النحاة العرب سبقوا نعوم تشومسكي.. نظرية محفوفة بالمغالاة

الترجمة العلمية العربية تحاول مواكبة ثورة المصطلحات وسط صدام بين المترجمين.
الأحد 2021/04/25
الترجمة ليست فقط نقل معلومات (رسمة للفنان صادق كويش)

ساهمت الترجمة في انتقال المعارف والعلوم والآداب والفنون من ثقافة ولغة إلى أخرى، حيث ما كان للبشرية أن تصل إلى ما هي عليه اليوم من تطور لولا الترجمة، وخاصة الترجمة العلمية التي تناقلت بين اللغات أهم النصوص العلمية، لتقود العلوم الإنسانية إلى فجر جديد. ورغم أن العرب كانوا من السباقين في إيلاء الترجمة العلمية الأهمية الكبرى فإنهم اليوم أمام مآزق في ما يتعلق بهذا النمط من الترجمة، ومنقسمون بين من يدعو إلى الترجمة وفق مبدأ التأصيل، وبين من يرى في التأصيل مغالاة ولا بد من الانفتاح أكثر.

في كل لغة بنيان معرفي خاص بها يتناقله من يتقنها، ولكن حدود هذه المعرفة سيكون مرتهنا إلى حواجز كل لغة على حدة، لذا جاءت الترجمة لتفتح اللغات على بعضها البعض، فخرجت بالمعرفة من حيز كل لغة وجعلت العلوم في متناول الجميع. فلولا الترجمة لم يعرف العرب فلسفة وعلوم اليونان القديمة، ولم تعرف أوروبا هذه العلوم نقلا عن الثقافة العربية. فالترجمة هي الطريق الوحيد لنقل المعرفة من لغة إلى أخرى.

في تناول جديد لموضوع ترجمة المصطلح العلمي صدر عن وزارة الثقافة في سوريا ضمن سلسلة قضايا لغوية، كتيب حمل عنوان “ترجمة المصطلح العلمي مبادئ أساسية” وهو يحمل العدد 43 ضمن إصدارات الوزارة، ومن تأليف الدكتورة لبانة مشوح، الباحثة والأديبة المختصة بعلوم اللسانيات والتي تشغل حاليا منصب وزيرة الثقافة في سوريا.

المغالاة في التراث

انطلقت المؤلفة في مواجهة لحظة بالغة الحساسية بالنسبة إلى موضوعة الترجمة والبحث في المصطلح العلمي. وهي نقل المعرفة بشكل لا لبس فيه ولا غموض.

وتكتب “إن لترجمة المصطلح مبادئ ومناهج وأصولا ينبغي للمترجم أن يدركها ويلتزمها، وأن يحكّم في ممارساته الترجمية الأمور، منتقيا ما يصيب به الهدف في نقل المفاهيم العلمية بعيدا عن اللبس والغموض، بما لا يسيء إلى أصول العربية ومقاييسها وجمالها، وبما يرسخ المفاهيم العلمية، ويسهم في نشرها، وصولا إلى بناء مجتمع المعرفة الذي ينتقل بالأمم من الجهل والعجز إلى المعرفة والقدرة".

هناك سنويا ما يزيد عن التسعة آلاف مصطلح جديد في اللغة الإنجليزية وحدها معظمها في جانب العلوم التقنية

تناولت مشوح مواضيعها في مخطط قدم تأطيرا واسعا لموضوعة الترجمة، فكتبت في المبادئ أولا ثم في التعريب ثم في إحياء الفصحى وبعد ذلك خصصت مبحثا في تفنيد أساليب الترجمة من التوليد للاشتقاق ثم المجاز فالنحت، وغيرها من المجالات المتعلقة بالترجمة.

