الناقد عبده وازن: التسريب جاء من خارج لجنة البوكر والهدف حجب الجائزة

الناقد اللبناني عبده وازن يقر بأنه ليس هناك تسريب من داخل الجائزة وما نقله هو خبر فقط، ولو كان في أبوظبي لكان الواقع مختلفا.
الثلاثاء 2019/05/07
"بريد الليل" ليست أفضل روايات بركات

جدل كبير رافق الجائزة العالمية للرواية العربية هذا العام، خاصة ما تعلق بتسريب اسم الفائز بالجائزة قبل إعلانه من لجنة التحكيم، حيث كتب الناقد والشاعر اللبناني عبده وازن مقالا مثل سبقا صحافيا بإعلانه عن تتويج هدى بركات وروايتها “بريد الليل”، راويا تفاصيل من كواليس الجائزة، وهو ما خلف جدالا مازالت آثاره مستمرة إلى اليوم. “العرب” حاورت الشاعر والصحافي عبده وازن حول مقاله الذي كتبه في “إندبندنت عربية” وكان في نيويورك، وسبق فيه إعلان الجائزة مؤكدا فوز هدى بركات.

بيروت (العرب) - شهدت جائزة البوكر العربية هذه السنة سجالا كبيرا لم تنته فصوله حتى الآن، وبدت الساحة الأدبية والثقافية العربية مشغولة بهذه الجائزة و“التسريب” الذي تم، والذي روج اسم الفائزة وهي الكاتبة اللبنانية هدى بركات عن روايتها “بريد الليل”، قبل الإعلان الرسمي عن الفائز من قبل لجنة التحكيم. ومما ساهم في اتساع رقعة السجال هو اختلاط ثلاثة امور ببعضها البعض، التسريب وخطاب الروائية الفائزة الذي كان سلبيا وانسحاب إحدى الروائيات من الاحتفال، لسبب قيل إنه عدم فوزها هي بالجائزة. ولم تشهد أي دورة سابقة للجائزة ما شهدته هذه السنة، علما أنها تتعرض دوما لحملات يكمن وراءها في الغالب روائيون لم يفوزوا أو ناشرون لم تفز رواياتهم المرشحة.

خبر وليس تسريبا

لدى سؤاله عما إذا كانت فكرة السبق الصحافي هي الاعتبار الذي وقف وراء نشره اسم الفائزة بالجائزة قبل ثلاث ساعات من إعلانه؟ يقول عبده وازن إن المسألة ليست متعلقة بسبق أو حدث صحافي. ويضيف “لم أبحث شخصيا عن السبق ولم أسع إليه، ولكن حصلت مصادفة هي التي جعلتني أكتب باكرا في ‘الإندبندنت عربية‘، عن نتيجة الجائزة وفوز الروائية هدى بركات بها عن روايتها ‘بريد الليل‘. واسمح لي بأن أكشف كل الملابسات التي اكتنفت القضية”.

يتابع “هذه السنة لم أذهب إلى احتفال الجائزة ولا إلى معرض أبوظبي للكتاب الذي أحبه كثيرا بجوه الرحب وفعالياته، وخصوصا باحتفاله بجائزة الشيخ زايد التي أصبحت عالمية، إذ كنت مدعوا إلى ندوة في جامعة كولومبيا في نيويورك، وقد أمضيت أياما إضافية هناك في إجازة. في الليلة ما قبل منح الجائزة وصلني اتصال هاتفي من أبوظبي في منتصف الليل أيقظني من نومي، وكان من ناشرة تدعوني فيه إلى احتفال تقيمه مع مجموعة من الأصدقاء، في إحدى غرف الفندق الذي تقام فيه عادة حفلة البوكر، وقالت لي إنه احتفال بفوز الروائية الفلانية بالجائزة. كنت نصف نائم وصدقت مبدئيا الخبر، ولو قبل إعلان الجائزة، وقلت مبروك لفلانة ولناشرتها، ثم نمت”.

يضيف عبده وازن “بعد ساعتين أو ثلاث وردتني رسالة على الموبايل تقول إن فلانة ليست هي التي ربحت الجائزة بل هدى بركات مع إشارة إلى أن الخبر انتشر وبات الجميع على علم به. قمت من نومي وكتبت مقالي في الإندبندنت عربية. ولكن بعد ساعتين أو أقل وردني من بعض الأصدقاء أنني حققت سبقا صحافيا، وأعلنت الجائزة قبل إعلانها رسميا، وراحوا يهنئونني بهذا السبق الصحافي. لم أكن أنتظر أن يحدث مقالي ضجة فيها من السلب ما فيها من الإيجاب، إذ كنت أظن الخبر تسرب إلى الجميع. ولكن لم يكن قصدي أبدا الإساءة إلى جائزة البوكر العربية، فأنا أحترم هذه الجائزة وأعتبرها نزيهة، وأحترم هيئة الثقافة والسياحة في أبوظبي التي تمنحها، وأنا من متابعي النشاطات الدائمة للهيئة، وقد دأبت منذ سنوات طويلة على تغطيتها، وأولها معرض الكتاب. ولا تنس أنني فزت أصلا بجائزة الشيخ زايد للكتاب”.

