"النبي المقنع" نص مسرحي يهدم الميتافيزيقيا الشرقية

عبدالكبير الخطيبي مفكر مغربي يكتب بمبضع جراح صرخات البشر المكتومة.
الأحد 2020/05/17
تجسيد جمالي لموقف فلسفي

الكثير من الأعمال المسرحية يتفوق فيها النص على الإنجاز المسرحي من إخراج وسينوغرافيا وتمثيل، ويتجاوز الوعي الإخراجي ما يزيد من صعوبة تنفيذه على الخشبة، وفي المقابل يمنح هذا النوع من النصوص أوجها متعددة لقراءته وتمثله إخراجيا، ولكن للأسف أغلب هذه النصوص المسرحية تكون مشحونة بالفلسفة والتصورات التاريخية والوجودية وحتى الاجتماعية والعلمية وغيرها، ما يجعلها فقيرة جماهيريا، رغم ثرائها المعرفي.

المسرح العربي -والمغاربي على وجه الخصوص- المكتوب باللغة الفرنسية، مدين لأسماء قليلة، لكنها رائدة، وحفرت عميقا في الذاكرة البصرية والموروث الفولكلوري والميتافيزيقي للمنطقة بلغة أكبر من أن توصف أو تختصر بأنها “لسان موليير”، ذلك أنها ليست مجرد حامل أدبي بل تشرّع الأبواب نحو نقد مزدوج يقيم العلاقة حينا، ويقيّمها أحيانا أخرى، إزاء ثنائية “نحن والآخر”.

هذا المسرح الذي عرفناه مكتوبا قبل أن يكون معروضا، ارتدّ إلينا ثانية عبر ترجمته إلى لغة بيئته الأصلية، فكأنما نحن بصدد إعادة اكتشاف ذواتنا عبر نظرة لا تحمل لون عيوننا، لكنها تأخذ شكل تفكير أكثر فراسة وعمقا وإحاطة بالأسئلة الإنسانية والوجودية الكبرى.

كتبت بالفرنسية

المفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي (1938 ـ 2009)، وعبر مسرحيته “النبي المقنع” يبدو واحدا من ذوي المنهج الاستثنائي، إذ قال عنه الفرنسي رولان بارت (1915 ـ 1980)، “إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور والأدلة والآثار، وبالحروف والعلامات، وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر هذه الأشكال”. ويضيف المنظّر الاجتماعي في اعتراف نادر بعبقرية الخطيبي “كما أراه يأخذني بعيدا عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين أحسّ كأني في الطرف الأقصى من نفسي”.

وفي السياق ذاته، يرى الخطيبي، أن اللغة الأم تعمل عملها في اللغة الأجنبية، حيث تتم بين اللغتين عملية ترجمة دائمة، ويدور بينهما حوار خفي يتعذر كشفه وتبيانه. ومن ذلك قوله، أي الخطيبي، “عندما أكتب، أقوم بذلك في لغة الآخر.. هذه اللغة ليست ملكا لأحد”.

الطاهر بن جلون: مسرحية "النبي المقنع" نشيد معطر حول المعرفة والفن
الطاهر بن جلون: مسرحية "النبي المقنع" نشيد معطر حول المعرفة والفن

لعل مسرحية “النبي المقنع” لعبدالكبير الخطيبي، نموذج لذلك المنتج الإبداعي الذي يزخر بمقترحات فكرية وجمالية شدت إليها القراء -وربما جمهور المتفرجين بشكل أقل- وردت على سؤال التجوال في ثقافة إنسانية دون التنبه إلى الفوارق اللغوية. وكما جاء في الاستهلال الذي قدم به الخطيبي كتابه بقوله إن “المسرحية عبارة عن تفسير حر للقصة العجيبة التي كان بطلها حكيم بن هشام، الملقب بالمقنع، والتي جرت أحداثها في القرن الثامن”.

وقبل الخوض في تفاصيل المسرحية التي لم تكن في الواقع، إلا ذريعة يطرح من خلالها هذا المفكر تصوراته الفلسفية والجمالية وإسقاطاته السيميولوجية والاجتماعية، فإن صاحبها قد أرفقها بنص مواز، يحمل عنوان “المسرح لم يمت أبدا” حيث يقول فيه “فأنا أضحك، وأدور وأوجه فكرة المسرح نحو الشرق المنسي الذي ما زالت مشاهده المذهلة تجري أمام أعيننا، ولكن أشدّ عناصره سرية وعنفا لا يفهمها إلا العالمون بالأسرار”.

