النبيذ اللبناني يسرد حكاية عمرها آلاف السنين

صناعة نبيذ آخذة في الازدهار وتعيد الحياة إلى أرض أهملت أثناء الحرب الأهلية، والمنتجون يبحثون إلى إيجاد هوية تسويق مميزة للنبيذ اللبناني وفق جودته وليس كميته.
الاثنين 2018/10/08
مذاق فينيقي

بيروت – مدفوعا بالإمكانات الواعدة للبنان في صناعة النبيذ والحنين إلى وطنه ترك ماهر حرب وظيفته الاستشارية في باريس في 2010 وزرع الكروم في أرض عائلته غير المستغلة منذ الحرب الأهلية.

وبعد سبع سنوات بدأ مصنع نبيذ سبت الذي أسسه حرب لإنتاج النبيذ المعتق ويتطلع الآن إلى التصدير لعدد من الدول الأوروبية.

يمثل حرب (36 عاما) جزءا من صناعة نبيذ آخذة في الازدهار وتعيد الحياة إلى أرض أهملت أثناء الحرب الأهلية في لبنان بين عامي 1975 و1990 وموجات الهجرة بسبب الأوضاع الاقتصادية كما تعيد المهاجرين اللبنانيين وأموالهم إلى البلاد.

وقال حرب من فوق التلال المطلة على بلدة البترون الساحلية إن التخلي عن مسيرة مهنية في أوروبا أمر صعب جدا، مؤكدا أن دافعه كان حبه للأرض.

لب

وفي ظل حالة ركود النمو الاقتصادي والديون التي تثقل كاهل لبنان والجمود السياسي يبرز نجاح هذا القطاع التجاري كنموذج للقطاعات الأخرى المتطلعة إلى التصدير.

ويقع لبنان -الذي تعود صناعة النبيذ فيه إلى عهد الفينيقيين- إلى الجنوب قليلا عن معظم الدول الأخرى المنتجة للنبيذ بالنصف الشمالي للكرة الأرضية لكن الجبال المشرفة على ساحله الحار الرطب تتيح الجو المناسب لنمو الكروم.

ومنذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان زاد عدد مصانع النبيذ من عدد محدود إلى نحو 45 شركة وعدد قليل من المنتجين للكروم.

ويتنامى الاهتمام العالمي بالنبيذ اللبناني، لكن الإنتاج منخفض، إذ يتراوح سنويا بين ثمانية ملايين وتسعة ملايين زجاجة مقارنة بما بين خمسة مليارات وستة مليارات زجاجة تنتجها إيطاليا أكبر منتج في العالم، كما أن تكاليف الإنتاج مرتفعة.

لذلك يسعى المنتجون إلى إيجاد هوية تسويق مميزة للنبيذ اللبناني وفق جودته وليس كميته.

وقال حرب إن النبيذ اللبناني ذو جودة عالية بالفعل، لكن ينقصه التميز.

يأمل المنتجون أن تعكس هذه الهوية التنوع الجغرافي في لبنان بصنع أنواع من النبيذ تحمل المذاق الفريد الخاص ببقعة الأرض الصغيرة التي تنمو فيها الكروم وهوائها.

وقال عيد عازر -وهو طبيب درس الطب في الولايات المتحدة ومؤسس مشارك في شركة فرتيكال 33 التي تزرع الكروم في أنحاء سهل البقاع، وباعت أول نبيذ تجاري لها في 2017- إن المنافسة تحتاج إلى التميز، وإنه “لا يمكنك أن تبهر شخصا لديه أفضل أنواع النبيذ في الكوكب بآخر من نوع شاردونيه”.

لبن

وأضاف من داخل غرفة لتذوق النبيذ في بيروت، وهو يقف بجوار معروضات مصفوفة على جدار لعينات من التربة وأسماء أنواع العنب، “كل مصنع للنبيذ يجب أن تكون لديه حكاية ليسردها”.

وغامر أحد منتجي النبيذ في لبنان بصناعة نبيذ ذي لون أزرق لم يكن معروفا في البلاد من قبل؛ ففي العاقورة، إحدى القرى اللبنانية الواقعة في قضاء جبيل، تنتشر أجود وأفخر كروم العنب التي يمتلكها أبو يونس، يقول “توجد في قشرة العنب سبعة ألوان، هناك ألوان قريبة إلى بعضها البعض إلا أن هناك لونا يبعد عن الألوان الأخرى ألا وهو الأزرق، وهناك مادة تدعى ‘الأنثوسيانين’ موجودة في قشر العنب الأسود إذا وضعناها في النبيذ الأبيض يتحول لونه إلى الأزرق، والأنثوسيانين هو لون أزرق وموجود في قشر العنب الأسود”.

ووصل الطبيب بيتر أبو يونس إلى هذه النتيجة بفضل تكوينه العلمي فقد درس الطب كما درس الكيمياء، وتخصص كذلك في دراسة صنع الخمر لمدة ثلاث سنوات.

ويتطلع أبو يونس إلى تصدير نبيذه نحو دول النبيذ في أوروبا ويبدو أن خطوته الأولى ستكون إيطاليا، خاصة وأنه تمكن من صناعة نوعين من النبيذ الأزرق والآخر “الدراي واين” وهو الخالي من السكر وطعمه مر. ونجاح صناعة النبيذ يعني أن وزارة الزراعة تريد لها أن تصبح نموذجا لتحسين قطاعي إنتاج زيت الزيتون والعرق. والعرق مشروب تقليدي مخمر بنكهة اليانسون.

ويتطلع المنتجون أيضا إلى أنواع محلية من العنب من أجل صنع هوية لبنانية والاستغناء عن الأنواع الشهيرة المستوردة المزروعة غالبا في فرنسا. وقال جو أسعد توما الذي يدير نيابة عن عائلته شاتو سان توماس بسهل البقاع “عندما نروج للنبيذ اللبناني في أوروبا أو كندا أو الولايات المتحدة الأميركية.. يسألوننا عما إذا كنتم في لبنان تصنعون النبيذ منذ أكثر من 4 آلاف سنة؟ لماذا تستخدمون العنب الأجنبي ولا تستخدمون العنب اللبناني؟”.

وتصنع عائلة توما العرق من عنب العبيدي المحلي منذ 130 عاما وثبت من التحليل الجيني أنه محلي أصلي.

وأنتجت شاتو سان توماس أول زجاجة نبيذ مصنعة بالكامل من العنب العبيدي في 2012. وتنتج شركتا سبت وفرتيكال 33 أيضا نبيذا من العنب العبيدي الخالص.

20