النحات السوري مصطفى علي أكثر من فنان.. إنه ظاهرة

الفنان السوري حفر جحورا تحت منزله ليحوّل حارته الدمشقية إلى منطقة فنية.
الخميس 2019/08/29
على يديه ولد جيل دمشقي جديد عاشق

يمكن للفن أن يحوّل الأمكنة والأشياء الأكثر تهميشا إلى جنان وكائنات مليئة بالضوء. حيث تكفي لمسات الفنان لتغيير الحجارة والأصوات والكلمات والأشكال وغيرها من كل ما هو موجود إلى مادة فنية، تذهب بها إلى وجود آخر، وجود جمالي خلاق. هكذا ما انتهجه الفنان السوري مصطفى علي الذي حوّل حارة دمشقية قديمة ومهملة إلى منطقة فنية تفيض جمالا.

يقول الفنان مصطفى علي، الذي صنّف يوما بين أكثر مئة شخصية عربية مبدعة، قوية ومؤثرة، إن “التاريخ يدخل في جينات الإنسان الإبداعية من خلال الإرث الحضاري والفكري والمعرفي، كما أن الجغرافيا تترك بصمتها عليه، إلى جانب البيئة والناس، لينتج في النهاية فنّا، ظاهره عالمي وباطنه مشبع بالمحلية”.

على ضوء الشموع، بدأ الطالب في كلية الفنون الجميلة، مصطفى، مغامرته الفنية الأولى في العاصمة دمشق. الرومانسية لا علاقة لها بالأمر، بل انقطاع التيار الكهربائي الدائم عن واحد من أفقر أحياء العاصمة، التي تتحول إلى بحر من طين في الأيام الماطرة، وهي كثيرة في شتاء دمشق القارص.

إنها “القابون” منطقة عشوائية يقطنها، غالبا، متطوعون في الجيش، هجروا الريف، الذي كان في ذلك الوقت يعاني الفقر، ورحلوا إلى العاصمة دمشق.

رحلة فنان

وجود جمالي خلاق

الدمشقيون كانوا يتندّرون على ظاهرة الهجرة من ريف الساحل السوري إلى العاصمة؛ يقولون إن المولود الجديد هناك يضربه والداه على رأسه لحظة الولادة، قائلين له “إلى دمشق”.. ومن حظ سوريا وحظ دمشق، أيضا، أن مصطفى علي تلقى صفعة على رأسه، ورحل إلى العاصمة يدرس الفن فيها.

دخلها فقيرا، لكنه دخلها غازيا.. أحب دمشق وأحبته، وكان قدره أن يترك على معشوقته الأثر الكبير؛ لا أعلم كيف استطاع في فترة وجيزة أن يتقن اللهجة الدمشقية، ويشرب إيقاع الحياة هناك بسرعة مذهلة. توق مصطفى للنجاح، صعب أن يولد في إنسان مرتين، ما بالك أن يكون هذا الكائن صغير الحجم، رقيق العود. بقدرة خارقة استطاع أن يرمي الماضي خلفه، هو لم يتخل عن جذوره، بقي فينيقيا، تشعر أن روحه معلقة في “رأس الشمرة” (الاسم المحلي لأوغاريت أشهر المدن الفينيقية، التي يقال إنها شهدت ميلاد أول أبجدية عرفها الإنسان).

على أطرافها كانت طفولة مصطفى، التي يقول إنه يعرف جدرانها وشوارعها، وشكلت مصدر إلهامه، هناك تعلم أول أبجديات الفن، وهناك كتب، على لوح محفوظ، أقدار ظاهرة فنية اسمها مصطفى علي.

من أوغاريت انطلق إلى دمشق “القميص الذي ارتداه في جيل آخر”، هكذا يقول. في دمشق القديمة تشكّل حلمه الكبير، بافتتاح مركز فني مفتوح للشرق الأوسط، يستحق أن يولد في أقدم عاصمة في التاريخ.

صعب أن يخضع فنان مثله للتصنيف، هل هو نحات كما تقول شهادة تخرّجه، أم رسام كما تقول دفاتره، وأوراقه، أم مصمم، أم هو شاعر، أم ذواق.. إنه كل ذلك، وأكثر.

ما زلت أتساءل إلى اليوم ماذا فعل مصطفى في “كرارة” الإيطالية حيث أمضى بضع سنوات، هل كان فعلا يدرس هناك النحت في البلدة التي ارتبط اسمها بأعظم نحاتي عصر النهضة الإيطالية ومنهم مايكل أنجلو.