المتن الحكائي الذي بنى عليه عبدالكبير الخطيبي مسرحيته، يزيد قليلا أو ينقص كثيرا عن قصة حكيم بن هشام الذي ادعى النبوءة (أو الألوهية حسب الروايات التي تجنح نحو المبالغة) في أطراف بلاد فارس، إبان الحكم العباسي. هذا الموضوع -في حد ذاته- يبدو جريئا وغريبا عن التناول الرصين الجاد، والذي ينأى بنفسه عن ثيمة الهزل والغرابة في الثقافة الشعبية التي لا تتحدث عن الشخصيات الثائرة إلا عبر المزيد من السخرية والتهكم والتسطيح، حتى وإن كانت تروم أن تؤكد فكرة البحث عن مسوغات دينية لتمرير مصالح فئوية.

عناصر الصراع قائمة في هذا العمل، وذلك ضمن أبعاد أفقية وأخرى عمودية يمثلها أتباع هذا المتنبئ من جهة، ومناصرو الخليفة العباسي من جهة ثانية أي بين السياسي والميتافيزيقي. هذا بالإضافة إلى تعدد الأصوات داخل الشخصية الواحدة عبر تقنيتي الديالوغ والمونولوغ، بالإضافة إلى ما يشبه الهواتف السماوية.

القناع الذهبي الذي يخفي وجه حكيم بن هشام في المسرحية، يزيد الأمر غرابة والتباسا، فهو يغذي وجها دميما ومشوها في الحقيقة التي يراها خصومه، كما أنه يصد بريقا ربانيا لا يُقاوم في تفسير أتباعه والمؤمنين به. أضف إلى ذلك عينين تختفيان خلف حرير أخضر.

هذه المفردات السيميائية تعني الكثير لدى المتخصص في علم الدلالة، صاحب “الاسم العربي الجريح” و”كتاب الدم” و”الذاكرة الموشومة”. كما أن كثرة الهمهمات والصراخات والصيحات المكتومة في المسرحية تكشف نزوعا من الخطيبي، نحو مجاهل ما قبل اللغة من موسيقى فنية وأصوات بشرية، ما يحيلنا إلى كتاب “المسرح وقرينه” لمنظّر مسرح القسوة أنطون آرتو، الذي استأثر باهتمام أحد أقطاب فلسفة الاختلاف وهو جاك دريدا، صاحب “الكتابة والاختلاف” الذي يستحضر الخطيبي بعض ملامح فلسفته التقويضية في نقده المزدوج.

الفلسفي والجمالي

كاتب يقفز من فوق أسوار اللغة ويحتفي بالسيميولوجيا
كاتب يقفز من فوق أسوار اللغة ويحتفي بالسيميولوجيا

“النبي المقنع” مسرحية شديدة الغرابة، وتمثل حقلا غزير الدلالات، بدليل ما قاله الروائي المغربي، الطاهر بن جلون، مبينا أن المسرحية “نشيد معطر حول المعرفة والفن وحول الكذب واللعب والمضاعفة وسخرية القدر”.

وأضاف الأديب الحاصل على جائزة غونكور “اختيار موضوعة ادّعاء النبوءة، يعكس رغبة الخطيبي في تسليط الضوء على زاوية أساسية من نقده المزدوج هي زاوية الذات بكل ما تحمله من أكاذيب سياسية ومغالطات ميتافيزيقية تقلص مساحة العقل لصالح اللاعقل”.

يجمع النقاد على أن المسرحية تعتمد على مرجعيتين أساسيتين: مرجعية تاريخية تجسدها المصادر العربية والإيرانية، وكتابات المؤرخين المسلمين حول هذا الرجل، ومرجعية فلسفية تتمثل في بعض الأفكار التي بلورها الشاعر الأرجنتيني بورخيس، حول الزمن والمرايا والأبوة.

السؤال الأهم هو؛ أيّ علاقة يقيمها متخيل هذه المسرحية مع المشروع الفكري لعبدالكبير الخطيبي والقائم على ما سماه بـ”النقد المزدوج”؟

الشعر والفلسفة حاضران بقوة في “النبي المقنع” حتى لكأن المرء يتعثر عند كل جملة بمقولة تنسيه المعادل البصري للعمل وتجعل القراءة كفيلة بالاستغناء عن مشاهدتها رغم أنها تنضح بالصور والألوان واللوحات البصرية التي تغيب عادة في ما يعرف بالمسرح الذهني.