ولدى سؤاله عما إذا كان يقصد أن التسريب جاء من خارج اجتماع اللجنة وبعيدا من أعضائها وليس من داخلها. وكيف يفسر ذلك، يؤكد وازن أن “التسريب حتما جاء من خارج اللجنة. أصلا ليس هناك ما يسمى تسريبا بالمعنى الحرفي. وردني خبر فوز هدى بركات وأنا نائم في نيويورك، وليس فوز الروائية الأخرى التي شاركت في الاحتفال بفوزها، مع إشارة إلى انتشار الخبر وتسربه. وكان عليّ أن أكتب بسرعة لأرافق الآخرين”.

يضيف وازن “لاحقا، تبين لي أنني وحدي الذي كتب الخبر، وكأن المطلوب من الذين أرسلوا لي الخبر مسبقا، أن أتولى أنا نشره باكرا قبل الإعلان الرسمي، وفي نيتهم التشويش على الجائزة وخربطة الاحتفال، وهذا ما حصل، لاسيما أن إحدى الروائيات المتباريات في القائمة القصيرة انسحبت من الحفلة، وهو ربما يدل على حال من الغيرة أو الإحباط، على عكس ما أشاعت الروائية وناشرتها، بأن الانسحاب كان اعتراضا على التسريب. كان في نية الذي سرب الخبر أن يحرم هدى من الجائزة، وفي تصوره أن تسريب الخبر باكرا قد يدفع الهيئة إلى حجب الجائزة، مما يعني عدم فوز هدى. لم يكن هناك من تسريب من داخل الجائزة. ولو كنت في أبوظبي لكان الواقع مختلفا ولاكتشفت اللعبة ولم أكتب باكرا”.

يقول الشاعر والناقد عبده وازن “أود أن أعترف بأن فوز هدى كان متوقعا بقوة وكثيرون تكلموا عنه،  فمنذ أن طلبت اللجنة ضم بركات إلى قائمة المرشحات، وهذا من حقها قانونيا، ساد جو يشي بأن الروائية اللبنانية هي من سيفوز. هذا كان انطباع الكثيرين، حتى الذين لا يحبون روايتها ‘بريد الليل‘ ويفضلون عليها رواياتها الأخرى، وأنا منهم. أعتقد أن ‘بريد الليل‘ ليست أفضل روايات بركات. والطريف أن ناشرة الروائية الأخرى التي لم تفز، كانت تصر على فوز مرشحتها، وكتبت على الإنترنت تعدها بأن الورد والغار بانتظارها. وحصل غير المتوقع. وهو ربما ما جعل الغيرة تدب حتى الجنون. ويتساءل وازن، لا أدري لماذا هذه الروح غير السليمة وغير الرياضية كما يقال؟ فالبوكر في النهاية مسابقة وليربح من يربح”.

حادث مستهجن

لم يكن على هدى بركات أن تهاجم الجائزة
لم يكن على هدى بركات أن تهاجم الجائزة

وحول رأيه في ما تردد من أن كلمة قاسية ألقتها هدى بركات في حفل الجائزة وهو ما لقي استغرابا واستنكارا واسعين، يقول وازن “سمعت بالأمر ولم أسمع الكلمة ولم أقرأها. إنما في رأيي أنه لا يحق لهدى ولا وهي الفائزة أن تهاجم الجائزة، ويبدو لي ذلك منها أو من غيرها مستهجنا. ففي يقيني أن اللجنة المحكمة نزيهة والجائزة نزيهة جدا، وهي من أهم الجوائز العربية. والإدارة لا تتدخل بتاتا في النتائج. الجائزة تمنحها اللجنة ولا أحد سواها، وهنا تكمن نزاهتها. والنتيجة مرتبطة بمزاج اللجنة وثقافتها ورؤيتها. وهذا فعلا ما لمسته عندما شاركت في تحكيم إحدى دورات الجائزة. وكنت كتبت مقالا رحبت فيه بإعلان القائمة القصيرة في مدينة القدس، مدينتنا العربية، بينما هاجم إعلام الصمود والتصدي هذه الخطوة المهمة، واعتبرها تطبيعا مع العدو”.

