النحات عاصم الباشا: وطني هو الرصيف

الأحد 2013/09/01
بريشة الفنان جمال الجراح

عاصم الباشا النحات العالمي الذي كانت عواصم العالم رحبة لاحتضان أعماله، بينما ضاقت بها دمشق فوطّنها التراب، الفنان الذي شغلته الوجوه الإنسانية وما تعكس من عوالم داخلية، كاتب الرواية والقصة القصيرة وأدب الرحلات الذي ولد في الأرجنتين، عاش في العديد من مدن العالم وعواصمه تاركاً فيها أثراً وحاملاً منها آثاراً.

قال لـ"العرب الثقافي" لا أحتمل مفردة "الوطن"، وكلما اضطررت لذكرها أضعها دومًا بين هلالين. علاقتي هذه مع المفردة بدأت منذ وعيت أن "وطني" هو ذلك الرصيف الذي أمشي عليه بكرامة. وما من وجود لرصيف كهذا في العالم العربي قاطبة. أفضّل إذن التحدّث عن البلد.

أما وصفي البلد كجرح فليس جديدًا، فكلّ أرض نحبها وأهلها تبقى جرحًا طالما غابت عنها شروط الحياة الكريمة: الحرية والكرامة والمفهوم الصحيح للشرف الذي حدّدته مجتمعاتنا في جزء من الجسد النسائي، ولم تصادف شيئًا اسمه الحرية، وعاشت منتهكة الكرامة.

لذا نقطن بلادًا كالجرح. مع بداية الحراك الذي استحال ثورة زاد النزف بالطبع، وطال بسبب التكالب من الجهات الأربع على طموحات شعبنا السوري. ما من مصلحة أحد غير السوريين أن تكون سورية حرة ديمقراطية مدنية، بدءًا من إسرائيل. وبما أن الغرب برمّته لا يستجيب سوى لمطالب الصهاينة تركونا وحدنا أمام القاتل.


الثقافة وطن


ولعاصم الباشا مفهوم مختلف للوطن فبحسب رأيه أن (الحدود لم تضعها شعوبنا لذا لا يمكنني الإيمان بها. هاجر والدي إلى الأرجنتين سنة 1930 من الميناء السوري الذي اسمه بيروت. فكيف لي أن أومن بما رسمه المستعمر ويناسب الطغاة الحاكمين؟). انغمست بتاريخ منطقتنا وتراثها وثقافتها فغدت صلب معارفي، وما تسنى لي من التعامل مع ثقافات أُخر انصب دومًا لإغناء الأرومة الأمّ، ومن هنا لابد من الإدراك أن المفهوم لم يتغير وأن من الطبيعي أن يشغلني، لأنه ينزف منذ زمن.


نحات يكتب


وكان الباشا منذ فترة وجيزة قد أعلن أنه يضع روايته التي لم تنشر "غبار اليوم التالي" تحت تصرف من يريد فأردنا أن نعرف مصير الرواية وما إذا تم التواصل معه من قبل أية دار نشر بشأنها قال: هي رواية كففت يدي عنها سنة 1996 يصعب أن يقبل بها ناشر كما هي.

ربما الآن، في لبنان؟ لكنني وضعتها على النت تحت تصرّف من يشاء، وللحقيقة قلائل من طلبوا العمل منّي ولم يصلني أي انطباع.. سوى عن الرواية القصيرة "الولعة".. وثمة مخطوط ثالث. وأردف: دعينا لا ننسى أنني نحات يكتب أحيانًا، وكثير من الكتّاب لا يستسيغون هذا أبدًا. وبما أن الفنون عندما تعرض في أمكنة مغايرة لمنبعها الفكري تقوم بدور الممثل لتلك الثقافة وذلك الفكر.

