النخبة الجزائرية مشوشة وتائهة في معركة الانتخابات

الخميس 2014/04/10
"الشعوب العربية تتغير وتتطور وتنتفض ضدّ الديكتاتوريات"

الجزائر - لا شكّ في أنّ المثقف الجزائري، وهو يعيش حمّى معركة الانتخابات، يؤسس لموقفه منها استنادا إلى وعيه النقدي بحال بلاده ومآلاتها؛ في هذا التحقيق، سعت “العرب” إلى استجلاء آراء مجموعة من المثقفين ليتعرف القارئ طبيعة السجال الذي يخوضه المثقف الجزائري في ارتباطه العضوي بالانتخابات الرئاسية الجزائرية التي تفصلنا عنها أيام معدودة.

الانتخابات الرئاسية الجزائرية القادمة وما يحفّ بها من ملابسات خلقت حراكا إعلاميا انصبّ أغلبه على مطالبة المثقّف بعدم التخلّي عن دوره الحضاري في كشف مخاطر المرحلة التي تقبل عليها الجزائر والإصداح برأيه لتجنيبها فوضى سياسية واجتماعية محتملة.

صمت جنائزي

الكاتبة والإعلامية فائزة مصطفى، تقول في هذا الشأن: «إنها “مسخرة” بكل المقاييس تلك التي يعرفها المشهد السياسي الجزائري الراهن، كيف للجزائر أن تتراجع خطوات شاسعة إلى الوراء بعدما كانت سباقة عربيا للتغير السياسي والاجتماعي بعد أحداث أكتوبر 1988؟

عرفت الجزائر قبل ربع قرن انفتاحا إعلاميا وثقافيا وممارسة سياسية ضمّت مختلف التيارات والحساسيات من النقيض إلى النقيض لتصبح ما تصبح عليه الآن، إذ نتحدث اليوم عن عهدة رابعة لرئيس متعب وعاجز لم يظهر لشعبه ولو مرة واحدة منذ سنتين كاملتين، لم يجر حوارا صحفيا مع أية وسيلة إعلامية وطنية منذ اعتلائه للسلطة قبل خمسة عشر عاما، بل لم يدخل البرلمان طيلة هذه المدة أبدا.

أحمد شنة: من النادر ان نسمع بانتخابات ناجحة في البلداان العربية

يحدث كل هذا وسط صمت جنائزي تغرق فيه أغلبية الأنتلجنسيا الجزائرية، وكأنها مصابة بعمى الألوان، لا تنتبه إلى العالم من حولنا رغم جولاتها المكوكية ومشاركتها في كبريات المهرجانات العالمية، كأنها صماء بكماء عمياء لا تدرك أن الشعوب العربية والعالمية تتغير وتتطور وتنتفض ضدّ الديكتاتوريات والجمهوريات الشمولية، أسقطت أنظمة ونصبت أخرى، صاغت دساتيرها وعدلت قوانينها وانتزعت حقوقها وحرياتها.

يحدث هذا بينما تراجعنا نحن الجزائريين، بعدما كنا بالأمس مثالا يقتدى، إنه شعور بالانهزامية والخروج من دائرة الحاضر والانتماء إلى العالم».

وتضيف مصطفى قولها: «أين هم هؤلاء الذين ينتزعون الجوائز الأدبية في المحافل الدولية؟ ويملؤون وسائل الإعلام ثرثرة، يكتبون ويحللون ويتفلسفون خارج دائرتي الزمان والمكان؟"

صمت الخزي

وتسأل فائزة مصطفى": أين مثقفونا مما يحدث الآن من مهازل في دهاليز السلطة التي وصلت إلى مسامع العالم؟ لم نسمع لهم صوتا ولا رأيا، وكأنهم في برج عاجي يقيمون، فلا أحد في الساحة إلا بعض الأصوات التي خرقت صمت الخزي والذل رفعها كتاب شباب وإعلاميون تقدموا صفوف المتظاهرين منذ بدء حراك الشارع الجزائري مطلع الشهر الحالي، ووقفوا ضدّ ترشح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لولاية أخرى، وطالبوا بمكافحة الفساد، وتعديل الدستور وإبعاد المؤسسة العسكرية عن ممارسة السياسة، أو بعض الأصوات التي تكسر جدار الصمت مرة على مرة، مثل “خرجة” الأديبة الجزائرية الشهيرة أحلام مستغانمي عبر نشر بعض رسائل الرفض على صفحتها في الـ”فايسبوك.

