النبوغ المتأخر

الثلاثاء 2015/06/09

لم نعثر في سير من نعرف من الكتاب سوى على قلة قليلة انجذبت إلى الأدب الروائي في سنّ متقدمة، كالألماني تيودور فونتان (1819 – 1898) والأيرلندي فرانك ماك كورت (1930 – 2009) وخاصة البرتغالي جوزي سَراماغو (1922 – 2010) والإيطالي أمبرتو إيكو (83 سنة). ولكن هذه الفئة لها في تونس حضور يكاد يشكل ظاهرة. بعضهم بدأ بالقصة قبل أن ينتقل إلى الرواية، والبعض الآخر لم يجرب السرد إطلاقا، وخاض غمارها إما مجاراة لموضة العصر العربي الذي طغى فيه الجنس الروائي على بقية الأجناس، وإما طمعا في الجوائز.

والمعروف أن الكتاب التونسيين في معظمهم لم يستهوهم الفن الروائي إلا بظهورها، فكان إنتاجهم فيه ينشط بوجودها وينحسر بغيابها. حدث ذلك في مطلع الستينات عند بعث جائزة علي البلهوان التي كانت تسندها بلدية العاصمة، ثم عاد إلى الواجهة في بداية التسعينات ببعث جائزة كومار نسبة إلى مؤسسة تأمينات راعية بالاسم نفسه.

من بين المتأخرين، الذين أدركتهم حرفة الأدب في سن الإحالة على المعاش، أكاديميون قضوا حياتهم الوظيفية في تحليل النصوص وتدريس المناهج وتأليف كتب لا تتجاوز رحاب الجامعات والملتقيات الأكاديمية.

هؤلاء لم يأتوا الرواية للاسترزاق، بل بحثا عن اعتراف لم تسعفهم مكانتهم العلمية ومسيرتهم الأكاديمية في بلوغه، بعد أن صار لصفة “روائي” بريق لم يعرفه سوى شعراء البلاط في السابق وقلة من المحدثين. إيكو الذي نال صيتا عالميا بفضل الرواية يقرّ بذلك.

بعد صدور روايته الأخيرة “العدد الصفر” سئل عن سبب تناوله صحافة الفضائح روائيا، فأجاب “أكتب عنها منذ ثلاثين عاما بحوثا ودراسات لا يقرؤها أحد، لذا اخترت أن أستثمر المادة التي بحوزتي لكتابة رواية”.

ليس من حقنا أن نعترض على أي كان، فالأدب يفتح بابه لكل راغب، أيا ما يكن سنّه (المسرحي داريو فو مثلا، أصدر روايته الأولى “بنت البابا” السنة الماضية وهو في الثامنة والثمانين)، ولكن من حقنا أن نستغرب تواتر تتويج الأكاديميين، عن عمل أول لدى كل منهم، غير ناضج في الغالب، وكأن جامعاتنا تزخر بنوابغ بالقوة لا تتفتق مواهبهم بالفعل إلا في سنّ التقاعد.

والحق أن جوائزنا في السنوات الأخيرة عادت كما كانت في الستينات حكرا على فئة معيّنة، منها اللجان ومنها الفائزون، يغنمونها بالتناوب. وفي رأينا أن الأدب الروائي في ربوعنا لن ينهض ما لم ينقطع عن وظيفته الريعية من استدرار لمال حاكم أو مؤسسة، ومن طلب للجاه والشهرة الزائفة.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15