وعن إمكانية أن يحمل المصطلح المترجم أكثر من معنى واحد ومن خلال اعتماد مصطلح “النص المفتوح” كمثال، كتبت المترجمة والباحثة “مصطلح النص المفتوح ظهر في النقد العربي عام 1969 بدلالة المفهوم الغربي نفسه، أي بدلالة تعدد احتمالات تأويل النص، وقد انزاح في النقد العربي عن مفهومه البدئي، فأصبح لاحقا يطلق على الكتابة التجريبية ثم وسمت به قصيدة النثر، أما شعراء ما بعد الحداثة، فقد مارسوا التجريب في النص المفتوح إلى حد تحطيم العلائق اللغوية وتجاوز الصور التقليدية، فأصبح مصطلح النص المفتوح دالا على مفهوم اللامألوف بما يتصف به من إغراق في التعقيد والكثافة الشعرية، ثم أصبح يعني النص الجامع لخصائص أناس وأنواع أدبية مختلفة، ثم استعمل بمعنى النص المنفتح على الإنسان وقضاياه الكونية والاجتماعية برؤى عصرية”.

 لا يقف كتاب الدكتورة مشوح عند حدود تقديم أفكار علمية وافدة والبحث في تأصيلها وإمكانية دمجها في لغتنا، بل يدخل بنا إلى ما يمكن أن تعنيه الترجمة والمصطلح في صلب حياتنا اليومية وذهنيتها الدينية والاجتماعية. فهو يضعنا من خلال منظور العمل التراثي وعلاقته بمفهوم العمل التوليدي أمام موقف بعض الباحثين العرب من الأمر واستنتاجهم الخاطئ بأن النحاة العرب قد سبقوا نعوم تشومسكي في نظرية النمذجة الرياضية للنحو المقارن.

تكتب الباحثة عن ضرورة توخي الحذر الشديد في ترجمة المصطلح العلمي بالاستناد إلى إحياء التراث وتقول إنه “من الأدلة الكثيرة على وجوب الحذر في المغالاة في إحياء التراث عند وضع المصطلح العلمي العربي الحديث، أنه قد يكون في استعارة مصطلح تراثي لترجمة مصطلح أعجمي ذي دلالة دقيقة تغيير في الدلالة زيادة أو نقصانا. من ذلك مثلا أن المصطلح الفرنسي concubinage ومقابله الإنجليزي common law marriage  يترجم في علم الاجتماع بالمساكنة. وقد اعترض بعضهم على ذلك محتجين بأمرين: أحدهما لغوي والآخر أخلاقي”.

نقل المفاهيم العلمية بعيدا عن اللبس والغموض
نقل المفاهيم العلمية بعيدا عن اللبس والغموض

وتتابع “أما الحجة اللغوية فتقوم على أن هذا النوع من العلاقة بين رجل وامرأة يتقاسمان السكن خارج مؤسسة الزواج المعروفة يعبر عنه  في العربية بالسفاح، أي الزنى، وبشكل أدق أن تقيم المرأة مع الرجل على فجور وتعيش معه في الحرام. وزاد أصحاب هذا الرأي على حجتهم اللغوية حجة أخلاقية مفادها أن اعتماد مصطلح المساكنة من شأنه تبسيط هذا النمط السلوكي بما يسهل قبوله، ويرسخ انتشاره في مجتمعاتنا العربية”.

ومن الناحية اللغوية البحتة، لا بد من التفريق بين السفاح كمصطلح فقهي والمساكنة كمصطلح اجتماعي، والفرق بينهما كبير، فالمساكنة مصطلح يوصف حالة اجتماعية، بينما يوصف السفاح حالة أخلاقية، أي أنه يطلق حكما أخلاقيا على هذا النوع من العلاقات التي تنبذها أخلاقنا وثقافتنا من حيث المبدأ.

ووفق المثال السابق نتساءل ماذا ينبغي للمترجم أن يفعل؟ وأي المصطلحين يختار؟ وهنا يأتي رأي بعضهم بأن المترجم ناقل، وناقل الكفر ليس بكافر، أي إن عليه أن يختار المقابل الأقرب لدلالة المصطلح في اللغة المصدر، فإذا كان فيه حكم أخلاقي انتقى السفاح، وإلا فإن عليه أن يتجنب استعارة المصطلح التراثي. هذا من الناحية الترجمية العلمية الحرفية البحتة، إذ ينبغي التزام القاعدة الذهبية، ألا وهي توخي الأمانة في النقل.

