النباتية، حمية غذائية بريئة أم مذهب متعصب؟

الموجة النباتية التي تغزو العالم كل يوم أكثر، تتحول تدريجيا إلى ما يشبه المذهب أو المعتقد ويتحول معها النباتيون إلى ما يشبه الخلية المتعصبة.
الخميس 2018/03/22
متناقضات الطبيعة هدفها استمرار الأنواع

لاحقتني فكرة أن أتحول إلى نباتية منذ سنوات بعيدة، لكنني أجلتها دائما لأسباب معقدة. شعرت طوال الوقت بمسؤولية تجاه الذين أشرف على نظامهم الغذائي وصحتهم، الأطفال بالخصوص، وتساءلت عن انعكاس قرار كهذا عليهم.

لكن الحيرة الطويلة اشتدت بعد قراءتي لرواية “النباتية” الفائزة بجائزة مان بوكر الدولية 2016 للكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ، واضطررت للتوقف عن إتمامها حتى النهاية مخافة أن أختتم قراءتها بقرار حاسم لا يقبل الرجوع. يومها جلست على طاولة الأكل وشرحت رغبتي مجددا لمن حولي، لكن بنوع من الإصرار هذه المرة، وناقشت بالدرجة الأولى مدى استعدادهم لتقبل شخص نباتي وسطهم يسير نظامهم الغذائي ويحدد ما يأكلون كل يوم وفق رغبته.

وطبعا سمعت تهكمات كثيرة من قبيل “كيف تسمحين لكتاب أن يؤثر على حياتك بهذا الشكل؟” و”الكتب كالأفلام نستمتع بها لكننا لا يجب أن نصدقها”، وملاحظات كثيرة أخرى لم أستجب لاستفزازها.

أخبرتني صديقة بلجيكية أنها قرأت الرواية أيضا وأنها توقفت عن أكل اللحوم منذ ذلك الوقت وأن 90 بالمئة ممن يقرأون هذا الكتاب يتحولون إلى نباتيين، وهي نسبة تبدو لي مبالغا فيها على أي حال، رغم أنه، للحق، كتاب مرعب بدرجة قصوى، ويتحدث عن تحول امرأة من زوجة بسيطة، مطيعة وهادئة لدرجة مملة، إلى نباتية متعصبة ثائرة على كل من حولها، تقلب حياتها وحياة زوجها وأهلها إلى جحيم حتى يظنون أنها جنت، ويفترض الكتاب أن علاقتنا بالحيوانات في الصغر تؤثر على علاقتنا بها في الكبر وأن من شاهد في صغره كلابا تقتل أمام عينيه أو حيوانات تذبح أو تتعرض لنوع من التعذيب، قد يتحول إلى التعاطف معها في باقي حياته ويرفض بالتالي أكل لحمها، وهو استنتاج يبدو لي مقبولا إلى حد ما، فقد عرفت نباتيين مروا بتجارب كهذه، وذكرت لي إحداهن أنها تحولت إلى كارهة للحوم عندما ذبح أهلها أرنبا ليكتشفوا في بطنها أجنة صغيرة. روت ما شاهدته بألم كبير واشمئزاز وتقزز كأنه حدث البارحة، بينهما أربعون عاما على الأقل تفصل بينها وبين هذه الحادثة.

شخصيا لم أمر بتجربة مماثلة، ولا أعتقد أن ميولي النباتية، التي لم تأخذ أبدا حيّز التنفيذ الكامل، تنبع من مشاهداتي في الصغر لعملية ذبح الخروف في العيد، تكررت أمام عيني كل عام. الفرق حسب رأيي يكمن في الجانب الاحتفالي والطقس الديني المغلف لهذه العملية، والذي يمنحها بالضرورة، طابع القداسة والفرح والابتهاج والمعايدة.

في مقابل ميلي الفطري لكره اللحوم، أَجِد أن الموجة النباتية التي تغزو العالم كل يوم أكثر، تتحول تدريجيا إلى ما يشبه المذهب أو المعتقد ويتحول معها النباتيون إلى ما يشبه الخلية المتعصبة أو الطائفة الدينية، وظني أن هذا هو أهم سبب جعلني أؤجل تحولي الكامل إلى النظام النباتي حتى الآن، فأنا ضد أي تعصب مذهبي أو عقائدي أيا كان طابعه، فضلا عن إحساسي بالمسؤولية تجاه الذين أطعمهم من يدي.

قد أحسم هذا الأمر في النهاية، وقد لا أحسمه أبدا، فليس مهما في النهاية إن توقفت عن أكل اللحوم ومشتقاتها بشكل كامل أم لا، لأن دوافعي ليست مذهبية، أو لأنني أشفق على الحيوانات وأرفض تعذيبها، فأنا أؤمن بالطبيعة بالدرجة الأولى، وأصدق نظامها، وأثق بما أوجدته داخلها من متناقضات هدفها استمرار الأنواع. دوافعي صحية بالأساس، وما دامت كمية اللحوم التي أتناولها قليلة ولا تضر بصحتي فأنا بخير، وكذلك الذين يعيشون في غابتي.