وحول نشاطه الفني منذ انطلقت الثورة السورية، يقول عاصم: خلال 26 سنة من المنفى الذاتي في إسبانيا لم أعمل يومًا واحدًا لإسبانيا. الهمّ الوحيد الذي رافقني دومًا كان البلد، وجرح البلد. أما معارضي بعد انطلاق الثورة فقليلة: في شباط/ فبراير 2012 عرضت في عمّان، صالة "كريم" وما زالت الأعمال أمانة عندهم.

ثم جاء معرض، أوسع قليلاً في مدريد، في "البيت العربي" تحت عنوان "تحية لنمير" دام شهرين ونصف الشهر نُقل بعد ذلك إلى قرطبة حيث يدوم عرضه أربعة أشهر، لغاية نهاية أيلول/ سبتمبر الحالي.

وشاركت الزملاء في "تجمّع التشكيليين السوريين المستقلّين" في معرضي القاهرة وبيروت، وألغي معرض عمّان لأسباب أجهلها. وبالمناسبة، أسّسنا التجمّع أثناء تواجدي في سورية، وهو تنظيم مهني معارض للنظام، وكنا نجتمع في مرسم الصديق يوسف عبدلكي.


الخصوبة المعوقة


"لقد أعطيتنا، وربما من دون وعي، الخصوبة المعوقة التي هي علامة زماننا" هذا ما قاله المسرحي الراحل سعد الله ونوس في منحوتات عاصم الباشا. رغبنا أن نعرف رأيه ما إذا كانت "الخصوبة المعوّقة" ما تزال علامة زماننا السوري، أجاب: فعلاً، كتب لي هذا في رسالة عنونها "نحت الخواء" والموجودة في أعماله الكاملة في ثلاث مجلدات. هي بحقّ قطعة وجدانية وإبداعية أعتزّ بها. كتبها كانطباع عن فيلم صوّرت له فيه بعض أعمالي في إسبانيا، في مشغلي.. بيتي.

قلت لنفسي: قل له ما تريد أمام الكاميرا وليرى محاولاتك. ثم فاجأني بتلك الرسالة. والحقيقة أنها رؤيته هو لأعمالي، وقد أجبته أنني قد أناقش الآراء لكنني أصمت إزاء الرؤى. وضع بلادنا هو الذي يجهض خصوبتنا، لكن هذا لا يعني أنها ليست ولاّدة. ثم أنني موافق مع "لوي أراغون" عندما قال إن "المرأة هي مستقبل الرجل".

ومن رؤية الآخرين لأعمال عاصم الباشا ننتقل إلى رؤيته لأثر نحاتي البلاط (السلطة) على الحركة النحتية في سورية، إذا جاز لنا أن نعتبر أنها حركة نحتية، وفيما إذا كان يعتقد أن المجتمع السوري بعد الخلاص سيقبل ما يسمى (منحوتات) والتي كانت تملأ شوارعه قال: مع الأسف سويّة معظم ما طُرح كنحت رسميّ (أسمّيه هكذا لأنه كان برعاية عصابة القصر الجمهوري التشكيلية) ضعيف للغاية وغثاثته تكاد تسبّب الغثيان، وذلك لأنها سوية القائمين على الارتزاق بما يسمّونه نحتًا.

أثناء وجودي في سورية بمناسبة معرضي في صالة "تجليات" الدمشقية في نهاية 2010 وبداية 2011 كتبت نصًا تحت عنوان " النحت الذي لا يصل " رفضت أكثر من وسيلة إعلام نشره، ونُشر بفضل تهديدات موال كان صديقًا لي آنذاك ثم افترقت بنا الطرق. ناهيك عن مستوى "التعليم" في كلية الفنون بعد أن غزاها "الدكاترة الفنانون البعثيون"! وجدت الوضع محزنًا نحتيًا.. عدا بعض الومضات التي لا بدّ منها، وجميعها اعتمدت على جهدها الخاص.


