الناقد علي حداد: الفكر الظلامي الطائفي تغلغل في نسيج المجتمع

الناقد العراقي يؤكد أنه من يتأمل المشهد الشعري في بلاده سيلاحظ أنه لم تعد فيه قامة شعرية مهيمنة وطاغية الحضور كما هو الحال في المراحل السابقة.
الأحد 2018/04/01
مصير الثقافة في العراق مرتبط بالتحرر من الظلامية والطائفية والفساد

علي حداد، أستاذ الدراسات الأدبية الحديثة والدراسات الشعبية وأدب الطفل في جامعة بغداد، هو ناقد يملك رؤية واضحة في نظرته إلى القضايا الرئيسية التي تشكل وضع المثقف والمبدع العراقي وما جرى ويجري على الساحة العراقية من إرهاب وانتشار وسطوة للأفكار السلفية والولاءات القبلية والعشائرية والدينية والطائفية، ومعالجة السلطة لهذه القضايا، مؤكدا أن الأمر يبدو وكأنه متعمّد أن يمضي العراق إلى مجاهل الخرافة والتديّن الاعتقادي والسلفي والمذهبي والطائفي، خاصة في ظل تجاهل وتحجيم واغتيال أدوار المثقف التنويري. وفي هذا الحوار معه تتكشف الكثير من الأوضاع على مستويات عدة منها الثقافي والإبداعي والسياسي والديني في الساحة العراقية اليوم.

أكد الشاعر والناقد علي حداد أن من يتأمل المشهد الشعري العراقي سيلاحظ أنه لم تعد فيه قامة شعرية مهيمنة وطاغية الحضور كما هو الحال في المراحل السابقة، وربما حقق ذلك نوعا من التحرر من سطوة الأبوة الشعرية والتردد أمامها، وهو ما جعل أجيالا عديدة تقدم تجاربها من دون أن تتردد أو تقايس أو تتأنى، فامتلأت الساحة الشعرية باشتجار تعبيري يصعب رصده كله، وبرزت تجارب فيها ما استعاد شكل (قصيدة الشطرين) أو ما شاع وسمه خطأ بـ”الشعر العمودي” ولكن بممارسة استوعبت الحداثة في نسق التعبير وتشكيله. وفيها ما تمسك بـ”شعر التفعيلة” والذي وصف خطأ هو أيضا بـ”الشعر الحر” ولكن بإجرائية تشكيل أكثر حداثة وتطويرا لتجارب الأجيال السابقة فيه.

أما المد الأبرز فهو لـ”قصيدة النثر” التي تكتبها مختلف الأجيال الشعرية العراقية الحالية، وإن أدرجت في مضمارها الكثير من الممارسات الكتابية التي لا تعرف من هذا الشكل التعبيري ما يشترطه من قيم تمثل، فاستسهلته وسدرت تكتبه بنوازع من الفوضى التعبيرية التي ليس لها من الشعر ما يمكن أن تدعيه. وقد تجلى ذلك في كثرة المجاميع الشعرية الصادرة في العراق بعد أن كثرت دور النشر وصار بالإمكان الطبع والنشر من دون رقابة رسمية أو فنية. غير أن ذلك لم ينل من عافية الشعر العراقي وحضوره في المحافل العربية والعالمية، وتميّزه وعمق النضج والتأصيل الذي يكنه، ونوازع التجديد التي هي واحدة من سماته المتأصلة فيه.

المشهد النقدي

رأى حداد أن المشهد النقدي العراقي يتماهى مع المشهد الأدبي فكلما كان هناك أدب رصين ومتجدد كان هناك حراك نقدي يواكبه أو يجبر على مواكبته، بحكم أن التجربة الإبداعية تفجر الرغبات في قراءتها والتواصل معها، لأن الفضاء الذي يشتغل عليه النقد هو الفضاء الأدبي. ومن هنا فإن الممارسة النقدية العراقية مبشّرة بالخصب دائما مادام المشهد الأدبي يزخر بالمواهب والإمكانيات في السرد (رواية وقصة قصيرة) وفي المسرح وفي الشعر. وعلى هذا يمكن لنا أن نتحدث عن مشهد أدبي متسع استوجب التخصص النقدي.

