النجدة من القيم التي انحسرت بفعل اللامبالاة

الأحد 2017/09/24

من الدروس الأساسية التي نتلقاها في أسرنا أن للقيم الأخلاقية -ومنها قيمة النجدة- أهمية كبيرة للمحافظة على صلابة وتماسك العلاقات الأسرية والاجتماعية. وهناك أيضا بعض المواقف لا تنسى وتبقى نتوءا على سطح الذاكرة لأهميتها في ذاتها أو لقيمة الدرس المستخلص منها، ومن بينها موقف عايشته، حين زرت أقربائي في العاصمة تونس، وصادف أن نشب خصام في المنزل المجاور علت خلاله الأصوات وتعالت صيحات طلب النجدة، فهرعت مع الجمع ولم أفهم من الأمر شيئا إلا أنني رأيت شابا مخمورا يرتدي بزّة عسكرية يمسك بتلابيب شيخ يحاول تعنيفه.

وبما أنني دارس أدب ومدرّسه وتشبّعت بمعاني النجدة والنخوة وكفّ الأذى والنصرة التي طبعت السلوك الاجتماعي العربي في كل العصور، سارعت لنجدة الشيخ محاولا رفقة أقربائي تهدئة الشاب وفضّ النزاع دون الخوض في التفاصيل، ولكن الشاب لكمني على وجهي في غفلة مني، وسارع أقربائي للنيل منه ثم غادر متوعدا. وبعد عدّة أيام علمت بأن الشاب حشرني في الأمر، واتصلت بي الشرطة وسجلت إفادتي، وكنت مستعدا لتحمّل تبعات موقفي بل كنت فخورا بذلك ولم أدر حينها أن معاني النجدة سائرة نحو التقلص ثم الانقراض تقريبا.

استحضرت هذه الحادثة لما نقرأه على صفحات وأعمدة الصحف وما نسمعه على أمواج الإذاعات وما نشاهده على شاشات التلفزيون، وبالأخص ما يعترضنا ونحن نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي وما يصادفنا في الشارع من مآس وفظائع تحدث في الطريق وفي الأماكن العامة وفي وسائل النقل الخاص والعمومي.

كم من فتاة وقع اغتصابها جماعيا أمام أنظار الجميع ودون أن يتجرّأ أحد على نجدتها، الأدهى والأمر أن الاغتصاب أصبح يتم في وسائل النقل وكأنّ مستعملي هذه الوسائل لم يروا ولم يسمعوا ولم يشاهدوا. هل هذه اللامبالاة تقيّة أم خوف أم سلبية أم عدم مروءة؟

عمليات السطو والسرقة والنشل تتمّ أيضا في الأماكن العامة وفي وسط الحشود البشرية دون أن يتجرّأ صاحب نخوة وينجد الضحية وكأنّ الأمر لا يعنيه، المهم أنه ليس الضحية، وبتعبير تونسي قحّ نقول “أخطئ رأسي واضرب” تجسيدا للمعنى الأقصى للامبالاة.

أمّا المشاجرات التي تبدأ بتراشق السّباب والشتائم وتنتهي إلى عنف مادي تسيل خلاله الدماء باستعمال العصيّ والحجارة وأحيانا الأسلحة البيضاء وتفضّ تلقائيا أو بتدخل رجال الأمن إذا صادف أن كانوا قريبين من مكان الحادث، المهمّ أن المتواجدين على عين المكان يكتفون بالفرجة وكان بإمكانهم إذا تدخلوا أن يمنعوا الأضرار البدنية من الحدوث والتي قد تصل حدّ الوفاة.

لسائل أن يسأل لماذا لا يهرع الناس لنجدة بعضهم البعض ويمنعون حدوث بعض الكوارث الأخلاقية أو الجرائم؟ المبررات واهية مهما كانت وجاهتها، فالناس يتعللون بالنأي بالنفس درءا للوقوع في مطبات هم في غنى عنها قد تلحق بهم الأذى والضرر، وبشيء من الموضوعية نلتمس لهم الأعذار، لأن الكثير من الذين تدخلوا لفضّ عراك أو نجدة مغتصبة أو منع عملية سرقة أو نشل تعرّضوا للسب أو الضرب أو حتى القتل.

المعتدون في جميع المضايقات والجرائم التي تقع عادة ما يرتكبون جرائمهم عن سبق الإضمار والترصّد، يعني أنهم يخططون طويلا ويدرسون تحركات ضحاياهم ثم ينفذون، ما يعني أيضا أنهم مستعدون للدفاع عن “جرائمهم” كما هم مستعدون لمضاعفة الضحايا من أصحاب النخوة والمروءة عند “حشرهم” لأنفسهم في موضوع “لا يعنيهم”. أما الأغرب من كل ذلك والذي ينفّر فعلا الناس من نجدة المستغيث أنّ الضحية نفسها تنكر أحيانا على المتدخّل تدخله وتنعته بالفضول والتطفّل.

هذه الأسباب وإن كانت وجيهة ومقنعة إلى حدّ ما فليست مبررا كافيا لنترك المارقين والمعتوهين والشواذ والمجرمين يقومون بجرائمهم في وضح النهار وأمام أعين الجميع في الأماكن العامة كالمحطات وغيرها. فالنجدة من أهمّ القيم العربية التي آمنّا بها منذ نعومة أظافرنا.

نجدة المستغيث ليست قيمة عربية فحسب، بل إنها قيمة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والدينية والأيديولوجية، لأن مثل هذه الجرائم تقع في أماكن عديدة في العالم. طالعتنا مثلا قضية اغتصاب جماعي لطالبة في الهند هزّت أركان الإعلام العالمي وتعاطف مع الضحية كل من اطلع على الخبر سواء في الوسائل الإعلامية التقليدية أو وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن المؤكّد أنّ النجدة المباشرة للضحايا تقلصت بشكل كبير حتى خلناها ستنقرض ولكن المروءة لم تنقطع وهناك من يضحّي بنفسه في سبيل إنقاذ شخص يستغيث، ما يعني أن القيم النبيلة لا تندثر بسهولة في مجتمع آمن بها. الوجه الإيجابي الثاني هو أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة نقل مباشرة لما يحدث من جرائم وهو أمر يساعد على تتبع الجاني وعدم إفلاته من الملاحقة القضائية ولو بعد حين فيضمن على الأقل حق الضحية.

كاتب تونسي

21