الناقد عبداللطيف الوراري: هجرة الشعراء العرب إلى الرواية "موضة"

يواصل الشاعر والناقد المغربي عبداللطيف الوراري، بحثه في الشعر المغربي الراهن، في وقت يعيش فيه المغرب طفرة من الكتابة في جميع الأجناس الأدبية، ولكن الوراري ما فتئ يراوح بين متعة ممارسة الشعر وضبط مقاييس النقد، مطلعا على كل ما هو جديد كعامل يتيح له فائدة استكشاف إسهامات أسماء شعرية كثيرة، في تعهّد واقع شعري مغربي تميّزه حركيّة هائلة. “العرب” التقت بعبداللطيف الوراري فكان لنا معه هذا الحوار حول مسيرته الإبداعية، وعن واقع الشعر العربي عموما والمغربي خصوصا، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي اليوم.
الخميس 2015/11/26
في بعض الكتابات الشعرية الجديدة نزوع كبير نحو فتح أفق شعري مغاير

يكتب عبداللطيف الوراري الشعر ويمارس أيضا النقد، عن كيفية التوفيق بين هذين المجالين، يقول: هي خبرة تتنامى باستمرار، من أجل أن توازن بين أن تكون شاعرا وناقدا في آن. أتى الشِّعر أوّلا، ثمّ التحق به البحث في الشعر بعد دراستي الجامعية على يد أساتذة أكفاء.

أشعر أنّ هذا اللقاء الذي تمّ بينهما كان ضروريّا، فبعد الموهبة وشطحاتها لا بدّ من خبرة ووعي وتأمُّل كمتاع الناقد نفسه. لنقل إنّ هناك تجاوبا بين الشعر والنقد، فهما فعاليّتان تتحاوران في الذهاب- الإياب داخل معماري الكتابي ولا تقعان على طرفي نقيض. فكل منهما يلبّي حاجة نفسية، علاوة على ما ينهضان به من أعباء المعرفة والتأمل والبحث.

ويتابع: أنا، ناقد، مسكون بالشعر، وبمعرفة الشعر. وفي داخلي ثمّة فرح داخليّ، يحركني للكتابة عن هذا الشاعر أو ذاك، وعن هذا الديوان أو ذاك. إنّ الإقامة هي ذلك الذهاب- الإياب الذي أذرعه في عمل الكتابة ومجهولها، وقد تكون على حوافّ الخطر.

راهن الشعر

في بعض الكتابات الشعرية الجديدة نزوع كبير نحو فتح أفق مغاير، هكذا هو حال الكتابة الحداثية، كتابة متجدّدة على الدوام، صيرورتها تدميرية بكثير من الرصانة والنضج، ويعتقد الناقد عبداللطيف الوراري أنّ هناك أفقا جديدا ومغايرا يتجه إليه الشعر العربي منذ وقت، وقد صرنا كباحثين ودارسين له نتلمّسه ونعاين منجزه الإبداعي على مستويات شتّى، ومن أجيال مختلفة. ولا أشتطُّ إن قلت إن الشعراء الجدد غدوا يُمثّلون اليوم رؤى وحساسيّات جديدة ضمن حقل الكتابة الشعرية، سواء في المغرب أو المشرق. لم تعد مثل هذه الكتابة مُجرّد شكل أو أسلوب، وإنما صارت تحمل محتوى يعكس فلسفة ما، وفهما خاصّا للذات واللغة والعالم.

أسوأ ما يمكن أن يتأذى منه أدبنا اليوم، هو "النقد الطائفي" الذي يتغذى على نعرات الشلة وواجب الاصطفاف الأعمى

يعيش المغرب طفرة في الكتابة، خصوصا في ميدان الشعر، بقطع النظر عن الجيّد والرديء وكثرة المعايير النقدية، الوراري يقيّم الشعر في المغرب راهنا، وهو الملمّ بما يدور في الساحة الشعرية المغربية بقوله: كتبتُ كتابا بأكمله في هذا الشأن، هو “في راهن الشعر المغربي: من الجيل إلى الحساسية”.

وأقول إنّه بعد سنوات من الكفاف والتحرُّج، ومن خطاب الأزمة الذي امتلأت به الأفواه، يمكن لنا اليوم أن نتحدّث، حقيقة، عن جملة شعرية جديدة تخترق جسد الشعر المغربي، وهي لا تخصُّ جيلا بعينه، وشكلا بعينه، وفهما بعينه، وإنّما الشعر في حدِّ ذاته.

اليوم يذهب الكثير من الشعراء إلى الرواية، فهل هذه “موضة جديدة”، أم واقع فرضته المتغيرات؟ عن هذه النقطة يجيب الوراري بقوله: أجل، ذهب الشعراء إلى تجريب الرواية، وهذا من حقِّهم إن وجدوا في أنفسهم وفي تجارب حياتهم طاقة لا تتواءم وطبيعة الشعر. لكن أخشى أن يكون الداعي وراء ذلك غير الإبداع، وإنّما الجوائز التي صارت تحظى بها الرواية، أو البهرجة الإعلامية التي تُهلّل بها بحق وغير حق. قد يكون بعض الشعراء نجحوا في كتابة الرواية كفنّ وأضافوا إليها، إلا أن أكثرهم لم يُوفّق في ذلك فضيّع الشعر والسرد معا.