الآن لدينا اتجاهات من النقد متعددة، منها الاتجاه الأكاديمي، لا سيما أن الأكاديمية العراقية ومنذ ما يزيد عن ثلاثين عاما قد تفتحت على المنهجيات الحديثة وعلى استيعاب التجارب الإبداعية المعاصرة بعد أن كانت تتجنبها، فظهر لنا نقد أكاديمي مؤطر بأدوات الحداثة، وغادر الأكاديميون الممارسات التقليدية في دراسة الظواهر الإبداعية التي كانت تشغل نفسها بالذات المبدعة وسيرتها وعصرها وما إلى ذلك، ليقدموا نتاجا نقديا يستوعب اتجاهات مدارس الحداثة وما بعدها، وصولا إلى الدراسات الثقافية والنقد الثقافي الذي بدا الاشتغال عليها واضح الإنجاز في الدرس النقدي العراقي الراهن.

أيضا لدينا اليوم أكثر من مسار نقدي خارج الأكاديمية، هناك نقاد من أجيال مختلفة يقرأون الإبداع بتخصص بيّن، فمنهم من يهتم بالسرد ومنهم من يهتم بالشعر أو المسرح أو الفن التشكيلي، وهناك النقد الإعلامي أو الصحافي إذا جازت التسمية والذي تستوعبه الصفحات الثقافية في الصحف والمجلات ويكتب فيها مختلف الكتّاب والإعلاميين بوعي لكن وفقا لاحتياجات الصحيفة أو المجلة وما تخصصه في صفحاتها لذلك.

وعلى هذا نستطيع أن تتحدث عن مشهد نقدي متعدد الاتجاهات ومتنوع بتنوع الإبداع ومنفتح على التجارب الجادة، هناك أفق حصيف يتجه نحو المستقبل، فالثقافة العراقية ـ مع كل ما واجهه العراق بدءا من الحصار، مرورا بالاحتلال الأميركي وأخيرا ما عاناه من مختلف الأفكار الظلامية الطائفيةـ بقيت حيوية وراكزة القيم ومتمسكة بمساراتها ومتحققها المعرفي. ولم يكن النقد الأدبي إلا جانبا من تكيّفات فضائها، بما أبقى الحركة النقدية العراقية جادة وحديثة وحيوية ومعطاءة لتحقق الكثير مما يصبو إليه الدارسون.

نستطيع أن نتحدث عن مشهد نقدي متعدد الاتجاهات ومتنوع بتنوع الإبداع ومنفتح على التجارب الجادة، هناك أفق حصيف يتجه نحو المستقبل، فالثقافة العراقية -مع كل ما واجهه العراق بدءا من الحصار، مرورا بالاحتلال الأميركي وأخيرا ما عاناه من مختلف الأفكار الظلامية الطائفية- بقيت حيوية وراكزة القيم ومتمسكة بمساراتها ومتحققها المعرفي
نستطيع أن نتحدث عن مشهد نقدي متعدد الاتجاهات ومتنوع بتنوع الإبداع ومنفتح على التجارب الجادة، هناك أفق حصيف يتجه نحو المستقبل، فالثقافة العراقية -مع كل ما واجهه العراق بدءا من الحصار، مرورا بالاحتلال الأميركي وأخيرا ما عاناه من مختلف الأفكار الظلامية الطائفية- بقيت حيوية وراكزة القيم ومتمسكة بمساراتها ومتحققها المعرفي

رواج السرد

أشار حداد إلى أن ذاكرة الحاضر العراقي احتشدت بالوقائع والمآسي والحروب والانكسارات والحصارات ومختلف الظواهر التي تنال من الوجود الإنساني، وهذه مادة ذات طبيعة درامية وسردية لافتة وشادة، الأمر الذي عزز هذا الجانب في السردية العراقية التي تكاد تتفوق بمنجزها وكمّه على المنتج الشعري، على الرغم من أن العراق يحفل بالشاعرية، فنظرة حسابية لمراحل الإنجاز السردي في العراق منذ العشرينات من القرن الماضي وحتى ما قبل الاحتلال الأميركي ستكاشفنا بأن ما أنجز لا يكاد يتجاوز الـ150 رواية، لكن منذ ما بعد الاحتلال وحتى اليوم تجاوز المنتج من الروايات العراقية الـ350 رواية، وهذا عدد كبير، لعله نتاج ما راحت تضخه سرديات الهم العراقي المتواترة.