يذكرنا الأمر بكتابات نيتشه الذي صاغ فلسفته شعرا. ومن بين هذه الشذرات التي تعلق في البال جمل على شاكلة: الحياة هي اللذة المتكررة، الخمرة لذة متناقضة، الحلم خرافة قاسية، الفضاء وهم شأنه شأن الزمان، اليد هي الوعي اتخذ صورة مشهد.

الشعر والفلسفة حاضران بقوة في "النبي المقنع"، حتى لكأن المرء يتعثر عند كل جملة بمقولة تنسيه المعادل البصري للعمل

لم يغفل عبدالكبير في مسرحيته التي كتبت حتى تقرأ وتشاهد في نفس الوقت، عن إرشادات إخراجية في غاية الدقة والصرامة، حتى بدا لنا الكتاب أشبه بسيناريو، وقد خرج من ورشة عمل شديدة الانضباط، ولا تنطق على الهوى. ومن مظاهر وأمثلة هذا “الإخراج على الورق”، إشارته إلى وجود مرآة ضخمة، الهدف منها أن يرى الجمهور صورة المنظر منعكسة فيها. يتعلق الأمر إذن بنوع من المضاعفة المسرحية القائمة على “المرآوية” كما يصفها بعض نقاد المسرح.

مسرحية “النبي المقنع” وعلاوة على كونها تبدو في ظاهرها، نموذجا تطبيقيا لمشروع الخطيبي الأشمل، والمبني على فكرة “النقد المزدوج”، فإنها في شكلها وطريقة طرحها، تجسيد جمالي لموقف فلسفي ينصب على الميتافيزيقا الشرقية التي رسخت قيم المطلق والمعجز واللازمني والوثوقي والمتطابق. الأمر الذي جعل كتّاب فرنسا يفتنون بها لكونها تخلخل الرؤى الاستشراقية المثبتة في أذهانهم، فتنسيهم اللغة التي نطقت أو كتبت بها على حساب لغة أكثر كونية، تحاول تحرير المسرح من سطوة المنطوق، وإن كانت منابعها ومحرضاتها قادمة من مجاهل التاريخ والجغرافيا.

اختار حكيم بن هشام، لنفسه في المسرحية، مصيرا يطابق مفهوم المسرح لدى الخطيبي ويتمثله، ذلك أن هذه الشخصية التي تخاطب محيطها الأفقي من خلف قناع، وتشبه في ملحميتها أساطير الشرق الأقصى، تتوجه إلى العدم كسبيل أوحد نحو الخلاص.. وهو ما يشبه نوعا من الانتحار.

هذا الفناء -سواء كان عبر تجرع السم الزعاف أو الذوبان في حمم النحاس- لم يكن هروبا من محاصرة جيوش الخليفة، ولا إعلانا عن هزيمة عسكرية أو سياسية بل انتصار لفكرة مفادها أن لا نبي في قومه، وعبر خطاب لا يسترضي ويمجد المشاعر البشرية، وإنما يذهب بالسؤال نحو أقصاه فتكون المأساة وفق النموذج الإغريقي للمسرح ومفهومه للبطل.

من الطبيعي أن تحيل هذه العدمية المتلقي إلى مشاهد عبثية تطرحها آليات التشكيك كمنهجية وجودية، فحكيم بن هشام، النبي المقنع، يوحي لنفسه قبل غيره، ويصدق نفسه قبل أن يصدقه الآخرون، ويهزأ بنبوءته ويشكك فيها قبل غيره، لكنه يؤمن بمبدأ “العودة الكونية” في قوله “أعلم أن العرش المنيع سيأتي يوما، سأكون في العلياء غير ثمل.. سأكون عظيما وجميلا”.

كل هذا دلت عليه أصوات وصرخات يطلقها حكيم بن هشام في نهاية المسرحية، على شاكلة “ألا تدركون أن آيتي برق، أيها الأشقياء! لدي برهان خلودي” و”وا حسرتاه، لا بد أن أصبح إلها مرة أخرى كي لا ينهار العالم”.. يقول هذا وهو مثبت في حبل بظهره يرفعه ببطء إلى سقف السماء.. قبل أن تحاصره الجيوش البشرية، و”تحتويه طهارة الأعماق” كما يقول المفكر الوجودي التونسي محمود المسعدي في قصة حملت عنوان “السندباد والطهارة”.

