النبع أو اللهب

السبت 2017/02/18

إن أردت لنصوصك أيها الكاتب أن تولد صافية مثل حبة كريستال تعكس تشظيات الضوء وصفاء الينابيع فاكتب أوان الفجر؛ ففي هذا الوقت لا يعكر صفو اللغة شيء ولا تطالها انعكاسات الضجيج وغبار الحياة اليومية الصاخبة، بوسعك أثناء الفجر استنطاق الحجارة والأشجار والنجوم واستدراج الصور من أقاصي المخيلة، وإذا شئت أن تبدو نصوصك رصينة محبوكة متقنة مثل سبيكة ثمينة أو كموسيقى كلاسيكية كتبها باخ أو هايدن أو موتسارت، فاكتبها قبل انتصاف الليل أو عند السحر وأنت في كامل أبهتك منتشيا من نهارك ومستوحدا في رؤاك، أمامك قدح شاي معطر، تحيط بك أنوار خافتة من شموع أو مصابيح ناعسة وثمة دخان من غليون خشبي ثمين محشو تبغا مخمراً بخلاصات عشبية، عندها ستغمرك الأنغام وتحلق بك فتصوغ الكلمات كما الصائغ الماهر: مقادير معلومة بلا زيادة ولا نقصان مثل معادلة رياضية مبهجة، أما إذا وجدت نفسك تواقةً إلى كتابة نص مرح ومغناج وفياض بالسحر والحيوية والإغواء شبيه رقصة تؤديها ايزادورا دانكان أو مايا بليتسكايا فاكتبه وأنت في مواجهة شمس الغروب حيث الغمائم تتحول إلى موسلين وردي بنفسجي والنسائم تبوح بأسرار الليل الزاحف على جهتك من هذا العالم.

وإذا عزمت على كتابة قصة قصيرة أو نص عن الهوى والعشق، فاستمع إلى موسيقى ريمسكي كورساكوف، أنصت إلى تآليفه الشهرزادية أو إلى أنشودة التاجر الهندي أو أنصت لتنويعات الموسيقار الياباني كيتارو في مقطوعة انعكاسات القمر والأفضل أن تعيش موضوعك العشقي على الأرض وعندئذ لا مسوغ لكتابته فالحب غالبا يعاش ولا يُكتب، وما يكتب من قصص العشق ما هو إلا حكايات متخيلة تطوف كالرؤى بالكتّاب، أما إذا راقت لك الكتابة عن الأنوثة الخالدة متماهية بالطبيعة أو أنوثة المرأة المتخيلة خالصة دون كنايات أو رموز فيمكنك أن تتأمل نهرا أو بحيرة عميقة الغور وتكتشف ما تخبئه لك تيارات الأعماق، ستنصت إلى همهمة الماء أو انسياب المويجات وانحسارها، وقد تحرك ماء البحيرة بحجارة وعندها سترى ألفاً من المؤثرات تتشكل على سطح الماء؛ فثمة فقاعات ملونة تعكس ضوء الشمس ودوائر تتكاثر إلى ما لانهاية وظلال تختفي وانعكاسات تتشكل وتتغير في التوّ، حاول أن تمسك بالموجة أو الدوامة المائية الضاحكة، حاول أن تصطاد فقاعة قزحية زئبقية الأطياف، لن تفلح في الأمر، هكذا هي الأنوثة لا يمكن الإمساك بها أو سبر أغوارها أو فك أسرارها، إنما هي فيض حيوي يحيط بامرأة ما وليس بكل النساء، فيض من ذبذبات نبر الصوت وبريق العين وتماوج الجسد وسحر القول.

لو شئت أن تكتب عن أطفال الحروب، عن الصغار المقتلعين من دفء بيوتهم وأحضان الأم، عن الفتيات الضائعات بين المباني المدمرة لائذات بالأنقاض يرعش قلوبهن الخوف والمهانة سواء كن في أي مدينة مستباحة من مدننا، اذهب إلى مخيمات النزوح واشهد بنفسك فواجع الإنسان في الفقد والانتهاك والجوع والبرد وتجارة الرقيق حيث يبيع البعض ابنا أو بنتا مقابل أن تعيش بقية الأسرة.

دع عنك توصياتي البطرة، إنس هذه الكلمات: ينبغي ويجب وعليك أن، اكتب بجبروت شغفك الحارق كاللهب الذي يدفئ وينير ويحرق الفائض، يصير شمسا أو تجلوه النار فيغدو جوهرة ثمينة أو كُن النبع الدفاق ينحدر من أعالي الجبل؛ فيجرف في جريانه المتسارع الطين والحجارة الهشة شبيهة الكلمات الميتة والأشجار الواهنة شبيهة العبارات التي قيلت مرارا واخترع بنفسك لغة الماء والنار.

كاتبة من العراق

15