النحام الوردي يرقص الفلامنغو على ضفاف بحيرة تونسية 

النحام يكتسب لونه الوردي من تناول جراد البحر وطحالب غنية بصباغ الطبيعة تعرف بالكارونتيات.
السبت 2018/09/15
طائر ينام على ساق واحدة

تونس – بدأت خيوط الفجر تنبثق من عتمة الليل الدامس.. وأخذت الشمس تتسلل شيئا فشيئا مرسلة أشعتها الذّهبية لتخرق السكون الذّي خيّم على بحيرة “قربة” الواقعة شرقي تونس.

السماء تزينت بزي الصباح فتحرك النحام الوردي المقيم بهذه البحيرة، ليبدأ نشاطه الصباحي بالتنقل بين ضفتي البحيرة بحثا عن غذائه، ويشرح باحث بيولوجي بأنه قضى الليل وهو ينام واقفا على ساق واحدة.

مختالا في مشيته، كان طائر النحام ويسمى أيضا الفلامنغو، يصدر تغريدات منبعثة من حنجرته الصغيرة وكأنه جوقة موسيقية متناغمة في حركاتها الرشيقة مرسلة “معزوفات” تنبئ ببداية يوم جديد ملؤه النشاط والحياة.

ويعتبر طائر النحام الذّي يتميز بعنقه الطويل ومنقاره المعقوف، من أجمل الطيور، ويستمد سحره وجماله من اللون الوردي الذّي يغطي جزءا كبيرا من ريشه.

ويعتقد الكثيرون أن النحام يولد ورديا إلاّ أن بحوث علوم الأحياء تؤكّد أنه يكتسب لونه الزهري من تناول جراد البحر والطحالب الغنية بصباغ الطبيعة تعرف بالكارونتيات، والتّي تعد الغذاء الأساسي له في حين أن صغاره تخرج من البيض بريش رمادي.

ولعلّ ما يميز طائر النحام عن بقيّة الطيور، وقفته الشهيرة فهو قادر على أن يقف على ساق واحدة ويضع القدم الأخرى تحت جناحه، حتّى أن البعض شبه هذا المشهد برقصة “الفلامنغو” الشهيرة في إسبانيا. يقول يوسف الجربي المنسق العام للجمعية التونسية لحماية الطبيعة والبيئة بقربة، إنّ “بحيرة قربة تعد واحدة من 13 بحيرة موجودة في الضفة الشرقية، للوطن القبلي (محافظة نابل) ولكنها أكبرها فهي تمتد على 11 كيلومترا وبعَرض يتراوح بين 500 و800 متر”.

وتقدر مساحة البحيرة بنحو 5 آلاف هكتار كما أنّ نصفها مغمور بالماء وهي لا تجف صيفا، إذ تضخ فيها عدة موارد مائية.

ويضيف، أنّ “المورد الأول للبحيرة هو ماء البحر الذّي يصبّ فيها في فصل الشتاء بفعل الهيجان، أما المورد الثاني فهو مورد اصطناعي إذ يضخ فيها حوالي 4 آلاف متر مكعب من الماء يوميا انطلاقا من محطة التطهير الموجودة على بعد 10 كم، والمياه المتأتية من بعض المصانع المختصة في تحويل مادة الطماطم والفلفل التي تصب مياهها بعد تنقيتها في البحيرة”.

وبحسب الجربي، فإن بحيرة قربة مسجلة منذ الثمانينات كمحمية ومنطقة رطبة ذات أهمية عالمية من حيث استيعاب كميات الماء عند هطول الأمطار فهي تمنع الفيضانات عن المنطقة كما أنها تعد محطة للكثير من الطّيور المهاجرة وتساهم في تغذية المائدة المائية.

وتمت تهيئة المحمية سنة 2002 بالشراكة بين البنك العالمي للتنمية وبنك فرنسا لتنمية بلدان البحر الأبيض المتوسط.

ويتمثّل مشروع التّهيئة في تنظيف البحيرة، وإحداث محطة تطهير للمدينة لأن المياه المستعملة كانت تصب في هذا المكان فتؤثّر سلبا في حياة الكائنات التي تعيش بها.

كما تتميز البحيرة أيضا بغطاء نباتي يحيط بها فنجد عشبة “الحماضة” وهي غنية بمادّة “الصودا”، إضافة إلى نبتة “السمار” (يصنع منها الورق والحصير المنزلي) التي تناقصت بسبب درجة الملوحة المرتفعة بالبحيرة.

وتحتوي المحمية حاليا على ما يفوق 70 نوعا من الطيور بفضل تضاعف منسوب المياه فيها فيما كانت هذه الطيور لا تتعدى 30 نوعا قبل عملية التّهيئة حين كانت تعاني من الجفاف.

وتعد طيور النحام الوردي التي تعمر لنحو 30 عاما، أبرز أنواع الطيور المميزة للبحيرة التي تضم بين 3500 و4 آلاف طائر، ولا يبقى منها في فصل الصيف سوى 800 أو ألف فقط.

وتصنف الطيور إلى ثلاثة أقسام، منها طيور مقيمة تجدها طيلة السنة، كما تأتي طيور أخرى من أوروبا في فصل الشتاء، أما النّوع الثالث فيجعل من البحيرة محطة له خلال تنقله بين قارتي أوروبا وأفريقيا ويقيم بها نحو أسبوع تقريبا.

يقول عماد السّتّي، الباحث المختص في البيولوجيا، إنّ “النحام واسمه أيضا باللهجة التونسية البشروش الورِدي يعدّ من الطيور المائية التّي تعيش دائما في المناطق الرطبة ذات المياه المالحة وغير العميقة”. ويتابع، أن هذا الطائر يعيش على الكائنات الموجودة في هذه البحيرات المالحة التي تصنف ضمن اللاّفقاريات وتوجد بهذا الماء، على غرار الروبيان والطحالب.

وبحسب السّتّي، لطائر النحام عادة خاصة به في تناول غذائه، فهو يخلط الرمل الراكد تحت مياه البحيرة بساقيه الطويلتين كما أن له مشط قريب من منقاره يساعده في الأكل. ويضيف السّتّي، “ترحل هذه الطيور أواخر الصيف في شهر سبتمبر إلى تونس وتقيم بها حتى نهاية فصل الرّبيع قادمة من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، كما اكتشف الباحثون منذ عشر سنوات أن هناك نوعا من النحام يأتي إلى تونس من تركيا وإيران”.

وبحسب الباحث، فإن “النحام يعيش طويلا وقد يصل إلى عمر 30 و40 عاما، ولكن معدل أعماره تقدر بـ 25 عاما”، متابعا، “تونس تستقبل سنويا من 40 إلى 45 ألف طائر”.

ويفسر السّتّي الوقفة المميزة للنحام الوردي بأنه “يحاول من خلال ذلك اختزان طاقته وأنه يقف على ساق واحدة كطريقة للنوم ونيل قسط من الراحة.

ويرجح الباحث أن تكون طريقته في الأكل هي الأقرب من رقصة الفلامنغو الإسبانية ذلك أنه يحرك ساقيه بطريقة راقصة كما أن ألوانه شبيهة بأزياء راقصي الفلامنغو.

Thumbnail
17