النجاح العابر والقيمة الثابتة

السبت 2013/09/07

للشهرة طاقة تفوق الأفعال، فكم من فرد سطع نجمه وراج ذكره دون أن يكون لأعماله قيمة تسـوّغ اصطفاءه من بين خلق كثير. كذا الكتاب. فكم من كاتب كرّسه النقاد والآلة الإعلامية والمال والأصحاب رائدا ومؤسسا وحتى أميرا ترفع له ألوية النصر، دون أن يجد القارئ والدارس في أعماله ما يبوئه الصدارة. والمثال في الحالين صورة عن نجاح عابر أو زائف، لا يصمد مع الوقت، ولا يثبت أمام عوامل التعرية التاريخية، التي تعيد كل شخص إلى حجمه الطبيعي.

في المقابل، ثمة كتاب كبار لم ينصفهم النقد ولا الإعلام وعبروا عصرهم في صمت، أو لم يحظوا بالاعتراف إلا في أواخر حياتهم، إما صدفة، أو بعد أن نفض عنهم بعض الباحثين غبرة النسيان، رغم تميز أعمالهم وجدّة إبداعهم. هذا مثلا السلوفيني بوريس باهور الذي يحتفل هذا العام بعيد ميلاده المائة. فقد جعل من لغة بني قومه سلاح مقاومة، في وقت كانت فيه السلوفينية محظورة، سواء تحت حكم إمبراطورية النمسا المجرّ، أو تحت سطوة الطليان الفاشست، وأبدع نصوصا قيّمة لم يحفل بها أحد، ولم يظهر إلى النور إلا يوم اكتشفه ناشر فرنسي، صاحب دار "المائدة المستديرة "، وأصدر له عام 1967 رواية "مسافر بين الأشباح"، لم يلتفت إليها النقاد إلا عند إعادة طبعها عام 1990، بعد أن بدأ اسم باهور يتردد على ألسنة كتاب كبار مثل إمري كيريتش وجورج سمبران وتادوز بورزفسكي. كذلك الإيطالي إيتوري شميتز الشهير بإيطالو سفيفو، وهو أصيل مدينة ترياستا، مثل باهور، فقد قضى جانبا من حياته يؤلف كتبا لا تنشر، وإن نشرت – على نفقته – لا تجد من يقرؤها ولا من يعلق عليها. مما دفعه إلى ترك الكتابة والانشغال بعمل إداري في مصنع على ملك أصهاره. ثم عاد إلى الكتابة بعد صمت طويل بتشجيع من جيمس جويس، فلما نشر روايته "وعي زينو"، وكان قد جاوز الستين، أثنى عليه أوجينيو مونتالي، وكذلك الفرنسي فاليري لاربو الذي فتح له أبواب الترجمة. وما كادت أعماله تظهر في لغات العالم الحية، حتى شهد النقاد بنبوغه وعدوه أحد الثلاثة العظام في الآداب الإيطالية إبان القرن التاسع عشر، إلى جانب بيرانديلّو ودانونسيو.

وقد يحدث العكس، فيشهد الكبار بنبوغ واحد من زملائهم، فإذا ما قضى نحبه غام ذكره. وهو ما حصل للروسي إيفان غونتشاروف عقب صدور رائعته "أوبلوموف"، التي حازت إعجاب كل من تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف، وعدّ النقاد بطلها أسطورة أدبية، تماما مثل فاوست ودون جوان، فيما تحدث المفكرون عن الـ"أوبلوموفية" كفلسفة في الحياة، وحاز عنها غونتشاروف شهرة فاقت شهرة كتاب جيله. ولكنْ قليلون هم الذين يذكرون اليوم اسمه عند الحديث عن عمالقة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر. ما يشفع له أن أثره لم يفقد قيمته، ولا يزال بعض الهواة يستحضرونه.

يقول أنشتاين : "لا تحاول أن تكون رجلا ناجحا، بل حاول أن تكون رجلا ذا قيمة." لأن النجاح نسبي وقد لا يدوم، أما القيمة فثابتة، حتى بعد رحيل صاحبها.

16