ونسأل عبده وازن عن الانطباع الأشمل الذي تركته فيه الضجة التي أثيرت واللغط الذي دار في الأوساط الثقافية حول اسمه في هذه القضية، فيقول “إن ما كتب من مقالات عن هذا الأمر كان كثيرا، وقد خرجت عن صمتي من خلال جريدة ‘العرب‘ التي أحترمها، لأقول كلمتي في هذا الجدل، فقد اخلتط الحابل بالنابل، وكان بعض المقالات إيجابيا والبعض الآخر سلبيا. لم أقرأها كلها ولكن من بينها مقالات كتبها اشخاص معنيون بالجائزة وكانوا محقين في آرائهم، ومنهم الناقد الكبير شرف الدين ماجدولين الذي كتب مقاله على صفحات جريدتكم”.

الرواية العربية والروائيون العرب يحتاجون إلى جائزة البوكر، فقد باتت تمثل ظاهرة ثقافية بارزة جدا ومهمة وفريدة
الرواية العربية والروائيون العرب يحتاجون إلى جائزة البوكر، فقد باتت تمثل ظاهرة ثقافية بارزة جدا ومهمة وفريدة

ويتابع “لكنّ بعض المتطفلين كبتوا مقالات تسيء إلى الجائزة ومعظمهم من المتضررين الذين لم يفوزوا ولم تبرز أسماؤهم في اللوائح الطويلة أو القصيرة. هناك مثلا ناشرة متطفلة كتبت مقالا مضحكا وكأنها تريد البحث عن دور أو أن تجعل الآخرين يشعرون بها. أصلا كل سنة يدور سجال حول البوكر والكاتب أو الكاتبة الفائزة. وأعتقد أن هذا السجال دليل إيجابي، ويعني أن الجائزة حاضرة بقوة في الساحة الأدبية والثقافية العربية. لكن الجائزة لا تستطيع أن ترضي الجميع، ولا أن يفوز بها الجميع. الناس يحبون هذه الجائزة وما تثير من حماسة وتطرح من خيارات. ويجب على هيئة الجائزة ألا تتأثر بما حصل هذه السنة، فهذا لا يحصل إلا مع الجوائز الكبيرة”.

 ويضيف عبده وازن “تحتاج الرواية العربية والروائيون العرب إلى جائزة البوكر، فقد باتت تمثل ظاهرة ثقافية بارزة جدا ومهمة وفريدة. ويكفي أن تكون وراءها هيئة أبوظبي للثقافة والسياحة وهي من أبرز الهيئات الثقافية في العالم العربي، تتوجه بأنشطتها إلى الجمهور الإماراتي والجمهور العربي في وقت واحد. وهي تتخطى فعلا بعض وزارات الثقافة العربية في رؤيتها الثقافية المنفتحة ونشاطاتها الدائمة”.

أخيرا، نسأل عبده وازن عن رأيه في ما دعا إليه بعض الصحافيين والكتاب من ضرورة  تطوير جائزة البوكر العربية وتحديثها وتجديد آلية عملها أو منهجها، فيرى أن “البوكر هي وقف على لجنة التحكيم. هذه اللجنة هي التي تختار اللوائح والأسماء الفائزة من دون أي تدخل من قبل الهيئة ومن دون أي توصية. انظروا إلى لجنة التحكيم وحاسبوها هي. قد تضم لجان التحكيم أحيانا أسماء كبيرة في النقد والإبداع فتكون النتائج منصفة وحقيقية، وأحيانا تضم أسماء ضعيفة وغير ضليعة في الرواية أو النقد الروائي فتأتي النتائج ضعيفة أو غير مرضية. إنها وقف على أسماء لجنة التحكيم، وهنا تكمن مسؤولية الجائزة في اختيار المحكمين”.

ويقول “بعض المحكمين لا يقرأون الروايات المتسابقة أو بالكاد يتصفحونها وهذه حقيقة. إنها مسؤولية كبيرة وعلى لجان التحكيم أن تكون جدية. وقد يكون ممكنا جعل التحكيم يمر بمرحلتين: الأولى هي مرحلة الغربلة ويقوم بها أشخاص ضليعون يفرزون الأعمال الصالحة من الأعمال غير الصالحة للترشح، والثانية هي مرحلة التحكيم. الغربلة في المرحلة الأولى تخفف عن المحكمين عبء قراءة هذا الكم الهائل من الروايات، وتسهل عملهم. لكن البوكر تملك شروطها ومعاييرها. ختاما أقول إن كل الروايات المهمة عالميا تتعرض دوما لبعض المشكلات وهذا طبيعي، ويكفي ما حصل أخيرا في جائزة نوبل، كمثال”.

16