عبدالرزاق بوكبة: الشارع الجزائري لم يبادر إلى الربيع العربي خوفا من الارهاب

أما المثقف العضوي الجزائري فلا وجود له، بينما مثقفو السلطة ممن غنموا المال والمناصب فهم مدجنون، كطائر النعامة يدكون رؤوسهم في الرمل حفاظا على مصالحهم ومكتسباتهم».
لا نية في التغيير

أما الباحث أحمد شنة، رئيس أكاديمية المجتمع المدني الجزائري، فيقول: «ما من شك في أن الانتخابات بكل أصنافها، قد أصبحت مفصلا هاما في حياة الشعوب والدول، كما لم يعد خافيا إنها باتت من المؤشرات الأساسية على تطوّر تلك الشعوب واستعدادها للقبول بالمنظومة العالمية للديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، وهو ما تسعى البلدان العربية إلى تحقيقه بكثير من التعثر والارتباك، أمام غموض برامج الحكومات وسياسات الدول العربية في هذا الشأن.

ومن النادر جدا، يقول شنة، "أن نسمع بانتخابات ناجحة في أي من هذه البلدان، وأقصد بالنجاح طبعا، هو نسبة المشاركة المرتفعة للناخبين، وشفافية العملية الانتخابية ونزاهتها، ولا أستثني من هذا أيّ دولة عربية. ما عدا بعض الاستثناءات التي لا يكتب لها الدوام في أغلب الأحيان.

وليست الجزائر بدعة في هذا الإطار العام حيث لم تعرف الانتخابات فيها هي الأخرى، خروجا حقيقيا من نفق الاختلال والغموض، مما أفقد المؤسسات الدستورية فعاليتها وقوتها وشرعيتها في كثير من الحالات، ناهيك عن التغييب المتعمد للأجيال الجديدة من القادة الذين يمكنهم إحداث التغيير، ورفض الانتقال من مرحلة الشرعية الثورية والتاريخية إلى شرعية المؤسسات والكفاءات والنخب».

ويضيف شنه: «وهو ما أفرز ساحة جزائرية تكرر نفسها في كل مرة، بنفس الوجوه والسياسات والبرامج، مع اختلافات بسيطة في الديكورات والإكسسوارات التي تتطلبها كل مرحلة انتخابية، على غرار ما يحدث اليوم والجزائر على أبواب انتخابات رئاسية مصيرية، لم يشهد فيها المواطن أي نية في التغيير، سواء في نوعية المترشحين، أو في أساليب إدارة التحضيرات الإدارية لهذه الانتخابات. فالوجوه التي ترشحت من قبل، تكاد تكون هي نفسها التي ترشحت هذه المرة».

فائزة مصطفى: الانتخابات مسخرة بكل المقاييس

وضع سوريالي

من جهته يرى الكاتب والروائي الحبيب السائح أن هذه الأيام العصيبة، التي تمرّ بها الجزائر، في ظل الاستحقاق القادم، ترفع، بشكل محزن، الستار عن حال النخبة -الأنتلجنسيا- الجزائرية، لتظهر في عراء قفر، فزعة، مشوشة، تائهة، مرهقة، كأنما هي من أجداث مواتها ليوم قيامة توفض إلى كل طريق ولا طريق.

يقول: «ذلك أنها -النخبة الجزائرية- في وقت مثل هذا الذي نعيشه الآن، كانت ستكون هي إحدى أهم العلامات التي بها يهتدي المواطنون، في ظلمة أزماتهم، إلى طريق الخروج».

ويضيف السائح قوله: «هي بفعل تدخلها في الحياة السياسية ذات العلاقة بالقضايا الكبرى، تستطيع، بما تمتلكه من كفاءة علمية وفنية وبما تتمتع به من وزن أخلاقي واعتباري، أن تؤثر ليس فحسب على السياسيين لتحيين خطاباتهم، ولكن -وخاصة- أن تنير للمواطنين، التائهين في ظلمة غابة وسائل الإعلام المتوحشة، طريق الحقيقة إلى واقعهم كما يعيشونه إلى غدهم مثلما يتشوفون إليه».

تجاوزات الرجال

يتابع السائح قائلا: «إن هذا الوضع، الشبيه بالسريالي، الذي يحياه المواطنون، في هذه الأيام العصيبة من تاريخ بلدهم، كان يمكن أن يكون أقل دراماتيكية، بل عاديا جدا، بلا خوف ولا رعب مما قد ينزلق إليه، لو أن النخبة الجزائرية كان لها وجود فعلي، تملك وسائل تعبيرها وفضاءات تجمعاتها، وتحوز قانونها الاجتماعي، لتتدخل بأجوبتها الصارمة في جملة الأسئلة السياسيــة والقـــانونية التي تفرضها مثل هذه المرحلة التي نعيشها اليوم، بنــاء على ما ينص عليـه الدستور في الحالات القصوى.

ومهما تكن تجاوزات الرجال وأخطاؤهم تبقى الجزائر جمهورية ذات مؤسسات دستورية، وعلى الجميع، إذن، واجب احترامها وصونها.

