النثر بطاقة الشعر

الخميس 2016/02/04

بعد “ملحمة العطش” تأتي “عشرون سيرة ذاتية للقهوة” للأردنية سميحة المصري (عن دار أزمنة – عمان) كشاعرة مفتوحة المزاج للكتابة النثرية الطويلة، وهي تنحت من القهوة عشرين سيرة ذاتية برمزية متشابكة، وكما في كتابها الأول “ملحمة العطش” ذي الجملة الطويلة المركّبة، فإن هذه السيرة القهوتية لا تخلو من تلك التراكيب “المعقدة” التي تشي بأن الشاعرة هاضمة جيدة للتاريخ والأسطورة في سِيَرها المتداخلة لتكون ناظمة ذكية لنصوصها الطويلة.

ليس هذا تقديما ولا قراءة فنية لنصوص الشاعرة سميحة المصري ولا معاينة تحتية لبنية القصيدة عندها ولا تفكيكا لآليات اشتغالاتها الفنية المدرّبة على استثمار الطاقة السردية في الكتابة الشعرية، بقـدر ما هو هاجس في القراءة لتجربة شاعرة غذت نصوصها بمعرفة شعرية لافتة للأنظار، وهي تستقرئ النص بطريقة الاكتناز المعرفي الشاحن لديمومة النص وإغراقه بالصورة والخيال والغموض اللغوي الذي نحسبه غموضا يكشف أنّ اللغة والشعر متعالقان ببعضهما، وما حولهما هو لعبة نصوصية شكلية تختلف بين هذا وذاك.

هاجس القراءة المستمرة لكتابات الشاعرة داخلي بطبيعته، وليس نقديا، إنما مشاركة قرائية تتوخى التقاط شفرات النص وتتفاعل مع نسقيته الداخلية. وهذا هو التلقي المشارِك الذي يتفاعل ضمنيا في إنتاج النص مهما اختلفنا في تقديراتنا التقييمية له؛ وهي إنتاجية وفاعلية ثقافية في إيجاد مشتركات بين النص وقارئه، مثلما هي إيجاد مسوغات جمالية للدخول المستريح إلى طاقة النص النثري من أبوابه الشعرية الكثيرة.

عشرون سيرة ذاتية للقهوة عَتَبَة نصية مغرية للـدخـول الآمن إلى هـذا الكتاب النثري الذي سلك طريق الشعر بإيحاءاته ودلالاته الرمزية المختلفة، وفي تقديرنا إن الدخول الآمن، وهو اجتراح شخصي، لأي مشروع نصي يتطلب مثل هذا الإغراء في العنونة التي أخذت من السيرة طريقا إلى القهوة، وهي مفردة غير فاعلة لوحدها شأنهـا شأن أي مفـردة في قـاموس اللغة. لكن ربطها بسيرة وبعدد هو أمر مثير لفحص النص ومن ثـم النصوص المتعاقبة بعده وهذه مهمة نقدية خالصة نتركها لمـن يهمه أن يكشف ولع الشاعرة بالعـدد وتـأويله وملاحقته شعريا في الكثير من نصوصها.

استمراء الشاعرة في النَّفَس النثري الطويل يشكل عندها بما يشبه القلادة متسلسلة الحبّات في دوران مقصود لاستدراج معرفية النص إلى مواقعه في المتن الشعري العام وإشغاله بهوامش متعددة تصلح أن تكون متونا شخصية في النص وبعده، والتلوين على رمزية شعرية تتفاوت أهميتها بحسب موقع النص من اللغة مرة ومن الخيال مرة ومن الواقع مرة، ومن كل هذه الخبطة يتشكل نص الشاعرة سميحة مغرقا بصوفيته مرة وواقعيته مرة ورمزيته مرة ثالثة.

ويجري ذلك في هذا الكتاب والكتاب السابق وما دوّنته من نصوص لاحقة في ضفيرة سردية متعاقبة، حتى لتبدو بعض النصوص وكأنها لا تنتهي، أو لا تريد أن تنتهي، لأن نسقها العام بدأ بسردية نثرية، ومع أنّ العباءة الشعرية تلازمه، إلا أنه ينفرط في كثير من الأحيان من تلك العباءة فيسير بثوبه الشخصي نثرا سرديا وقصصيا خالصا، مسترسلا بطريقة الاحتماء باللغة وتداعياتها واستخلاصاتها الصورية ومخيالها الغامض، الذي يأخذ من اللغة شحنات موجبة ويُرسل شحنات موازية لها للتلقي العام، الذي عليه أن يستخلص هو أيضا بعض المعطيات في نصوص الشاعرة سميحة ما كان منها تاريخيا أو أسطوريا أو صوفيا أو قبسا شعريا تحوّلَ إلى مُوَجّه تاريخي للدلالة الأثرية أو الزمنية أيضا، لما لهذا الإثراء التاريخي من توجيه نفسي ينسق العلاقة الضمنية بين النص وقارئه.

كاتب من العراق

14