في تعريف المصطلح

في تعريف الترجمة آراء، وقد جاء في لسان العرب لابن منظور أن التُرجمان والتّرْجَمان: المفسِّر للسان والجمع التراجِمُ. أما في تاج العروس فجاء: ترجم الترجمان قيل نقله من لغة إلى أخرى. وفي المعجم الوسيط: ترجم الكلام بينه وضحه، وترجم كلام غيره وعنه، نقله من لغة إلى أخرى، وترجمة لفلان، ذكر ترجمته، الترجمان هو المترجم، جمعه تراجم، وتراجمة.

 في الغرب عرف جون دوبوا في “معجم اللسانيات” مصطلح الترجمة traduction بقوله “الترجمة هي نقل رسالة من لغة انطلاق ‘اللغة المصدر‘ إلى لغة وصول ‘اللغة الهدف‘”.

 ومما هو ثابت أن الترجمة عرفت في تاريخ الحضارة العربية منذ ما قبل الإسلام، وخلاله توسعت وبلغت أوجها في القرن الرابع الهجري، وفي عهد الخليفة العباسي المأمون أنشأ “بيت الحكمة” الذي كان أكبر مركز للترجمة في العالم وفيه ترجم العلماء الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية وكتب العلم والمعرفة.

وخلال فترة ازدهار الترجمة وضع العالم الخوارزمي كتاب “مفاتيح العلوم” الذي قدم فيه ترجمة ما يقارب الـ2500 مصطلح، وأوجد تفاسير لها من خلال اللغة العربية ذاتها وكان هذا الكتاب أول مؤلف يقعد للترجمة.

لماذا الترجمة

لبانة مشوح: يجب الحذر في المغالاة في إحياء التراث عند وضع المصطلح العلمي العربي الحديث لكي تتحقق الدلالة الدقيقة
لبانة مشوح: يجب الحذر في المغالاة في إحياء التراث عند وضع المصطلح العلمي العربي الحديث لكي تتحقق الدلالة الدقيقة

 تكمن أهمية ما جاء في كتاب “ترجمة المصطلح العلمي مبادئ أساسية” في إطار فهم الحاجة إلى العلوم في زمننا المعاصر الذي يتصف بغزارة الإنتاج العلمي. ومن الضروري مسايرة ذلك من خلال الترجمة. فمنذ فجر التاريخ البشري كانت المعرفة الديدن الذي يسعى إليه الإنسان، بها عرف محيطه، فبنى كهفه ومن ثم بيته، واستشعر مكامن الخطر فحمى نفسه وطور نظم حياته فرسم ونحت وعرف الموسيقى والغناء إلى أن أوجد أبجديات لغوية كانت مفاتيح بين يديه ليكتب ويوثق المعرفة التي وصل إليها. فاللغة حاضن للمعرفة، وعن طريق الكتابة ينقل عارفوها علومهم لأجيال لاحقة.

وفي مرحلة متقدمة في سلم الحضارة الإنسانية وعى البشر أنهم مختلفون لغويا، وأن هنالك لغات أخرى وبالتالي مكامن معرفة مختلفة ومتنوعة، وأن السبيل إلى تحصيل تلك العلوم هو معرفة تلك اللغات، وهو ما يعني الترجمة، التي من خلالها ستنتشر المعرفة وتنتقل علوم كل لغة إلى غيرها، وهذا ما يعني استفادة الجميع من الطاقة المعرفية التي ستحقق تقدما حضاريا يشمل الجميع.

