النحت على الخشب همزة وصل بين السودانييْن

يعتبر النحت من أقدم الفنون الجميلة في التاريخ والتي يستخدم فيها الإنسان كل طاقاته ومهاراته الإبداعية، وظل تطوره مرتبطا بتطور الإنسان، ومنه النحت على الحجارة والنحت على الشموع والنحت على الخشب، يعد أكثر الأنواع شيوعا في الدول الأفريقية وهو يستخدم لتجسيد أفكار الماضي والتعبير عن نمط الحياة والبيئة التي يعيش فيها الإنسان.
الثلاثاء 2015/11/10
أنامل الحرفيين تدون نمط حياة السودانيين وحضارتهم

الخرطوم- ربما كان قرقين كول، يستحضر شكل الحياة في قريته الاستوائية عندما كان ينحت مجسّما خشبيا لامرأة تحمل دلوا، بمهارة قد لا تتوفر لأولئك الذين درسوا النحت في كليات الفنون.

كول (41 عاما)، واحد من العشرات من النحاتين المنتشرين على الشاطئ الشرقي من النيل الأبيض في العاصمة السودانية الخرطوم يتباهون بتطويع الخشب، رغم أن أيّا منهم لم يدرس في كلية الفنون التي تفصلها أمتار فقط عن موقع عملهم.

ووسط ساحة لا تتجاوز مساحتها ألف متر مربع خصصتها السلطات مؤخرا لهؤلاء النحاتين لصناعة منتجاتهم وعرضها عوضا عن مكان آخر أقل تنظيما، بإمكان الزائر التعرف على وجه مشرق من الفلكلور السوداني، كما يقول عثمان خالد، أحد طلاب كلية الفنون.

والملاحظ في المنحوتات الخشبية أنها تجسد نمط الحياة في القرى والغابات الاستوائية، حيث تبدأ بنحت الحيوانات من فيلة وزرافات وأسود وغيرها، ولا تنتهي عند تجسيم المحاربين وأسلحتهم البيضاء من سهام وحراب وغيرها.

وبنظرة سريعة على المنحوتات الخشبية المعروضة على طاولات في مساحة مكشوفة على جانبي طريق سريع بمحاذاة النيل الأبيض، يمكن للزائر أن يلحظ سفينة شراعية صُنعت من خشب الأبنوس أو رجلا مسنا يرتدي زيّا تقليديا، كتجسيم لزعيم قبلي أو غزالة تفر من صبيّ يطاردها.

وهنالك الكثير من الأدوات التي تستخدم في النحت منها الإزميل المنشار والمبرد التي تساعد في خرط الأشكال المختلفة التي يتم اختيارها من قبل الفنان، وبعد الانتهاء من نحت الشكل المطلوب يتم طلاؤه بالألوان التي تناسبه.

حرفة النحت على الأخشاب تعتمد على خشب المهوقني والتيك

وتختلف الأسعار باختلاف قطع الخشب ونوعها، فمثلا هناك تحف تتجاوز الألفي جنيه سوداني وهناك عصا وصل سعرها إلى ثمانية آلاف جنيه، هذا فضلا عن القطع الصغيرة لمجسّمات مختلفة والتي يصل سعرها إلى عشرين جنيها.

ويقول يوسف أبوالحيا، الذي بدأ النحب كهواية منذ السبعينات ثم تحولت إلى مهنة رسمية بالنسبة إليه، “طريقة النحت على الخشب تبدأ بالرسم بواسطة الكربون لأنه يوضح شكل التصميم المراد نحته ثم يتم قطع الشكل بواسطة منشار، يلي ذلك استخدام أقلام الشيني للكتابة وأحيانا بالنحت المباشر ويتم تلوين المنحوتة بالألوان المائية والزيتية وغالبا ما تمزج الألوان بعضها ببعض لتعطي خليطا جذابا”.

وأغلب هؤلاء النحاتين ينحدرون من جنوب السودان، لكنهم آثروا البقاء في الشمال بعد انفصال البلدين عام 2011، وتعتبر حرفتهم “واحدة من حلقات الوصل التي ينبغي رعايتها بين الشعبين”، وفق طالب الفنون.

ويعزو قرقين كول، اختزال عملهم في هذا النمط إلى أن “الناس دائما مفتونون بما لم يشاهدوه من قبل”، لكن الفنان التشكيلي يوسف محمد، يشير إلى سبب آخر وهو أن “هؤلاء النحاتين يعبرون بالأساس عن بيئتهم”.

وتعتمد حرفة النحت على أخشاب المهوقني والتيك، لكن تبقى أخشاب الأبنوس الأكثر استخداما وثلاثتها يتم استيرادها من غابات جنوب السودان، وبدرجة أقل من غابات أخرى على الحدود مع هذه الدولة الوليدة.

وتعلّم كول هذه الحرفة من عمه الذي أخذها بدوره عن والده عندما كان عمره 20 عاما وسيورثها لابنه من بعده ولا يرى “رابطا بين إتقانها ودراستها في إحدى كليات الفنون”.”.

ويؤيد يوسف محمد، الفنان التشكيلي، ما ذهب إليه كول بالقول إنه وزملاءه “مهرة بدرجة لا يرتقي إليها الكثير من خريجي وطلاب قسم النحت في كلية الفنون”. ورغم شغف هؤلاء الرجال والصبية بحرفتهم، فإن عائدها المادي ليس كبيرا، وفقا لما ذكّره كول، فيما يتحسر محمد على وضعهم قائلا “رغم فنهم الراقي والمتقن، إلا أنهم لا يتلقون عونا حكوميا كإقامة معارض للترويج لمنتجاتهم على الأقل”.

يذكر أن أغلب زبائن سوق المنحوتات الخشبية هم من السياح الأجانب، وهو ما يرجعه محمد في حديثه إلى أن “الغرب عموما أكثر احتفاء بالفنون”.

وتجدر الإشارة إلى أن حرفة النحت على الخشب انتشرت في العاصمة الخرطوم منذ أكثر من 5 عقود، إلا أن نشأتها تعود إلى عصور بعيدة في موطنها الأصلي بالغابات الاستوائية، جنوب السودان، عندما كان النحت والرسم من الوسائل التي تعبر عن التواصل بين الناس.
20