كتاب يقرأ قبل أن يكون عرضا مسرحيا يشاهد
كتاب يقرأ قبل أن يكون عرضا مسرحيا يشاهد

كاتب أهم من عمله

عبدالكبير الذي سماه والده بهذا الاسم، تيمنا بالعيد الكبير (عيد الأضحى) اليوم الذي ولد فيه، عاش حياة فكرية صاخبة ومتنوعة، وفرت له فرص التعلم والتعليم في أرقى المعاهد والجامعات المغربية والفرنسية، وجعلته يكتب في مجالات متعددة ومختلفة تجمع بين النقد والدراسة والرواية والمسرح والفن التشكيلي، لكن ألمعيته ظهرت في المجال السوسيولوجي الذي دخله من باب النقد وفق حساسيات مختلفة. وارتبط النقد بالخطيبي من خلال مشروعه “النقد المزدوج” الذي شكل له مفتاحا يطرق من خلاله شتى الأجناس، وذلك لارتباط النقد بالأزمات فلا وجود لإبداع دون تحسس الأزمات من حيث هي محرضة وتفضي إلى سراديب وممرات، تؤدي بدورها إلى ما هو أعمق وإلى إثارة للجدل.

وهذا التداخل والتماهي عبر عنه الخطيبي بقوله “إنّ هويَّتنا تتشكّل من مزيج فوّار ومعقّد للّغة والثّقافات والذّاكرة حيث لا يمكن إهمال حصّة الأخر”. الغريب أن الفرق المسرحية العربية التي تناولت “النبي المقنع” لم تكن على نفس مستوى ما حظي به الكتاب من اهتمام رغم ما تزخر به من قيم جمالية وفكرية تسمح بقراءات متعددة يسمح بها الفضاء الركحي، وتنفتح على أحدث المدارس الإخراجية.

بعضهم يعزو ذلك إلى “نخبوية” ما يقدمه الخطيبي وابتعاده عن الإسفاف والشعبوية. الخطيبي، لم يكن، بالفعل، متحمسا لتلك الأعمال التي تتباهى بإثارة الصراعات الطبقية والسياسية وإطلاق الشعارات التي ترتدي أقنعة النضال الجماهيري، لذلك تجاهله غير المهتمين في الوسط المسرحي أو أساؤوا فهمه كحالة أدهى وأمر.

ومن بين هذه “الاغتيالات” التي نالت “النبي المقنع” تقرأ في الصحافة المصرية مثلا، خبرا عن عرض لمسرحية الخطيبي يقول في لغة وصفية باهتة “عرضت الهيئة العامة لقصور الثقافة، في المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته السابعة، العرض المسرحي”النبي المقنع” من تأليف الكاتب المغربي عبدالكريم الخطابي (أخطأوا حتى في كتابة اسمه)، سينوغرافيا وإخراج خالد توفيق.

ويتابع هذا الناقد الفهلوي حديثه “تدور أحداث المسرحية حول دجال يدّعي أنه نبي مرسل من السماء يرتدي قناعا على وجهه لكي لا يستطيع أحد رؤيته فلقب باسم «النبي المقنع»، ويقوم بالسيطرة على أفكار ومعتقدات سكان إحدى القرى فتصبح لديه سلطة قوية ويستطيع التحكم فيها كيفما يشاء”.

هكذا يساء فهم الخطيبي، ويقع تناول مسرحيته بسذاجة وتسطيح، وكأنه من أولئك الذين لا يرون في الكتابة إقامة لقطيعة إبستيمولوجية، تعيد النظر في الموروث بمنهج تفكيكي يتخلى عن القوالب الجاهزة ويطيل من عمر التاريخ عبر اعتماد مناهج تبحث في آليات التفكير وليس الفكر الذي ندعي تبنيه.

ليست غاية صاحب “النبي المقنع” أن ننظر في مدى صدقية الشخصية من عدمها أو هل كان الحاكم على حق أم على باطل أو أن القناع من النحاس أو الذهب الخالص، وإنما في ألمعية الفكرة التي تصور خللا أفقيا وآخر عموديا في علاقة الفرد مع ذاته وكشف أغوار غربتها.

مثل هذه السطحية تجعل صاحب “الاسم العربي الجريح” يتألم في قبره، ويتذكر سنوات الجحود والنكران قبل أن يكرمه الملك المغربي محمد السادس، موصيا بأن يحتفظ الخطيبي مدى الحياة بصفته أستاذا جامعيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، مع منحه كافة الامتيازات والحقوق.

“النبي المقنع” كتاب يقرأ قبل أن يكون عرضا مسرحيا يشاهد من خلال جمهور خائف، وبأدوات مخرج لا يتقن القراءة ويزعم أن “عبدالكبير الخطيبي -هو والجمهور- عاوز كده”.

14