فما جرى في العراق لم يكن حربا أو احتلالا أو حصارا أو فكرا ظلاميا وطائفيا يريد أن ينال من الحاضر الذي يبحث عن المستقبل والنور فقط، ليكتب كل منها على حدة، ولكن كانت هناك تزاحمات لذلك كله في تكوينات المشهد الإنساني العراقي شرعت آفاق السردية العراقية لتنهل منها بلاحدود. لدينا الآن عدد كبير وأسماء مهمة من الروائيين والروائيات الذين رسخوا وجودهم في السرد العربي، ونالت أعمالهم الجوائز على المستوى العربي والعالمي، ومازال المشهد السردي العراقي يعد بالكثير.

الاحتلال والتدين

لفت حداد إلى أن الرؤية الموضوعية لواقع العراق وما حلّ به تقول إن كل ما حدث هو نتاج الاحتلال الأميركي الذي حظي بشكل أو بآخر بمباركة دولية، وقال “إن إفرازات هذا الاحتلال هي ما صنعت كل متغيرات المشهد العراقي. لقد تهيأ للعراق أن يغادر أسوار نظام كان يحكم بقبضة حديدية غيّبت شعبه عما حوله من منجزات علمية وتكنولوجية. لقد منع النظام السابق التواصل مع الكثير من المطبوعات العربية والعالمية، وحظر الإنترنت وجملة الاتصالات ووسائل الإعلام والكثير من الوسائل التي تحقق التواصل مع مجريات الثقافة المعاصرة. وعندما جاء الاحتلال بدعاوى التغيير فقد كان ذلك باتجاه الأسوأ. إن كل الذي حلّ بالعراق هو نتاج الاحتلال، سواء أكان الأمر متعلقا بمن جيء بهم ليتولوا السلطة، أم ما ساد من ممارسات الفكر الظلامي والسلفي والطائفي الذي يريد أن يعود بنا إلى القرون الوسطى. وهنا لا أتحدث في إطار مذهبي أو طائفي، فمعظم ‘المتأسلمين’ الموجودين الآن على الساحة العراقية ـ وباختلاف طوائفهم ـ يمارسون اتجاها رجعيا أكثر منه رؤية نورانية حقيقية لقيم الإسلام، ويفرضون سطوتهم بحكم ما تمتلكه أحزابهم من دعم خارجي متعدد المصادر. لقد صدّق الناس البسطاء أن هؤلاء يمثلون الإسلام ونهجه، فتعلقوا ببعض رموزهم وفكرهم، ليسود المجتمع العراقي اتجاه من التدين الاعتقادي الذي تدخل فيه الخرافة والطائفية وجملة من الأمور قد لا يمت أكثرها إلى جوهر الدين وسماحته بصلة”.

الثقافة والسلطة

أضاف حداد “في هذا الظرف غيّب المثقف ودوره، وتسيّد خطاب الإعلام الكثير من الفاسدين الذين يمتلكون سطوة المال والسلطة، وهم لا يترددون في استخدام أشد أساليب القسوة وتغييب أي مثقف يناوئهم. وقد حصل ذلك فعلا مع أسماء كثيرة من المثقفين العراقيين غيبوا أو اغتيلوا، ولا أحد يعرف من اغتالهم وكيف جرى ذلك، الأمر الذي حجم دور المثقف العراقي وجعله يمارس حضوره في حدود فئته الثقافية، تلك التي يتحاور معها ويبثها آلامه ومكابداته، ليعايش هذا الذي يعانيه، ويحيله إلى منجز إبداعي بأشكال مختلفة يضعها بين يدي من يريد أن يقرأها من فئات طلاب الجامعات أو قرّاء الصحف والمجلات. وهو بهذا يسعى لأن يجد له دورا بحدود الممكن والمتاح. لكنه لا يمتلك مقدرات الفعل الحقيقي لأنه لا حول سلطويا له ولا قوى تنهض بدوره ولا جهة سياسية تنظر إليه بعين التقدير، لذلك ترى دور الثقافة العراقية الآن في المزيد من التراجع، فمجلاتنا انحصرت أعدادها، وصحفنا قليلة، وكتبنا نطبعها على حسابنا الشخصي، فالجهات الحكومية لا تدعم الثقافة، والكتاب العراقي لا يخرج إلى خارج العراق، لأن من يمتلكون زمام السلطة الآن لا ينظرون إلى الثقافة على أنها فعالية إنسانية وأنها تقدم وتطور وتبني ولكن ينظرون لها على أنها ند لأفكارهم وجهة تريد أن تنال من وجودهم. وهم لا يرضون بذلك ولا يمكن أن يرضوا بحكم وعي ومدركات خاصة ومصالح مادية غالبة عليهم”.

