النخبة التونسية والإرهاب: الرقص مع الذئاب

السبت 2014/05/31

الحدث الأخير الذي جد في محافظة القصرين، غرب تونس، عزز التصور القائل بأن تونس- كما جيرانها- واقعة تحت سطوة موجة إرهاب عالية المنسوب، لا مجرد أحداث متقطعة أو عمليات متفرقة. استهداف منزل وزير الداخلية (لطفي بن جدو) الذي يعرف الجناة مسبقا أنه محروس، دلّ أيضا على أن في العملية سعيا إلى إيصال رسالة إلى المؤسسة الأمنية برمتها ملخصها قدرة الإرهابيين على ضرب معاقلها، وأن الفاعلين لهم القدرة على فك الحصار عن جبل الشعانبي الذي أعلن بموجب مرسوم رئاسي “منطقة عسكرية مغلقة”.

في ما وراء الحدث، تداعت القراءات وتشابهت لكنها لم تشذ عن التفاعلات السابقة مع العمليات السابقة: إجماع واسع على التنديد بالإرهاب، واختلاف في التوصيف والتشخيص وفي فهم الدلالات والمآلات. اتفقت البيانات السياسية (حزبية ورسمية) على إدانة الإرهاب، وهذا مشترك وحيد. الوزير الأول التونسي اعتبر عملية القصرين “ردّ فعل على النجاحات التي حققتها وزارة الداخلية في الفترة الأخيرة” وأن “الحرب على الإرهاب مازالت طويلة ويجب على التونسيين أن يتفهموا”. أما رئاسة الجمهورية فقد أعلنت الحداد الرسمي في إجراء اعتاده الشعب التونسي بعد كل عملية إرهابية، إلى درجة أصبحت مثار سخرية وتنديد في آن. في سياق المواقف الحزبية قال راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية إن عملية استهداف منزل وزير الداخلية التونسي «جزء من مخطط إرهابي هدفه قطع الطريق عن نجاح المسار الانتقالي الانتخابي في تونس».

ولم تخرج بقية المواقف عن هذا النمط وتفاوتت بين الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني لبحث مقاومة الإرهاب (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية) وبين الدعوة إلى تنظيم مسيرات للتنديد بالإرهاب (الجبهة الشعبية في استحضار لعمليتي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي)، أو التعبير عن التعاطف مع وزير الداخلية (نداء تونس).

بالتوازي مع تلك المواقف السياسية، ساد تونس “إسهال” من المواقف والقراءات طغت على وسائل الإعلام، وأمنتها قيادات أمنية أو شخصيات سياسية أو جامعية (وحتى فنية) كانت تتداول على المنابر لتردد مقولات ألفها الشعب التونسي، لأنه سمعها سابقا في اغتيالات وعمليات سابقة، من قبيل ضرورة توحد الشعب التونسي بكل أطيافه ضد هذا الغول، وأن المؤسسة الأمنية تعترف بوجود إخلالات لكنها تتطور سعيا للوصول إلى مستوى “الأمن الجمهوري” وغيرها من الكلمات التي رددت سابقا بالطريقة نفسها وفي المنابر نفسها. وغاب من يجرؤ على وضع اليد على الجرح، ويسمي الأشياء بأسمائها ويقول إن الإرهاب من انفلات إعلامي وديني ودعوي ومسجدي دام طويلا.

الإرهاب استفاد بشريا من أوامر عفو أصدرتها رئاسة الجمهورية دون دراسة أو بحث أو تريث فكانت عمليات “شعبوية” أدت إلى إطلاق سراح مئات العناصر المتشددة التي كانت تقضي أحكاما طويلة مترتبة على أعمال إرهابية في تونس وفي غيرها، وكان بذلك العفو الرئاسي المسوّق بمسوغات حقوقية وإنسانية وحتى سياسية داعما للتنظيمات الجهادية القاعدية.

الإرهاب استفاد من توجه إعلامي بحث عن نسب المتابعة أكثر من بحثه عن مصلحة البلاد، فأتاح الفرصة لعناصر جهادية متشددة للتعبير عن غلوها وإبرازه للناس (الشاب الذي أظهر كفنه على المباشر مبرزا استعداده للاستشهاد) وساسة كانوا يبررون العنف الجهادي أو ينفون وجوده.

من بديهيات السوسيولوجيا أن الظاهرة لا تزول إلا بزوال أسبابها، وطالما أسباب نشوء الظاهرة الإرهابية قائمة فإن تعبيراتها ستتعدد، قد تختفي لكنها ستعود حتما كلما عنّ لها ذلك أو توفرت لها ثغرات أمنية، أو ظهر ما يدفع لبروزها على الساحة السياسية.


كاتب صحافي تونسي

9