خبط عشواء


وتعقيباً على ذكره للموالي -الذي كانت تهديداته السبب في نشر نصه- أردنا الانتقال إلى مصطلح نقيض إلى المُعارض من زاوية محددة، من زاوية إقدام (النظام السوري) على اعتقال أصحاب القلم والريشة والنوتة الموسيقية من معارضيه هذا الاعتقال الذي أصبح نهج (النظام) خلال الثورة السورية وحول رأيه بهذا الخصوص وباعتقال صديقه الفنان التشكيلي يوسف عبدلكي بالتحديد قال:هو أمر يحيّرني فعلاً، فمن جهة يبدو وكأنهم يقدّرون أهمية الثقافة وخطورتها، وأنا واثق أنهم لا يفقهون في هذا، ومن جهة أخرى يفعلون لأنهم لا يفقهون. أرى ببساطة أنهم يعتقلون ويقتلون ويضطهدون كلّ من يخالفهم، أيّا كانت مهنته واختصاصه.

إنه العمى يضرب خبط عشواء. ليس يوسف أول من يُعتقل من العاملين بالثقافة، ولن يكون الأخير مع الأسف. ثمة من قتل تحت التعذيب ومن لا يُعرف عن مصيره شيء. ويوسف من الطاقات الأكبر والأتقى في المشهد التشكيلي السوري والعربي عمومًا. كتبت عن اعتقاله أكثر من مرّة، وأحسّ أن الكلام حول أهميته كفنان مبدع ضرب من النافل، فمن لا يعرف أهمية يوسف عبدلكي تشكيليًا هو جاهل للتشكيل، لا أكثر. وكنت قد سألت بالأمس صديقًا تشكيليًا ناشطًا في البلد حول ما إذا استنكر تشكيليّ موال اعتقال صديقنا، أجابني: لا أحد! كلنا صرنا نعرف من مع صديقنا يوسف ومن هو ضده وضدنا. والحقيقة أنني لا أتفاجأ، لا بد أن تنتج أربعة عقود من الطغيان حثالة وفيرة.


للتراب كلمة


عاصم الباشا وجه كلمة إلى التراب السوري عموماً وإلى تراب يبرود الذي خبأ في حناياه بعضاً من حياته – منحوتاته- واحتضن فيما بعد بعضاً من روحه -جسد شقيقه الشهيد "نمير"، قال: أجل، شقيقي نمير من الآلاف الذين قتلهم النظام تعذيبًا. كتبت ذكرياتي عن يوم اعتقالنا معًا، يوم داهم الجيش والمخابرات والشبّيحة بيت أخي والوالدة ونهبوا منهما ما ارتأوه. في اللحظة الأخيرة، وقبل انطلاق باص المعتقلين أطلقوا سراحي..

حدث ذلك في 8 آذار/ مارس سنة 2012. كان وزنه يوم اعتقاله 98 كلغ. ودُفن في 31 تشرين الأول / أكتوبر ووزنه 36 كلغ. بعد ضربة كهذه يدرك المرء أنه ما من خسارة أكبر.

صحيح أنني اضطررت لدفن مئات من أعمالي، لأنني نقلت إلى سورية غالبية نتاجي في إسبانيا خلال 24 سنة من النفي الذاتي بغية تأسيس مركـــز للنحت في يبرود. رحلت الحاوية بأعمالي في 7 آذار/ مارس 2011 وبعد ثمانية أيام بدأ الحراك.

ما كنا نتصوّر أن الحراك والردّ على المطالب الشرعية للشعب سيتأتى بمجزرة كهذه، لذا انتقلت أثناء الحراك إلى البلد وأسّست فيه مشغلي في يبرود. لكنه صار يتعرّض للقصف بعد أشهر فعمدت إلى حماية أعمالي بدفن ما تسنى لي. أمّا ماذا أقول للتراب الذي طوى نمير وأعمالي ؟… أفضّل مخاطبة ذلك الذي يقف عليه الأحياء، أقول له: أنت ستبقى.

11