شلل ثقافي

قال حداد إنه في ضوء هذا المشهد لا نستطيع أن نتحدث عن دور فاعل للمثقف، هو يحاول ويسعى ويمتلك النوايا ويعقد الندوات ويصدر الكتب ويعايش مكابدات إنسانه، لكنه مطوق بالكثير من التراجعات، فالأمية الآن بين الشباب العراقي (من عمر 14 إلى 20 سنة) تتجاوز 40 بالمئة، والسؤال هنا: من يقرأ المثقف إذن إن لم تقرأه هذه الأجيال؟ من هنا تعاضدت جملة من المكدرات للوجود العراقي الثقافي تهيمن عليه، لكن هذا لا يمنع أن المثقفين يبذلون ما بوسعهم من المسعى، فيشاركون في الفعاليات الثقافية المحلية والعربية والعالمية كذلك، ومشاركاتهم تلفت الانتباه إليهم وإلى تميّز ما ينتجون، وهم يسعون إلى عرض منجزهم في معظم المعارض العربية. كمعرض القاهرة الدولي الذي شهد حضورا لافتا من قبل المثقفين العراقيين، وهو الشيء نفسه الذي حدث مع معرض بيروت الدولي للكتاب.

في هذا الظرف غيب المثقف ودوره، وتسيد خطاب الإعلام الكثير من الفاسدين الذين يمتلكون سطوة المال والسلطة، وهم لا يترددون في استخدام أشد أساليب القسوة وتغييب أي مثقف يناوئهم

العراقي قارئ جاد لكن الظرف الراهن، وبحكم جملة من المعيقات ذكرناها جعلت القراءة والاهتمام بالكتاب والثقافة يتأخران في مدونة الإنسان العراقي وانشغالاته اليومية القاسية والمؤلمة، لأنه منهمك اليوم في البحث عن الأمن والطمأنينة ولملمة مجتمعه وقيمه التي بدأت تتمزق، وهذه كلها يستطيع المثقف أن يكون فاعلا فيها لو منح الفرصة لذلك.

وأكد حداد أن الثقافة العراقية تعيش اليوم تزايدا في الإنتاج المتميز والرغبة الحقيقية في إيصاله إلى متلق جدير به، لكن الإشكال أنها غير قادرة على التأثير في البنية الاجتماعية لأنها غير مسموح لها بأن تؤثر، بحكم وجود سلطة ذات طبيعة سلفية ـ بغض النظر عن توجهها ـ سلطة تخشى الفعل الثقافي وتنظر إلى المثقف بعين من الريبة. وهي تتحاشى الحداثة وتتجاهل الفكر الجدلي وفلسفة العقل الراهنة، وتريد من العراقي أن يصبح في حيّز أفكارها الدينية الضيقة ولا تريد الثقافة المتنورة الحداثوية، كما أنها تستنكر الموسيقى والغناء ولا تقبل التنوع في الطرح الثقافي.

بنية الإرهاب

أوضح حداد “المشكلة أن الإرهاب ليس عدوا خارجيا تواجهه ثم تغلق حدودك عنه، الإرهاب بنية فكرية تغلغلت في نسيج المجتمع العراقي، لقد هيأ الاحتلال الأميركي أوضاع العراق التي كانت متأزمة أساسا ـ بسبب الكثير من ممارسات النظام السابق ـ للانحدار في مهاوي الطائفية، حين أتى ـ بصحبة دباباته ـ الكثير من السياسيين الذين كانوا محسوبين على المعارضة، ليقدمهم المحتل لا بتوصيفهم الوطني بل بهوياتهم الطائفية والقومية والمناطقية، وراح يوزع عليهم المناصب على أساس طائفي، فصرنا مثل لبنان، لكن تجربة اللبنانيين كانت قد ترسخت واستقامت بحكم الزمن الطويل، نحن تفجرت لدينا الطائفية والشوفينية والقومية والمناطقية مرة واحدة، لذا أصبح الأمر صعبا لتقنين الأمور وإعادتها إلى نصابها، لأن ما زرعه الاحتلال من تفرقة وجد أرضا خصبة. نعم جرى الانتصار العسكري على الفكر الظلامي، لكن هذا الفكر تغلغل خاصة إذا تحدثنا على بنى ريفية وشعبية تعايش الخرافة وتقبل بالاعتقاد وتقبع خلف عباءة رجل الدين وتتصوره نزيها لأنها نشأت على تقديس العمامة بغض النظر عن سلوك من يحملها، وهذا للأسف خلق فكرا تغلغل في بنيات اجتماعية من الصعب أن تعيدها إلى نوع من التيقن الفكري السليم، بحكم أن الوعي بنية فكرية وهؤلاء اشتغلوا على البنية الفكرية العراقية فأعادوها إلى الوراء بما يتجاوز القرن من السنوات.

