الناقد السعودي سعد البازعي: ننتظر مزيداً من الانفتاح

الناقد السعودي يعتبر أن المثقفين في المملكة شهدوا حراكا مثمرا ضد التشدد الديني، ويحاولون الآن، من خلاله، أن يتداركوا ما فات عبر عقود من القيود والممانعة.
الأحد 2018/10/07
سعد البازعي: الوزارة لم تتواصل حتى الآن مع المشهد الثقافي

يرى الناقد السعودي سعد البازعي أن ثمة اجتهادات في بعض ألوان الإنتاج الثقافي سعت إلى مواكبة التغيرات التي نشهدها الآن في المملكة العربية السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ويشير البازعي إلى أن بعض الباحثين الأكاديميين بشكل خاص، نهضوا بالمواكبة المتأنية المتأملة، فمن طبيعة النتاج الثقافي الجاد بصفة عامة أن يكون متأنيا مستشرفا، لا متعجلاً مكتفيا بالتصفيق، على الرغم من أن كثيراً مما يحدث جدير بالإعجاب والاحتفاء.

ويؤكد البازعي في حديثه مع “العرب” على أن المثقفين في المملكة شهدوا حراكا مثمرا ضد التشدد الديني، ويحاولون الآن، من خلاله، أن يتداركوا ما فات عبر عقود من القيود والممانعة.

يقول البازعي: “من المتعجل القول بأن ما يحدث -بعد الموقف السعودي الرسمي من الخطاب الصحوي- سيكون الشاهد الأخير على قبر الصحوة، ولا أظن الجهات المعنية غافلة عن ذلك، فلكل قوة قوة مضادة، والمعركة ضد التشدد مستمرة. لكن ما أرجوه هو ألا تكون بنفس الحدة، أي ألا يتمكن التشدد المقيت من تشكيل قوة تهدد الحراك الاجتماعي والاقتصادي الذي يعد بنقلات كبرى في عمر النهوض فيضطر لتقديم التنازلات خشية تلك القوة. ثقتي الآن أكبر بكثير من أنّ ما تحقق هو بداية لطريق عامر بالإنجاز”.

وتعليقا على سؤالي لضيفنا البازعي حول رأيه في قدرة الحداثة على تجاوز الحالة النصية، وهل هي قادرة على تشكيل منظومة إنسانية مدنية ضمن مشروع مؤسساتي شامل تكون الثقافة الحرة هي الرافعة الحقيقية له، أم أن الحداثة كانت مجرد طرف في صراع بين تيارين اجتماعيين ضمن سقف محافظ واحد، بمعنى أن الصحويين والحداثيين في السعودية ظلوا في الحقيقة مجرد تيارين محافظين مع فوارق بسيطة في التفاصيل فحسب.

يجيب: “لو كانت الحداثة كما ذكرت لما كانت جديرة بالاسم، ولا أظن أن التشدد كان سينشط كما فعل لو لم تكن أمامه قوة تغيير ضاغطة، وأرجو ألا يفهم من مصطلح الحداثة هنا أنه مقصور على الحداثة الثقافية أو الأدبية، فتلك كانت وما تزال مظهرا لحداثة أشمل امتدت إلى مناحي الحياة المختلفة من التعليم إلى الإعلام إلى الحياة الاجتماعية. صحيح أن كل تلك الحداثات كانت هادئة نسبياً، تحافظ هنا وتتغير هناك، لكن تلك هي سمة الحياة في هذا الجزء من العالم مثلما أنها طبيعة المرحلة أيضاً”.

يعتقد البازعي -بصفته النقدية- أن متابعة حركة النقد للنص الأدبي المعاصر في السعودية حقق مواكبة لا بأس بها إذا كان المقصود بالمواكبة تقديم رؤية نقدية واعية ومنفتحة على المناهج والنظريات المختلفة. ويستأنف رأيه بالقول: “إذا كانت المواكبة هي متابعة ‘كل’ ما يصدر فذلك لم ولن يتحقق، لأن ما يصدر ببساطة أكثر من أن يستطيع أي قارئ أن يحيط به. كما أن ليس من المطلوب من النقد متابعة كل ما يصدر لأن للناقد ذائقة ورؤية، ويفترض فيه أن يختار ما يستطيع قراءته والتعليق عليه في حدود إمكانياته من حيث التخصص والذائقة وعامل الوقت والتزامات الحياة الأخرى. المواكبة التي يشار إليها عادة هي ما يتوقع من محرري الصفحات الثقافية الذين يعرِّفون بالإصدارات وهو ما لا يحدث غالباً، مع أن المواكبة هنا لا تعدو أن تكون ‘متابعة’ لما يصدر بالتنويه أو التعريف به”.

