عمل فني حاول أن ترى كل شيء.. ليس ذوّاقا للفن من لم يستطع أن يرى كل شيء، ويخبرنا عنه.

16