إعادة اللحمة المجتمعية

الإرهاب بنية فكرية تغلغلت في نسيج المجتمع العراقي
الإرهاب بنية فكرية تغلغلت في نسيج المجتمع العراقي

لم يكن العراق بهذه الصورة، فالعراق كان يعيش تنوعه من المذاهب والقوميات والأديان بمعايشة هادئة. الجار يسأل جاره ما مذهبك؟ وما دينك؟ وكانت المحافظات والمدن العراقية بلا استثناء تحتضن الديانات المختلفة المسيحي والصابئي والمسلم، حتى أن نسبة المسيحيين في بغداد كانت كبيرة، لكن مع هذا الفكر الظلامي الذي اشتغل على القضية بتوجيه من المؤكد أنه مبرمج له من قوى كبرى وجدت أن العراق لا يمكن أن ينال منه بمجرد إسقاط الجيش، لأن بنية الدولة العراقية عميقة ومتجذرة، ولا يمكن أن تسقط أيضا الثقافة العراقية لأنها متسعة ومتجذرة وعميقة أيضا، لذا كان الاشتغال على البنية الاجتماعية، لذلك فإن إعادة هذه البنية إلى لحمتها تحتاج إلى وقت، فكما تعرف فإن هدم البنيات الاجتماعية سهل لكن إعادة بنائها تحتاج إلى أزمنة طويلة.

شدد حداد على أنه حتى إذا حيّدنا المثقفين والنخب التي تتعامل مع الحضارة والمنجز العلمي الحديث بمستوى من الوعي والمعرفة أو التخصص، وتبحث عن أدوارها المستلبة في هذا الخضم السلوكي والقيمي المرتبك، فإن غالبية الفئات الاجتماعية العراقية أمست تعود إلى خلفياتها العشائرية ومرجعياته المذهبية التي لا يمكن لطروحاتها أن تكون كافية للاتجاه نحو المستقبل وبناء دولة حقيقية. ومن هنا يصبح الحديث عن تيار ثقافي أو فكري متمكن أمرا صعبا.

تتحكم اليوم في البنية الاجتماعية العراقية ـ كما سبقت الإشارة ـ موجة عارمة من الفكر السلفي والعودة إلى الخرافة وإحالتها إلى ممارسات دينية لا تمثل سماحة التدين وقيمه. هناك نكوص لممارسة شعائر لا تمثل الدين الإسلامي، هناك حتى بعض الإجراءات الغريبة في العبادات وتفسير الممارسات الدينية بدأت تتغلغل وفي كل الفئات، لا أتكلم فقط عن المسلمين أو المسيحيين أو غيرهم، هناك عملية فعل ورد فعل، كلما كان الفعل مضادا كلما جعل المرء ينزع وينزوي في خصوصياته الدينية ويتمسك بها كذريعة تحميه من الآخر.

عرب وإيرانيون

حول الحضور الشيعي الإيراني الواضح في العراق قال حداد “المشكلة الآن أن هناك ضبابية في رؤية الكثير من إخواننا العرب للإشكالات السياسية والاجتماعية في العراق، فهم يقسمونه طائفيا، متجاهلين الأسس الأعمق لانتمائه العربي وطبائع تكوينه التاريخي الخاص. إن شيعة إيران يمتلكون خصوصيات تختلف عن خصوصيات شيعة العراق، بمعنى أن الشيعي العراقي العربي ـ على المستوى الاجتماعي ـ له قيم وقناعات ذات مترسخ قومي بعيد في تاريخيته يأخذ حتى مواضعات تفكيره القبلي والعشائري الذي كثيرا ما انضوى فيها الشيعي والسني كونهما من أبناء ذات القبيلة الواحدة.