فكرة الأجيال الشعرية

الاستطلاعات والحوارات الصحافية التي قامت بها صحيفة “العرب” على مدى سنوات مع الشعراء السعوديين من مختلف الأجيال كشفت عن أن غالبية شعراء الجيل الجديد في أواخر التسعينات والألفية الثالثة في السعودية لم يتأثروا بالمشهد الشعري السعودي في السبعينات والثمانيات، فعلاقتهم بنصوص محمد العلي ومحمد الثبيتي وعبدالله الصيخان وفوزية أبوخالد وعلي الدميني ومحمد جبر الحربي وخديجة العمري وغيرهم، كانت مجرد علاقة تاريخية للمرحلة، وأن تأثرهم الحقيقي جاء عبر مطالعاتهم الشخصية للشعراء العرب والعالميين بمعزل عن الجغرافيا.

وفي سؤال لضيفنا عن نظرته إلى هذه المسألة أي إلى أي مدى يمكن القول إن شعراء الثمانينات كانوا واهمين في اعتقادهم بأنهم مؤثرون على الأجيال الشعرية التالية؟

الحداثة ليست مجرد مصطلح ثقافي إنها تغيير مجتمعي واسع
الحداثة ليست مجرد مصطلح ثقافي إنها تغيير مجتمعي واسع

يجيب: “قال عبدالكريم العودة يوماً، وهو من جيل السبعينات والثمانينات، إننا جيل بلا أساتذة، أي نفس ما تنسبه في سؤالك للجيل الجديد التالي. وهذا قول لم تثبت صحته. لأنه حتى قراءة شعراء العالم لا تعني بالضرورة عدم التأثر بالجيل السابق، فالتأثر مسألة تتضح في مرحلة لاحقة وتتوصل إليها قراءات نقدية متمعنة، إضافة إلى أن جانباً منها غير واعٍ. إننا نتأثر بقراءات كثيرة نظن أنها لم تسكن وعينا أو لاوعينا ثم نكتشف أنها تسربت على نحو ما. وهذا بالطبع لا يعني انحكام جيل شعري بالجيل الذي سبقه أو بالبيئة التي تحيط به، بل إن تغير مصادر القراءة والتفاعل من شروط الاختلاف، وهو المتوقع من الجيل الحالي مثلما كان متوقعاً من الجيل السابق والذي سبقه”.

ويضيف متسائلاً: “إن الأجيال تتصل بعضها البعض لوجود أناس ينتمون إلى جيلين مختلفين. ولعل أحمد الملا من أولئك فهو كان الأصغر حين كان جيل علي الدميني يكتب، ولكنه الآن من بين من يعدون الأكبر من الجيل التالي، ومثله في ذلك مثل أشجان الهندي التي لا تنتمي إلى جيل الصيخان أو خديجة العمري من حيث السن، ولكنها أيضاً ليست من جيل أحمد الصحيح أو هيفاء الجبري عمرياً أو من حيث التجربة، فأين تنقسم الأجيال”.

نعم، البوكر العربي مسيسة

ترأس البازعي لجنة التحكيم لجائزة الرواية العربية العالمية (البوكر) لعام 2014. الأمر الذي جعلنا نتوقف معه حول رأيه في القول الذي يرى تسييس الجائزة، وكيف يقرأ التحولات السردية منذ ذلك الوقت إلى الوقت الراهن، وما إذا كانت الجائزة تضيف حمولة ثقافية للأعمال المقدمة عبر إعطائها حقها من الحضور الجماهيري؟

يقول البازعي: “سبق أن قلت إن كل عمل ثقافي سواء كان تحكيم جائزة أو كتابة مقال هو عمل مسيّس، بمعنى أنه ينطلق من الوعي بموقعه ويتطلع إلى تحقيق أهداف معينة، وليس بمعنى أنه ينتمي إلى جهة أو يعبر عن أيديولوجيا أو يخفي أهدافا تآمرية. التسييس هو الصدور عن وعي تاريخي اجتماعي وما يتضمنه ذلك من مسؤوليات. والجوائز مسيسة بالضرورة لكن ليس بمعنى أنها تخدم مؤامرة أو تتحيز لكاتب دون آخر، أو منطقة دون أخرى.