ويتابع: في المقابل، ثمة قلّة من شعراء العربية المعاصرين من بنى هُويّته بالشعر وعبر عزلاته الباهظة، وسواهم قد اصطنعها من خارج الشعر مُتمسّحا بأيديولوجيا وسلطة ما. لهذا، شئنا أم أبينا، لن يخذل الشعر إلا من خذله وانحطّ بصوته وسط ضجيج الكورال. بدر شاكر السياب أو وديع سعادة أو عبدالكريم الطبال، مثلا، عندي أهمّ من شعراء الحزب والطائفة والتقنية والمظلومية والمستقبل النكوصي والنقد الشُّللي في وقتنا الراهن.

الكتابة الشعرية العربية الجديدة إبداع صادم وتدميري

النقد الطائفي

يعيش العالم العربي اليوم ثورات وتغييرات، فما هي تأثيراتها؟ عن تأثيراتها على الساحة الثقافية ومستقبلها في المنطقة العربية يقول ضيفنا: لمّا انطلقت ثورات ما يسمى بـ”الربيع العربي” في بعض البلدان ابتهَجْنا أيَّما ابتهاج، فقد انطلقت عفويا من حناجر الشباب الساخط ضد الظلم والاستبداد، بلا مُقدِّمات تنظير أو مزايدات. ولقد تأثرت أشكال من الثقافة والفنّ بهذا الزلزال إن إيجابا أو سلبا، على المدى القصير أو المتوسط.

وإن كان الربيع الذي ترعرع في الميادين وتدلى من الجنائن، قد احترق عن بكرة أبيه بسبب غياب الحوار عند الطبقة السياسية وأيديولوجيا الخوف التي تشبَّع بها الفضاء العمومي وسط الاتهامات والاتهامات المضادة، فإنّه مازال أمام المثقفين، على جميع مستوياتهم وتنوُّع أدوات تحليلهم وتدخُّلهم، أن يساهموا في إنجاح مشروع التغيير ومواصلة الجهود لبناء الديمقراطية التي هي مدخلنا إلى العصر والبناء، فإنّ هذا هو المحكّ والمستقبل.

قصيدة النثر شغلت بال النقاد بين معارض ومناصر، وأحدثت ثورة كبيرة في مجال الأدب. عن رأيه فيها وحول ما يكتب عنها، يقول الوراري: لا حاجة لي إلى القول إن قصيدة النثر فنّ صعب يحتاجه شعرنا أكثر من أيّ وقت مضى، ولكن أؤكد عليه بسبب استرسال العمى الذي يسود كتابتها ولا يرتفع إليها كفنّ زاوج بين الشعري والسردي. فقد باتت هذه القصيدة، للأسف، لسان حال الشعراء الجدد الذين لا يُخفي قطاع كبير منهم تهافته على كتابتها بغير موهبة ولا حدس ولا عـلم، أو عن حسن نيّة إذا جاز القول.

من هنا، لا يخفى على المتتبّع للحركة الشعرية الواقع الطاغي الذي أخذت تحتلّه قصيدة النثر التي تعني كلّ شعر خارج شرط الوزن والقافية، حتى وإن كانت لا ترتقي في الكثير من منجزها الإبداعي إلى المستوى المفترض من الشعرية.

ومن جهة أخرى، لا أفهم لماذا يُطْلب من الشِّعر أن يكون قضيّةَ شكل، فيما هو، أبدا، مسألة وجود ومزاج حساسيّة راعفة. وإن كان ثمّة من عمل أساسيّ يتوجّب على الشعراء التفكير فيه فهو بَعْث الأشياء والعناصر والصفات والسُّدُم التي لا لون لها من مهاوي العدم وجادّاته النافرة. بمعنى، أن يُكْتب بالتقسيط المريح، لا أن تغشاه نداءات باعة الجُمْلة.

وعن النقد المواكب لها، يعتبر الناقد أن أسوأ ما يمكن أن يتأذّى منه أدبنا اليوم، بل يصيبه في مقتل، هو “النقد الطائفي” الذي يتغذّى على نعرات الشلّة وواجب الاصطفاف الأعمى، وقد أخذ يتنامى باستمرار في الوسط الثقافي والجامعي والإلكتروني، وربّما هذا قد يوصلنا إلى ما يشبه “أصولية” ثقافية وجمالية.

ولسوء حظّ قصيدة النثر أنها لم تجد بعد نقدا طبيعيّا مواكبا لتجاربها الحيوية بما يكفي، وهذا ما يساهم في تضييق إمكانات شرط وجودها ككتابة وفنّ وحساسية.

15