إن مسؤولية الدولة لكبيرة جدا في عدم قدرتها -عبر الخمسين سنة الماضية- على تهيئة نخبة، لا تضطلع فحسب بمهمات إدارة دواليبها، ولكن أيضا لتنتشر في النسيج الاجتماعي فتؤدي دورها الريادي في التعليم والبحث العلمي والصحة والقانون والمال والتجارة والاقتصاد والأمن والدبلوماسية والأدب والفن والفلسفة والاجتماع».

الحبيب السائح: أيام عصيبة تمر بها الجزائر

العنف الأكبر

ويؤكد الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة أن الشعب الجزائري عاش تجربة مريرة مع الإرهاب على مدار عشرية كاملة، وهي مرارة انعكست على حياته في مختلف تجلياتها، لذلك فقد قبل بمشروع المصالحة الوطنية الذي جاء به الرئيس الحالي عام 1999، رغم صعوبة أن يصالح الإنسان قاتله، صعوبة الاستمرار في العنف هوّنت تلك الصعوبة.

يقول بوكبة: «لذلك فالشارع الجزائري لم يبادر إلى التفاعل مع الربيع العربي، ولم يعمل على الانخراط فيه، خوفا من العودة إلى تجربة التسعينات.

وقد استغلت السلطة هذا المعطى وميّعت كل الإصلاحات، وها هي اليوم تتمادى في استغلال هذا الخوف المبرر بفرض مرشح ليس مؤهلا صحيا قبله الشعب من قبل بسبب مشروعه الرامي إلى إخراج البلاد من العنف، وليته قدّم أوراق ترشحه مثل الآخرين، وفق ما يمليه الدستور الذي عدّله عام 2008 مجردا إياه من إحدى أهمّ مواده التي تحدد العهدات الرئاسية باثنتين، بل ترشح بطريقة توحي بأنه الرئيس القادم، والسكوت على هذا الوضع بمبرر الخوف من العودة إلى العنف، سيؤسس لوضع أخطر من الإرهاب نفسه، وضع سيقوم على نسف آخر خيوط الثقة بين الدولة ومواطنيها، وهذا بدوره سيؤسس لعنف أكبر».

أما الناقد عامر مخلوف فيقول: «في سبعينات القرن الماضي، لما كانت الجزائر تنتهج الاشتراكية شعارا، كان المثقفون إما ينتمون إلى تنظيم سياسي يتبنّى هذا الفكر أو أنهم ينتمون إلى اليسار بصفة عامة. فكانت المواقف تُفرز على أساس يمين ويسار. فأما بعد ذلك فقد أطلق العنان للتيار الإسلاموي بغرض التراجع عن السياسة السابقة، فوجدت التنظيمات الدينية نفسها أكثر تنظيما واكتسحت الساحة مستغلّة الإيمان السائد في أوساط شعب يعاني من الأمية والجهل، والنقمة على النظام القائم والتمويل الذي لا تُعرف مصادره».

عامر مخلوف: التنظيمات الدينية اكتسحت الساحة مستغلة الأمية والجهل

مهزلة جزائرية

يضيف بوكبة قوله: «تعرّض المثقفون للاغتيال والتشريد وأصيبوا بالتشرذم كما أصبحت التعددية بديلا عن الديمقراطية، ما سمح بالعودة إلى فكرة الزعيم المنقذ وما سمح للزعيم أيضا بأن يمارس تسلّطا مفضوحا بدءا بتعديل الدستور للتربع على الكرسي حتى الموت.

والفضل -في حالة الاستقرار النسبي الذي عرفته البلاد- إنما يعود إلى الذين ذُبِّحوا وشرِّدوا من وطنهم لا إلى شخص غاب أكثر من عشرين عاما ولم يكن يرى إلا نفسه في المرآة. وإن الذين يحيطون به اليوم كما الذين جاؤوا به، أشبه بأولئك الذين أحاطوا بالحبيب بورقيبة، وهم لا يسعوْن إلا للمحافظة على مصالحهم ولو وصل الرئيس إلى درجة كريهة من المهانة وخرج من الباب الضيق بعدما كان يتوهَّم أنه سيدخل التاريخ من بابه الأوْسع، إذ لم يكن يرى نفسه أقل شأنا من “نابليون” يوم قال لصحفي فرنسي “إنه يفوق نابليون ببضع سنتيمترات”.

إن ما يجري اليوم لا يعدو أن يكون مهزلة لا سابق لها. لكن الإشارة الدالة على هذا الوضع المتردِّي، لعلها تجعل الجزائر تودِّع مرحلة الحكم باسم الشرعية التاريخية التي جعلت مجموعات ضاغطة تتبادل المواقع في هرم السلطة منذ الاستقلال، وأن يأتي كل رئيس بدستوره الخاص، وأن تودِّع خاصة فكرة الزعامة التي لم تعد تنتمي لهذا العصر».

15