البوكر، من هذه الزاوية، مسيسة مثل غيرها، فهي منحازة لما تراه لجان التحكيم جديراً بالقراءة أولاً، ثم بالفوز ثانياً، وهذا انحياز طبيعي لأن الحياد المطلق خارج قدرة الإنسان، لكن المطلوب هو عدم تغليب النزعات الشخصية أو المصالح السياسية بشكل واعٍ. عدد أفراد اللجان وتنوعهم من حيث الأوطان والمشارب سياسة اتبعتها البوكر لتحقيق أعلى معدل من الحياد الممكن بشرياً”.

ويتابع في الشأن نفسه: “لكن هذا لا يعني خلو البوكر، من حيث لجان التحكيم أو مجلس الأمناء، تماماً من أي مواقف تخدم أهدافاً مؤسسية قد لا ترضي البعض، فقد أثارت وما تزال تثير وستظل تثير جدلا في كل مرة تعلن جوائزها. يحدث هذا في بريطانياً حيث الجائزة الأم وسيظل يحدث في الثقافة العربية كل عام”.

الصحافة وحرية التعبير

هل كانت الحداثة السعودية مجرد طرف في صراع بين تيارين اجتماعيين تحت سقف واحد
هل كانت الحداثة السعودية مجرد طرف في صراع بين تيارين اجتماعيين تحت سقف واحد، 

وعن قراءته لحرية الرأي والتعبير في ما يخص الصحافة السعودية على وجه الخصوص، لا سيما بعد التحولات الوطنية الأخيرة. يقول البازعي: “حرية الرأي أو حرية التعبير تظل أمرا نسبيا يتحرك بين مطلقين وهميين: الحرية المطلقة والقيد المطلق. وهذا يصدق في كل مكان على وجه الأرض. في كتابي الأخير ‘مواجهات السلطة’ تناولت هذه النسبية وهذه المطلقات بما أحسبه تأنٍ كافٍ حين تناولت عدداً كبيراً من الكتاب والنصوص من ثقافات مختلفة كلها تشهد على نسبية الحرية في الخطاب الإنساني وحاجة الإنسان، الكاتب بصفة عامة، إلى تلمس طريقه بين ضباب القيود التي وإن تفاوتت تفاوتاً كبيراً فإن الكثير منها يأتي من الثقافة والمجتمع ومن المصالح الشخصية وليس من القوانين والأنظمة المفروضة والتي، بالمناسبة، ليست شراً كلها بل إن منها ما تقتضيه الحياة وسلامة الثقافة والمجتمع”.

ويضيف مستنتجاً: “من هذا المنظور سيتضح أن الصحافة السعودية لا تختلف عن الكتب في السعودية، وعن شبكات التواصل الاجتماعي في السعودية. كل هذه تخضع لقيود بعضها تفرضه الأنظمة وبعضها تقتضيه مصالح الصحف ومخاوف الأشخاص، وأهم من ذلك ما تقتضيه أحياناً المصلحة العامة التي تتضمن الأمور الشخصية وخصوصيات الآخرين. لكن لأن الأمر نسبي، ففي المنطقة صحافة ومستويات من النشر كفيل تأملها بجعل وضعنا يبدو صعباً، مثلما أن فيها ما يجعل ذلك الوضع معقولاً، بل جيداً. فمن الدول المجاورة ما لا يمتلك ما لدينا من حريات في التعبير، ومنها ما يفوقنا في ذلك”.

وفي ختام حوارنا مع ضيفنا تطرقنا إلى استقلال وزارة الثقافة عن الإعلام مؤخراً، وعن الاستراتيجيات والتطلعات التي يأمل بها المثقفون في المرحلة القادمة.

يقول البازعي مستشرفاً المستقبل: “الآمال كثيرة، وكم تكررت، وتكرر التعبير عنها، ولكني أخشى أن الوزارة ليست معنية بها، أو أنها كذلك. لكن لم يتضح شيء يذكر. في الوقت الحالي هناك أمل واحد: أن تفصح الوزارة عن طموحاتها، خططها، شخصيتها، وشخصية العاملين فيها. لم يقم أحد منهم، في ما أعلم، بالتواصل مع المشهد الثقافي في نادٍ أدبي أو جمعية ثقافية أو محفل ما، كما لم ألتق أو يلتقي من أعرف من المعنيين بالمشهد الثقافي الناشطين فيه بأحد من مسؤولي الوزارة. والوزارة ككل الوزارات وضعت لخدمة الوطن وهي مطالبة بأن تفصح عن نفسها لمن هي في خدمته. ورش العمل التي أقامتها خطوة جيدة لكنها صغيرة وصغيرة جداً”.

11