أعتقد أن مصطفى ذهب إليها حاجا، يتواصل مع أرواح فنانين عظام مروا من هناك، يقدم لهم فروض الطاعة. غير ذلك، لم أجد تأثيرا يذكر تركته مقالع الرخام على مصطفى وعلى أعماله. بقي فينيقيا عاشقا خشب الزيتون وعاشقا خامة البرونز.

تحولات المكان

النحات السوري مصطفى علي

لم أقرأ في كتب التاريخ عن فنان حفر جحورا تحت منزله حولها إلى أجمل غاليري وحانة، تلتقي فيها دمشق وزوارها المميّزون، إلا مصطفى علي، وحيوان صغير اسمه الـ”خلد” (الخلد حيوان من فصيلة القوارض يقال إنه أعمى، يعيش في جحور يحفرها تحت الأرض ويتغذى على جذور النباتات).

حفر مصطفى بيديه جحورا تحولت إلى متحف، وكانت سببا في نقلة نوعية شهدتها حارات دمشق القديمة المليئة بالقاذورات، حينها، لتتحول إلى منطقة هي الأهم والأشهر في دمشق القديمة وحاراتها.

نفخ الفنان الظاهرة الروح فيها، على مقربة من الحي المنزل الذي شهد طفولة شاعر دمشق العظيم نزار قباني، بين حي “الأمين” والـ“قشلة”. في زقاق ضيق مسكون بالقطط والقاذورات.

كنت محظوظا أن أقطن هناك خلال سنين الدراسة مع مصطفى في قبو يقابل كنيسا يهوديا، عشت هناك ورحلت دون أن أترك أثرا خلفي.

مصطفى لم يفعل ذلك، بل كتب تاريخ المنطقة، نظفها من القاذورات، وأقنع أصدقاء فنانين باقتناء منازل شبه مهدّمة فيها، تعلموا منه كيف يحولونها بصبر إلى بيوت دمشقية أحيت ماضي عاصمة الأمويين.

تحولت “القشلة”، وهي كلمة محلية تعني “السكنة العسكرية”، إلى جوهرة في قلب دمشق القديمة، وشهدت غزو مطاعم وفنادق، يتحدث الناس عنها بإعجاب كبير.

النحات السوري مصطفى علي

البيت نفسه تحول إلى مشغل وملتقى لفنانين وكتاب وشعراء.. حضن اجتماعات ونقاشات وإبداعات جيل لم يتسن للكثير ممن ينتمون إليه الحصول على فرصة للشهرة أو حتى للعمل. ومع البيت، تحولت المنطقة إلى حي للفنانين، ظهرت فيه مراكز فنية استقطبت زائرين ومهتمين بالثقافة والفن والتراث.

البعض يقول، عن جهالة، إن مصطفى علي مقرب من مسؤولين في الحكم، مهّدوا له الطريق وسهلوا له الأمر، وأنا أقول لهم إنهم على خطأ وأصحّح الأمر؛ المسؤولون هم من تقرّب من مصطفى علي. تماما كما تقرّب أمراء فينيسيا من مايكل أنجلو وليوناردو دا فينشي.

عمالقة الإبداع في سوريا أمثال نزار قباني، وصباح فخري، وحنا مينه، وأدونيس، وفاتح المدرس، ولؤي كيالي.. وقافلة كبيرة سبقتهم وجاءت بعدهم، لم يكونوا يوما صيادي جوائز، أو باحثين عن هبات، تجود عليهم بها سلطات بلادهم. السلطات كرّمتهم، لأنها أرادت أن تكرّم نفسها، وهم يستحقون التكريم.

على يدي مصطفى ولد جيل دمشقي جديد، جيل يعشق الفن والحياة والحرية والنظافة والأناقة. لا تتفاجأ إن أنت ذهبت إليها، بعد انقطاع سنين طويلة، لترى أن الأرصفة لم تهجرها القطط، فهي ما زالت موجودة، أعدادها تضاعفت، وكذلك أحجامها.

إلى جانب القطط، هناك شابات وشبان، يشاركونها الأرصفة، وكراسي الحدائق، يعزفون الموسيقى، ويشربون الجعة، ويتحدثون في السياسة والفن والشعر والرياضة.

هل كان لهذا كله أن يحدث لولا ظاهرة اسمها مصطفى علي.

15