العراقي العربي لا يقبل منك ـ مثلا ـ أن تقول له أنت فارسي أو عجمي، هو يعتز بعروبته. العراقي إلى الآن لا يعطي ابنته إلى إيراني أو حتى كردي عراقي، لأنه يتمسك بأرومة من النسب العربي لا يغادرها إلا في النادر من الحالات.

إن أغلبية شيعة العراق هم في الوسط والجنوب ويشكلون ثلثي العراق تقريبا، هؤلاء يتمسكون بعروبتهم ويتمسكون بقبليتهم وعشائرهم، وتمسكهم هذا خلق خصوصيات اجتماعية وسلوكية تختلف عما عليه نظراؤهم في إيران، وهي خصوصيات لا يدركها إلا من يعايش البنية الاجتماعية العراقية عن كثب ولمدة طويلة.

أغلبية شيعة العراق هم في الوسط والجنوب ويشكلون ثلثي العراق تقريبا، هؤلاء يتمسكون بعروبتهم ويتمسكون بقبليتهم وعشائرهم، وتمسكهم هذا خلق خصوصيات اجتماعية وسلوكية تختلف عما عليه نظراؤهم في إيران

بالمناسبة ربما يكون من التذكير التاريخي هنا أن نشير إلى أن التشيع في العراق متأصل وعمره يتجاوز الألف وثلاثمئة سنة، في حين أن التشيّع لم يكن هو المذهب الرسمي السائد في إيران قبل أكثر من مئتي عام، فبعد الحروب بين العثمانيين والصفويين حدث هذا التغير المذهبي في إيران، وكان لأسباب سياسية أكثر منها عقائدية. وسيتلمّس من يتمعّن في طبيعة التشيع بين العراق وإيران أن هناك تباينات كبيرة تؤشر على أبعاد ثقافية مختلفة.

العرب يتفرجون

أوضح حداد الآن العربي أو المطلع ينظر إلى الوضع العراقي من خلال الماسكين بزمام السلطة، هؤلاء الذين جاء معظمهم مع القوات الأميركية كان أغلبهم في إيران أو سوريا أو لبنان، أو في ملاذاتهم الغربية مدعين أنهم شيعة ومتدينون، هؤلاء هم الذين عكسوا هذه الصورة التي يراها المتابع من الخارج.

إلى الآن فإن معظم العراقيين لا يؤمنون مثلا بقضية ولاية الفقيه ولا يقبلون بها إطلاقا، وإيران يقوم فكرها المذهبي على أساس ولاية الفقيه، إلى الآن كما قلت فإن العراقيين يتمسكون بعروبتهم وخصوصيتهم القومية والعشائرية ولغتهم ولهجاتهم الشعبية، لكن المشهد الإعلامي بحكم وجود هؤلاء الذين يملكون زمام السلطة وينتمون إلى إيران بحكم الولاء أو أنهم عاشوا فيها، يلوح للآخرين بأن هناك هيمنة إيرانية.

لا وجود لأي تماس أو مساحة فعل إيراني على مستوى البنية الاجتماعية العراقية إطلاقا، العراقيون عرب ومخلصون لعروبتهم ومحبون لإخوانهم العرب في مختلف أماكنهم. إيران الآن بحكم الوضع الذي أحدثه الأميركان دون أن يقفوا بوجه المد الإيراني الاقتصادي والعسكري والرجالات الذين جاءت بهم إيران.

تركوهم يفعلون ما يشاؤون وهذا أمر غريب حتى ليوحي لك أن هناك شيئا من التفاهم بين إيران والأميركيين في هذا الأمر، أمر غريب أن إيران تشتم أميركا على أنها الشيطان الأكبر، وأميركا تسمح لإيران بأن تتغلغل في العراق بهذه الصيغة. والمؤلم أن العرب الأقربين والأبعدين ظلوا يتفرجون على هذا التقاذف الفكري والسياسي الذي انتهك حياة أشقائهم العراقيين، بل لقد كان بعضهم داعما له.

11