ويؤكد علماء الحضارة الإنسانية واللغات القديمة وعلوم اللسانيات أن عدد اللغات في العالم التي عرفها التاريخ البشري يتجاوز الستة آلاف. كما أن التقدم العلمي الكبير يوجد سنويا ما يزيد عن التسعة آلاف مصطلح جديد في اللغة الإنجليزية وحدها، معظمها في جانب العلوم التقنية، وهذا ما يفرض على سكان العالم من بقية الشعوب واللغات أن يتفاعلوا مع هذه المستحدثات الإصطلاحية ليكونوا في مواكبة الحدث المعرفي اليومي والمتغير، لضمان أن يكونوا جزءا من العالم المعاصر.

في العالم العربي ظهرت مسألة ترجمة المصطلح العلمي، وتجاذب ذلك العديد من الآراء التي تلاقت وتصادمت. وكانت مسألة تأصيل المصطلح العلمي راسخة. ذلك أن العرب المشتغلين في الترجمة انقسموا إلى فريقين. الأول مع فكرة التأصيل، وهم الذين طالبوا بالعودة إلى التراث العربي والتحري عن الكلمات التي وجدت في أمهات الكتب المعرفية العربية وتخير المناسب منها في وضع مقابل للكلمة الأجنبية، مستندين في ذلك إلى أن هذه الكلمات قد راجت في الثقافة العربية وصارت مألوفة ويمكن الاستدلال بها في توجهات جديدة.

 أما الفريق الآخر فرفض موضوع التأصيل وطالب باعتماد طرق جديدة في الترجمة للوصول إلى مكافآت لغوية اصطلاحية عصرية مناسبة تبتعد عن الغموض، مستندين في ذلك على العديد من الأفكار منها قصور اللغة العربية على تقديم كم كبير سريع التدفق لكلمات أجنبية وافدة.

توجهات مجمع اللغة العربية في القاهرة حاولت أن تتماشى مع نظرية التأصيل من حيث اعتماده على تبني اللفظ العربي القديم بشرط اعتماد اللفظ العربي على المعرب إلا إذا اشتهر المعرب، واعتماد اللفظ العربي القديم إلا إذا كان قد اشتهر اللفظ الجديد.

ضبط المصطلحات

العلوم تحتاج ترجمة خاصة
العلوم تحتاج ترجمة خاصة

  في سبيل الوصول إلى ترجمة المصطلح العلمي ذهب المترجمون العرب في ثلاثة اتجاهات. الأول منها اعتمد رسم منطوق الكلمة باللغة الوافدة مثل كاميرا أنزيم فيتامين. أما الثاني فكان في شكل إيجاد مكافئ لفظي ناتج عن تشارك المفاهيم العامة مثل مصطلح مذياع عن Radio والأشعة السينية عن X- rays ، أما الفريق الثالث فذهب إلى استنباط مكافئ اصطلاحي من جذور اللغة العربية، وهو ما يمكن تسميته تعريب المصطلح مثل حورفة عن كلمة Transliteration.

ورغم وجود مصطلح الترجمة قديما والعمل عليه في العديد من الحضارات عبر التاريخ البشري، إلا أن النظرية المتكاملة الأولى لهذا العلم لم تظهر إلا في الربع الأخير من القرن العشرين. حيث وجدت نظرية الترجمة وكان لهذه المرحلة منظروها الذين قعدوا لهذا الوافد المعرفي، وبات أحد فروع الدراسات اللسانية.

ولا شك أن ظهوره كان حاجة ملحة لمواكبة حركة التطور العلمي والوصول إلى ما يسمى ضبط المصطلح لتحقيق أعلى قدر ممكن من النقل المعرفي السليم.

ونذكر أن لبانة مشوح أكاديمية وباحثة وأديبة ومترجمة سورية وهي عضو في مجمع اللغة العربية بدمشق حازت على جائزة الدولة التقديرية للدراسات والترجمة عام 2019 ووسام السعفة الذهبية برتبة فارس لها بحوث ودراسات في اللسانيات  والترجمة. ترجمت أعمالا من الإنجليزية والفرنسية منها: ذهول وارتعاش وحروب سورية وأيسر التفاسير والعلوم العربية في عصرها الذهبي
والاقتصاد الهندسي.

11